شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

اشترك/ ي وشارك/ ي!
إما شهداء أو معتقلون أو نازحون... نصف طلاب فلسطين لن يتخرجوا هذا العام

إما شهداء أو معتقلون أو نازحون... نصف طلاب فلسطين لن يتخرجوا هذا العام

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

هذه هي المرة الأولى التي تنطلق فيها امتحانات الثانوية العامة، أو ما يسمى في فلسطين "التوجيهي"، دون قطاع غزة، منذ النكبة 1948.

قبل نحو أسبوعين، بدأت مدارس فلسطين امتحاناتها التي تعتبر نتائجها لحظة مفصلية في حياة الشباب الفلسطيني. فتشهد مدن فلسطين وقراها احتفالات كبيرة احتفاءً بنتائجها. ويخرج الخريجون والعائلات إلى الشوارع كأنه عرس وطني.

لكن هذا العام هو عام الحزن. إذ تحصي فلسطين نسبة 56% من طلابها المحرومين من التعليم، إما شهداء أو جرحى أو نازحين أو معتقلين أو محاصرين في قطاع غزة والضفة الغربية.

فوفقاً لوزارة التربية والتعليم، استشهد 430 طالب ثانوية عامة في القطاع، فيما استشهد عشرون آخرون في الضفة، منذ بدء حرب الإبادة على غزة.

كما استشهد 350 معلمةً ومعلمة، وجُرح 12500 طالب، بينهم 2500 أصبحوا من ذوي الإعاقة.

فيما يحاول 39 ألف طالب في القطاع النجاة بأنفسهم، بعد أن حرموا من سنة دراسية كاملة، حتى اللحظة.

طلاب غزة منزوعون من حق التعليم

يارا الأسطل هي طالبة في الثانوية العامة من خانيونس. حصلت العام الماضي على تفوق بمعدل 99%.

استعدت خلال العطلة الصيفية الماضية لامتحان الثانوية العامة، فخصصت ساعتين للدراسة يومياً، كي تصل إلى حلمها في الحصول على منحة لدراسة الطب في الخارج.

"انتظم الدوام المدرسي مدة شهر واحد، ثم اندلعت الحرب. وتوقف كل شيء"، تقول يارا لرصيف22.

وتتابع: "انطلاق الامتحانات في فلسطين، خلال حرماننا من تقديمها، كان أصعب لحظة أمر بها. أتابع الآن أخبار الامتحانات في الضفة عبر وسائل التواصل الاجتماعي. وأحرص على مشاهدة التقارير المتلفزة التي يتحدث فيها الطلاب عن ردود أفعالهم بعد خروجهم منها. لو أنني تمكنت من التقديم، لأبدعت في مادتي الفيزياء والأحياء".

نزحت يارا مع عائلتها ثلاث مرات. وقبل مغادرة بيتها لأول مرة في كانون الأول/ ديسمبر الماضي، أخذت معها مجموعة من دفاترها الدراسية التي شعرت أنها مهمة وقد تحتاجها.

يارا هي فرحة العائلة الأولى، البنت البكر. وتقول إنها كانت تخطط لإقامة حفلة كبيرة عندما تنهي الثانوية العامة.

"انطفأت قلوبنا. لا أعرف بم أفكر. أعرف بأن حلمي واضح، أريد دراسة الطب، إن بقيت بخير"، تقول يارا بحسرة.

استشهد 430 طالب ثانوية عامة في القطاع، فيما استشهد عشرون آخرون في الضفة، منذ بدء حرب الإبادة على غزة. كما استشهد 350 معلمةً ومعلمة، وجُرح 12500 طالب، بينهم 2500 أصبحوا من ذوي الإعاقة

وفي الوقت الذي كان يمكن ليارا أن تعيش حياتها المدرسية الاعتيادية، كانت تبيت في خيمة تغرق بمياه المطر في الشتاء وتنتشر فيها الحرارة والحشرات في الصيف، كما تصف.

وهذه أيضاً حال آلاف الطلاب الذين فقدوا مدارسهم في غزة. فقد تضررت نحو 307 مدارس في القطاع، منها 62 مدرسة تم استهدافها من قبل إسرائيل بشكل كامل، حسب وزارة التربية والتعليم.

يقول لرصيف22 مدير عام الحركة العالمية للدفاع عن الأطفال في فلسطين، المحامي خالد قزمار "إن حق التعليم غير مصان للطالب الفلسطيني، ويكاد يفقد محتواه حسب ما ورد في العهد الدولي لحقوق الإنسان واتفاقية حقوق الطفل".

ويضيف: "سجلنا ونسجل مئات الانتهاكات لحقوق التعليم في الصف الغربية. أما إذا تحدثنا عن قطاع غزة، فمنذ السابع من أكتوبر 2023 وحتى الآن، ثمة انتهاك ممنهج ومستمر وواسع في صفوف الطلاب الفلسطينيين والعملية التعليمية".

اقتحام واعتقالات في مدارس الضفة

"تواصل سلطات الاحتلال اعتقال حوالي 40 طالباً من طلبة الثانوية العامة من الضّفة في سجونه. فضلاً عن مئات حالات الاعتقال والاحتجاز بين صفوف الطلبة من المدارس والجامعات، منذ بدء حرب الإبادة المستمرة"، يقول نادي الأسير في بيان له.

وأشار البيان إلى أن هذا المعطى لا يشمل الطلبة الغزيين الذين تعرضوا للاعتقال أو الإخفاء القسري في سجون الاحتلال.

وتؤكد الناطقة الإعلامية باسم نادي الأسير أماني سراحنة، في حديث لرصيف22 "أن اعتقال الطلبة يأتي في سياق سياسة ممنهجة، لا تنتزع الطلاب من مقاعد الدراسة فحسب، بل من أحضان عائلاتهم أيضاً".

وتردف: "تُنفّذ بحق هؤلاء الطلاب جرائم وانتهاكات مركبة لا تنتهي بعملية الاعتقال. فهنالك طلبة تعرضوا لاستدعاء وآخرون تعرضوا للضرب والتنكيل خلال عملية الاعتقال".

وتؤكد سراحنة أن إسرائيل اعتقلت طلاباً وهم جرحى، أو لمجرد صلة قرابتهم بشهيد أو جريح.

ونوهت بأن الوضع الراهن المتمثل باستمرار الحرب، حرم الأسرى الطلاب من استكمال العملية التعليمية خلف القضبان.

أنا غير قادرة على التفكير بالمستقبل. لا أدري ماذا أريد. أتمنى أن لا يضيع لنا تعب وأن تنتهي هذه الحرب

فقد كان الأسرى البالغون يتولون مهمة تنظيم جلسات تعليمية للأسرى الطلاب قبل الحرب، لكن هذه التفاصيل فقدت بالكامل منذ السابع من أكتوبر.

ويعتبر اقتحام المدارس أو منع الطلاب من التوجه إلى مدارسهم مشهداً متكرراً، لا تردعه قوة أو سلطة.

فقد قامت قوات الاحتلال الإسرائيلي قبل أسبوع بإغلاق حاجز قرية بيت اكسا شمال غرب القدس، وهو المدخل الوحيد للقرية، فمنعت طلبة الثانوية العامة من الخروج من القرية لتقديم امتحاناتهم.

وتحاصر قوات الاحتلال هذه القرية بجدار الفصل العنصري في سبيل عزلها عن الضفة الغربية، بعد أن استولت على جزء من أراضيها لإقامة مستوطنة "راموت".

وهو شأن عشرات القرى الفلسطينية التي تواجه الاستيطان المستشري في الضفة، فيدفع مواطنوها وطلابها أثمانه.

"في العديد من الحالات التي وثقناها، يتم اعتقال الطالب في اليوم الأول للامتحانات أو قبله بيوم ويتم الإفراج عنه بعد انتهاء امتحانات الثانوية العامة، وهدف ذلك حرمان الطفل من العام الدراسي، ولا تقتصر هذه السياسة على طلاب الثانوية العامة بل أيضاً يتم اعتقال أطفال من أجل حرمانهم من حقهم بالتعليم".

الذهاب إلى المدرسة أصبح مغامرة

تسكن طالبة الثانوية العامة مريم وشاحي في مخيم جنين. وفيما يعيش المخيم، منذ بداية حرب الإبادة، اجتياحات شبه يومية للجيش الإسرائيلي، تصف مريم رحلة "التوجيهي" بالمغامرة.

فتقول لرصيف22 إن مدرستها تقع خارج المخيم. والطريق إليها لا تتعدى عشر دقائق في الوضع الطبيعي. لكنّ الذهاب يستغرق الآن ضعفَي الوقت نظراً لحالة الشوارع التي دمرها الاحتلال.

أحياناً، تحصل عمليات الاقتحام التي ينفذها الجيش الإسرائيلي حين تكون مريم في طريقها إلى المدرسة لتقديم الامتحانات. "عندها لا نعرف أين نذهب بأنفسنا"، تقول.

"ذات مرة حوصرنا قرب مجمع تجاري. وأخرى حوصرت مع ست طالبات قرب مكان وجود قوات إسرائيلية خاصة. أعتقد أن مريول المدرسة كان يحمينا في هذه اللحظات"، تضيف مريم.

لا أحد يتصور أن وصول الطالب إلى المدرسة لتقديم امتحان الثانوية العامة يحتاج إلى تدخل دولي وبعثات دولية لتقوم بالتنسيقات اللازمة

أنجبت غادة، والدة مريم، مؤخراً. واحتاجت في أحد الأيام إلى التوجه إلى المستشفى. لكن الاحتلال يمنع دخول الإسعاف إلى المخيم خلال الاجتياحات. فاضطر طاقم الإسعاف إلى التوجه سيراً على الأقدام لاصطحاب مريم وأمها إلى المستشفى. وأثناء سيرهما أطلق الجنود الإسرائيليون النار بشكل عشوائي اتجاههما.

تقول مريم: "أنا غير قادرة على التفكير بالمستقبل. لا أدري ماذا أريد. أتمنى أن لا يضيع لنا تعب وأن تنتهي هذه الحرب".

ترى والدة مريم أن ظروف المخيم غاية في الصعوبة. "أنا ابنة المخيم ويمكنني القول إن ما نمر به الآن لم نشهده سابقاً حتى في خلال الانتفاضة"، تؤكد لرصيف22.

وتردف: "مريم هي فرحتنا الأولى. ونحن نحاول دعمها. لكن الاقتحامات المتكررة وما يرافقها من قطع كهرباء ومنع تجول وخوف، يجعل كل شيء معقداً".

من يحمي حقهم في التعليم؟

يوضح قزمار أن الطالب الفلسطيني في الضفة وغزة يعيش حالة عدم استقرار دائمة، وعدم توفر الأمن الشخصي.

"في غزة مثلاً، يتوقع الطفل الموت دائماً. فكيف ستكون حالته النفسية في الوقت الذي ينحصر تفكيره في البقاء على قيد الحياة؟ الوضع في الضفة قاس أيضاً. فالاحتلال يعتمد انتهاك حقوقهم على نحو يومي"، يؤكد قزمار.

ويلفت إلى أن خصوصية الوضع في فلسطين مختلفة وتكاد تكون الأولى من نوعها على مستوى العالم.

"لا أحد يتصور أن وصول الطالب إلى المدرسة لتقديم امتحان الثانوية العامة يحتاج إلى تدخل دولي وبعثات وهيئات دولية لتقوم بالتنسيقات اللازمة"، يقول.

لكن ثمة سؤال، هل من جهة محلية قادرة على حماية حق طلاب الضفة وغزة بالتعليم؟ يقول لرصيف22 صادق خضور المتحدث باسم وزارة التربية والتعليم إنه "عندما تتوفر الظروف المناسبة، سيتم تعويض طلبة التوجيهي في قطاع غزة حتى لو تطلب الأمر عقد سنة دراسية خاصة".

ويشير إلى أن وزارة التربية والتعليم تسير وفق خطة طوارئ بالتعاون مع الشركاء الرئيسيين للوزارة، وهم منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف) والبنك الدولي، على أن يبدأ العمل بها فور انتهاء الحرب.

وقال الخضور شارحاً، إن "خطة الوزارة مبينة على 4 مرتكزات تشمل مسحاً ميدانياً شاملاً وتقييماً لحجم الأضرار، وتوفير مساحات جديدة إلى حين إعمار المدارس، وتعويض الفاقد التعليمي، وتقديم تدخلات نفسية. مشدداً على أن الصحة النفسية هي عامل أساس من خطة العودة إلى المدارس ودعم الطلبة في التعافي.

ولعل هذه الخطط تظل ردود فعل صغيرة أمام الجرائم الكبيرة التي يرتكبها الاحتلال الإسرائيلي بحق الطفولة والأطفال في فلسطين. منها جرائم لم يعد بالإمكان تعويضها. 

إنضمّ/ي إنضمّ/ي

رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

منبر الشجعان والشجاعات

تكثُر التابوهات التي حُيِّدت جانباً في عالمنا العربي، ومُنعنا طويلاً من تناولها. هذا الواقع هو الذي جعل أصوات كثرٍ منّا، تتهاوى على حافّة اليأس.

هنا تأتي مهمّة رصيف22، التّي نحملها في قلوبنا ونأخذها على عاتقنا، وهي التشكيك في المفاهيم المتهالكة، وإبراز التناقضات التي تكمن في صلبها، ومشاركة تجارب الشجعان والشجاعات، وتخبّطاتهم/ نّ، ورحلة سعيهم/ نّ إلى تغيير النمط السائد والفاسد أحياناً.

علّنا نجعل الملايين يرون عوالمهم/ نّ ونضالاتهم/ نّ وحيواتهم/ نّ، تنبض في صميم أعمالنا، ويشعرون بأنّنا منبرٌ لصوتهم/ نّ المسموع، برغم أنف الذين يحاولون قمعه.

Website by WhiteBeard