شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

انضمّ/ ي إلى ناسك!
السوق الخلفية للتجارة السياسية بمصر… كيف ساهمت

السوق الخلفية للتجارة السياسية بمصر… كيف ساهمت "الأحزاب الورقية" في تدهور العملية السياسية؟

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

سياسة نحن والحريات العامة

الجمعة 5 يوليو 202402:41 م

ما تزال ظاهرة بيع الأحزاب السياسية تؤرِّق الساحة السياسية في مصر في ظل تنامي ما يُعرف بـ"الأحزاب الورقية" التي تتمتع بوضع قانوني دون أي نشاط حقيقي لها، إذ باتت هذه الأحزاب تُباع وتُشترى كما لو كانت سلعاً تجارية.

لعل أحد أسباب هذه الظاهرة إيقاف ترخيص المزيد من الأحزاب والتضييق في ما خص موافقات إشهارها من قبل لجنة شؤون الأحزاب. إذ رأت الدولة أن هناك عدداً هائلاً من الأحزاب في مصر٬وخاصة بعد انتشارها عقب ثورة 25 كانون الثاني/ يناير 2011.

بحلول عام 2018، بلغ عدد الأحزاب السياسية المسجلة رسمياً في نظام الدولة، والمعتمدة من لجنة الأحزاب 104، بينها 20 حزباً فقط تحت قبة البرلمان، 5 منها لديها هيئات برلمانية يزيد عدد نوابها عن 10 نواب داخل المجلس، وهى أحزاب مستقبل وطن، وحماة الوطن، والشعب الجمهورى، والوفد، ومصر الحديثة. وتُشير صفحة "الأحزاب السياسية" عبر موقع "الهيئة المصرية العامة للاستعلامات"، إلى 87 حزباً سياسياً فاعلاً، ربما لا يعرف المصريون المتابعون للمشهد السياسي أكثر من 10 أحزاب إلى 15 منها على أقصى تقدير.

بالعودة إلى ظاهرة "بيع الأحزاب الورقية"، تذكر مصادر متعددة مطّلعة، لرصيف22، أن سعر الحزب لا يقل عن 6 ملايين جنيه مصري (نحو 125 ألف دولار أمريكي). علماً أن "السعر" يتباين وفق عدة عوامل من أبرزها: وجود خلافات حول ملكية الحزب، هل وضع الحزب سليم قانونياً تماماً وإجراءات تأسيسه مكتملة، هل لديه عدد لا بأس به من الأعضاء. وأحياناً تختلف "التسعيرة" وفق هوية المشترى - إذا كان رجل أعمال وشخصية معروفة مثلاً. وتختلف وفق الأهداف والأيديولوجيات أيضاً، وإذا كان الحزب يمتلك موارد ربحية وجريدة مشهرة من عدمه. التاريخ السياسي. للحزب أيضاً عامل يزيد سعره٬لأن ذلك يساعد المشتري على سرعة إعادة إحيائه من جديد.

"الأحزاب الورقية/ الأحزاب الكرتونية/ الأحزاب الأسرية"... ماذا تعني هذه المصطلحات التي يتكرر ذكرها في المشهد السياسي المصري؟ ولماذا تُلام ثورة "25 يناير" على ظهورها؟ وكيف تؤثر على التعددية الحزبية والمشاركة السياسية في البلاد؟

وينظّم قانون 40 لسنة 1977 وتعديلاته عملية تأسيس وإدارة الأحزاب السياسية. أما عملية الإتجار في الأحزاب فهي غير قانونية. وعادةً ما يتم التحايل لإتمام عمليات البيع هذه في حالة عدم تدخل أي أعضاء لمنعها.

وشهدت الآونة الأخيرة نقاشات عدة حول ظاهرة "الأحزاب الورقية"، مع اقتراحات بدمج و/ أو إلغاء تلك الأحزاب خلال جلسات الحوار الوطني، الذي رعاه النظام المصري، التي خُصصت لمناقشة تعديل قانون الأحزاب.

من التصريحات التي نقلتها الصحف المصرية من داخل هذه الجلسات، تصريح النائب عماد الدين حسين الذي قال: "هناك 84 حزباً شرعياً أو رسمياً بالإضافة إلى أحزاب أخرى تحت التأسيس. للأسف، هناك أحزاب في مصر عبارة عن رجل وابنه أو رجل وزوجته. الأحزاب العائلية موجودة في الخارج لكن بها الكثير من الأعضاء، وأتمنى أن تكون هناك مقترحات بخصوص الدمج، وأن الأحزاب التي لا تحقق نسبة انتخابية محددة مثل 2% أو 5% يتم تفكيكها أو دمجها في أحزاب أخرى من أجل القضاء على ظاهرة الأحزاب الضعيفة".

في الأثناء، لم تتوقف الأنباء حول مساعي بيع بعض هذه الأحزاب. ورواج أخبار عن نزاعات قضائية لمنع محأولات نقل ملكية أحزاب أخرى مثل حزب صوت الشعب. لعل هذا ما دفع رصيف22 إلى فتح هذا الملف لمعرفة ما هي "الأحزاب الورقية" ومتى ظهرت وكيف تؤثر على التعددية الحزبية والممارسة السياسية بشكل عام في مصر؟ وما هي أشهر حالات النزاع الحزبي حولها؟ وهل من حلول للقضاء عليها؟

الأحزاب الورقية متى ظهرت ولماذا؟

انتشر منذ فترة مصطلح "الأحزاب الورقية" أو "الأحزاب الكرتونية" للإشارة إلى الأحزاب التي ليس لها نشاط حقيقي في الشارع السياسي٬ونادى بعض السياسيين والمسؤولين في الدولة بإغلاق هذه  الأحزاب. كما صرّح الرئيس عبد الفتاح السيسي في أحد خطاباته بأنه من الأفضل دمج تلك الأحزاب في حزب أو اثنين بالكثير. وهو المطلب الذي بات يرفعه عدد من الشخصيات المشاركة في "الحوار الوطني"، وسط دعوات إلى تشريع قانون يغلق الأحزاب التي لم تنجح في حصد أية مقاعد برلمانية.

ترتبط هذه الظاهرة ارتباطاً وثيقاً بالانفراجة التي حدثت في إنشاء الأحزاب السياسية بعد "ثورة يناير عام 2011"، والزيادة الكبيرة في أعداد الأحزاب في ظل حماسة مجموعات كبيرة من الشباب والتيارات الفكرية للانخراط في العملية السياسية. هذه الحماسة التي "سرعان ما انطفأت واختفت".

هذا ما يوضحه لرصيف22 المحامي وعضو الهيئة العليا للحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي، إسلام الضبع، الذي يقول إن "الأحزاب الكرتونية" عبارة عن مجموعة مؤسّسين قاموا بجمع توكيلات وهمية بطرق غير شرعية أو مهنية أو بمقابل مالي، بهدف استكمال الشروط القانونية لتأسيس الحزب بدون قواعد أو خطط خدمية أو عمل سياسي حقيقي في الشارع المصري.

ويستطرد "في الغالب، يكون هؤلاء المؤسسون رجال أعمال وتابعين لهم، يتقلدون مناصب داخل الحزب، ويقومون بإصدار قرارات منفردة بدون تطبيق القانون واللوائح المنظمة للعمل الحزبي، مع توزيع المناصب عشوائياً داخل الحزب بقرارات فردية عادةً يُصدرها شخص واحد، دون انتخاب جمعية عمومية أو استيفاء الشروط والضوابط".

يشدد الضبع على أن "هذه الأحزاب ليست مؤثرة في العمل السياسي العام ولا في الشارع المصري، ولكن برغم كل هذا بعضها قد يحصل على مقاعد نيابية داخل مجلسي النواب والشيوخ". 

يلفت المحامي المصري إلى "صعوبة" تأسيس أحزاب في الوقت الحالي معتبراً أن هذا "يفتح الباب أمام بعض رجال الأعمال والسياسيين لشراء أحد الأحزاب الورقية المستوفية لجميع الأوراق"، ومردفاً بأن عملية بيع الأحزاب السياسية "تكون غير معلنة وتتم في الخفاء بشكل توافقي".

"في الغالب، من يقوم بشراء الأحزاب السياسية يعيد هيكلة الحزب ويعيد تشكيله عن طريق تعيين أشخاص جدد، ويكون هدفه الأساسي الحصول على مقعد داخل المجالس النيابية بالبرلمان أو الشيوخ والمجالس المحلية في ما بعد"، يختم عضو الهيئة العليا للمصري الديمقراطي.

"نتيجة حرية إنشاء الأحزاب السياسية بعد 'ثورة يناير'، أصبحت لدينا أحزاب هدفها ممارسة العمل السياسي حقاً، وأحزاب أخرى أُسِسَت من أجل الوجاهة الاجتماعية، وهذه النوعية أطلق عليها الأحزاب الأسرية، بمعنى أن رئيس الحزب هو المؤسس وقيادات الحزب هم أولاده وأقاربه. وهذا النوع من الأحزاب لم يتفاعل في الشارع المصري"

بيع الأحزاب… سوق سياسية خلفية رائجة؟

وتعددت حالات بيع الأحزاب في السنوات الأخيرة، منها ما تم بالفعل، ومنها ما جرى إرجاؤه. وتتم هذه العملية بحذر شديد حتى لا يقع المؤسسون في المحظور مثلما حدث لحزب "صوت الشعب" الذي ما يزال أعضاؤه يواجهون أزمة أمام القضاء في صراع بدأ بإعلان لجنة شؤون الأحزاب رفض انعقاد الجمعية العمومية وإعادة تشكيل لجنة من الأعضاء القدامى الذين لجأوا إليها معترضين على ما وصفوها "صفقة".

عن ذلك، يقول المتحدث الرسمي باسم حزب صوت الشعب وأحد مؤسسيه، محمد الشريف، لرصيف22: "لدينا واقعة خاصة تتلخص في أن المستشار أحمد حسين البراوي رئيس حزب صوت الشعب ووكيل مؤسسي الحزب، أقام جمعية عمومية للحزب خلال عام 2021 وكانت باطلة بسبب عدم اكتمالها، ثم دعا مرة أخرى لجمعية عمومية خلال كانون الثاني/ يناير 2023، بالمقر الرئيسي للحزب بمحافظة بني سويف، وكانت نتائج الانتخابات الداخلية للحزب صادمة، بسبب وجود أسماء أشخاص ليسوا أعضاء في الحزب من قبل٬ ما يعد مخالفة للائحة الحزبية بعدما قام عدد من أعضاء الحزب بالتصويت لصالح أشخاص بعينهم، يحملون أفكاراً وأهدافاً مخالفة للحزب. لذا، قمت أنا ومجموعة من الأعضاء برفض هذا العملية لأن هذا بمثابة 'بيع' للحزب وأهدافه".

يضيف الشريف أنه تقدم بشكوى للجنة شؤون الأحزاب السياسية المصرية، موضحاً بها ما تم خلال العملية الانتخابية وإجراء الجمعية العمومية المخالف للائحة٬ وكذلك قرار المستشار البراوي، بصفته وكيل المؤسسين، بتعيين محمد بدران، رئيساً لحزب صوت الشعب رغم أنه لم يكن عضواً في الحزب من الأساس". وتنص اللائحة الحزبية على أن من يتولى منصباً قيادياً في الحزب، ينبغي أن يكون قد مر على انضمامه ستة أشهر على الأقل، وهو ما لا ينطبق علي بدران ومجموعته على حد قول الشريف. 

ويردف الشريف بأنه لاحقاً وصلته أنباء مفادها أن الحزب تم بيعه، وأنه واجه المستشار البراوي بذلك، وطلب منه إعادة الحزب لأصحابه المؤسسين، وتصحيح الأخطاء القانونية التي ارتكبت، ولكنه رفض. كما يلفت إلى أن لجنة شؤون الأحزاب السياسية بعد التحقيق  "قرّرت إخلاء منصب رئيس الحزب الذي يتقلده بدران بالمخالفة القانونية، وهذا القرار يؤكد أننا على حق وهم على باطل. وبناء عليه، قرّرنا - نحن المؤسسون - تعيين اللواء معز الدين السبكي، رئيساً للحزب٬ لتسيير أموره لحين انعقاد جمعية عمومية لانتخاب رئيس للحزب. وأعضاء هيئة عليا وبعض المناصب القيادية". كما قام الشريف ورفاقه برفع دعوى قضائية أمام القضاء المصري، وتحددت جلسة النطق بالحكم فيها في 28 آب/ أغسطس 2024.

تتبنى الهيئة العليا الحالية للحزب، برئاسة بدران، موقفاً معارضاً تماماً وتشدد على قانونية وجودها. ولم يتسنَ لرصيف22 التواصل مع أحد ممثليها للرد على ما ذكره الشريف.

بيع الأحزاب يعكس خطورة "الأحزاب الورقية"

في سياق متصل، يقول عضو اللجنة التشريعية لحزب الوفد وعضو الهيئة العليا، المهندس ياسر قورة، لرصيف22، إن الهدف الأساسي لأي حزبٍ سياسي هو التواصل مع المواطنين في الشارع، بغض النظر عن التوجه الأيديولوجي، في حين أن الهدف الأبعد كما يرد في العلوم السياسية هو الوصول إلى الحكم من خلال نشر أفكار الحزب وجذب أكبر عدد من المواطنين له، بما يتناسب مع حجم المشاكل والأوضاع الموجودة في المجتمع العام للدولة أو المنطقة الجغرافية والثقافية والاقتصادية وغيرها من جوانب الحياة.

"لا توجد حياة سياسية إلا بوجود أحزاب سياسية فعّالة، فإذا كانت هناك إرادة بوجود حياة سياسية في مصر أو أي دولة حول العالم فلا بد من وجود أحزاب قوية لها حق ممارسة العمل السياسي والتجمّعات واللقاءات العامة العامة وحرية التعبير... حتى يستطيع الناس أن يقيموا الأحزاب حسب التوجهات والأيديولوجيات وهذا عكس ما يحدث الآن"

يتابع قورة بأنه "نتيجة حرية إنشاء الأحزاب السياسية بعد 'ثورة يناير'، أصبحت لدينا أحزاب هدفها ممارسة العمل السياسي حقاً، وأحزاب أخرى أُسِسَت من أجل الوجاهة الاجتماعية، وهذه النوعية أطلق عليها الأحزاب الأسرية، بمعنى أن رئيس الحزب هو المؤسس وقيادات الحزب هم أولاده وأقاربه. وهذا النوع من الأحزاب لم يتفاعل في الشارع المصري ولم يثبت له دور فعال على أرض الواقع، وأصبحت أحزاباً على الورق فقط وليس لها أي وجود سياسي".

ويقر عضو اللجنة التشريعية لحزب الوفد بأن "هناك أحزاباً سياسية مصرية تم بيعها بمقابل مالي بلغ 250 ألف جنيه (أكثر من 5000 دولار)، وهناك أحزاب أخرى تم بيعها مقابل نصف مليون جنيه (أكثر من 10000 دولار)، وهناك أسعار أخرى أكثر تفاوتاً. ورغم أن هذا التصرف يُعد تنازلاً مالياً مقابل تكلفة تأسيس الحزب، لكن في النهاية إذا كان هدف التنازل أمراً آخر غير تنمية الحزب والحياة السياسية، فهذا يعتبر تجارة تربّح وهذا مرفوض تماماً".

وعليه، يطالب قورة بضرورة تعديل قانون الأحزاب السياسية المصرية، وهذا يحتاج إلى نص دستوري جديد ينظّم عملية إنشاء الأحزاب واستمراريتها، بما يتضمن تحديد مدة زمنية للحزب السياسي في حالة عدم تمثيله داخل المجالس النيابية أو المحليات على مدار خمس سنوات يتم غلقه، أو يُدمج مع حزب سياسي آخر".

ويحذر القيادي الحزبي من أن "الأشخاص يقومون بالاستسهال بشراء الأحزاب السياسية عن تأسيس حزب سياسي جديد بسبب شروط التأسيس التي تتضمن جمع ما يقرب من 5 آلاف توكيل في ما لا يقل عن 10 محافظات، وهي عملية صعبة ومكلفة خلال الفترة الحالية"، مؤكداً أن "جميع الأشخاص الذين يقيمون بشراء أحزاب سياسية لا يتمتعون بمكانة سياسية، لأن السياسيين البارزين هم رموز سياسية ولديهم فكر سياسي ومن السهل عليهم جمع توكيلات بأقل مجهود وتكلفة، لكن غير السياسيين يدفعون مبالغ مالية مقابل هذه التوكيلات، وقد تصل تكلفة التوكيل الواحد لـ250 جنيهاً مصرياً (نحو 5 دولارات)". يوضح قورة أنه في ظل ضعف موارد الأحزاب السياسية، التي قد تقتصر على رسوم اشتراك العضوية، بجانب نفقات فتح مقارّ رئيسية وفرعية، قد تكون عملية البيع مغرية لأصحاب الأحزاب غير النشطة. 

يرى عضو مجلس الشيوخ المصري، والأمين العام لتحالف الأحزاب السياسية، ورئيس حزب إرادة جيل، تيسير مطر، هو الآخر خطورة ملحوظة في ظاهرة بيع الأحزاب الورقية. يقول لرصيف22: "الأحزاب السياسية ليست سلعة، والمفترض أن لها أهدافاً سامية ولا يجوز ومن غير المقبول وغير اللائق بمستوى القيادات السياسية في مصر تحويل الأحزاب السياسية التي هدفها الأساسي خدمة المواطن المصري، إلى وسيلة لتحقيق مكاسب مادية".

ويشير عضو مجلس الشيوخ المصري إلى أن رغبة البعض في تولي منصب رئاسة حزب سياسي تدفعه لشراء حزب بمقابل مالي مقابل بعض قادة الأحزاب الذين لا يرغبون في استكمال عملهم السياسي ويسعون لتحقيق الاستفادة المادية من خلال بيع الحزب بمقابل مالي. "من حق أي شخص أن تكون له أهداف في تولي رئاسة حزب سياسي لكن ليس من حقه شراء حزب بمقابل مادي لتحقيق هذا الحلم. كما ليس من حق قيادات الأحزاب السياسية بيع الأحزاب التي يتولون قيادتها… بيع الأحزاب السياسية مخالف للقانون والمبادئ"، يعقّب.

كيف يمكن القضاء على هذه الظاهرة؟

يوضح الخبير الدستوري صلاح فوزي أن الدستور المصري ينص على أن الأحزاب السياسية تنشأ بمجرد الإخطار، ولها تنظيم يرد في قانون الأحزاب السياسية، يشترط عدداً معيناً من الأعضاء، وعدداً من المقارّ، ونظاماً أساسيا،، وأهدافاً يُشترط ألا تتعارض مع الدستور أو تتداخل مع أهداف حزب آخر.

"الأحزاب السياسية ليست سلعة، والمفترض أن لها أهدافاً سامية ولا يجوز ومن غير المقبول وغير اللائق بمستوى القيادات السياسية في مصر تحويل الأحزاب السياسية التي هدفها الأساسي خدمة المواطن المصري، إلى وسيلة لتحقيق مكاسب مادية".

ويرى فوزي أن هناك أحزاباً كثيرة في مصر، تجاوز عددها المئة، وهو كأحد المتخصصين القائمين على دراسة هذه المواضيع لديه ملاحظة حول وجود عدد من الأحزاب التي تتشابه برامجها وأهدافها إلى حد كبير. ولا يميز بينها سوى بعض التعابير اللغوية.

يقول الخبير الدستوري إن العديد من هذه الأحزاب أنشئت بأحكام قضائية٬ ثم يُلاحظ أن عدداً قليلاً جداً منها موجود في المجالس النيابية وعلى الأرض. وهو يتمسّك بأن "شروط التأسيس لا بد أن تتغير. من الضروري أن يزيد عدد المنضمين من الأعضاء بحيث لا يقل العدد عن 50 ألف عضو على ألا يقل عدد الأعضاء من كل محافظة عن 2000 شخص. وعند تسليم الإخطار يقدم وكيل المؤسسين ما يفيد بأن لديه مقارّ للحزب على الأقل في 100 مدينة. وهذا يعني أن المقار لن تقتصر على عواصم المحافظات فقط٬ وبهذا الشكل تُصبح هناك جدّية واحتمالات أكبر لأن يصبح الحزب أكثر فاعلية في الشارع السياسي".

من جهته، يرى عضو مجلس النواب ونائب رئيس الحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي، فريدي البياضي، في حديثه لرصيف22، أنه لا توجد حياة سياسية إلا بوجود أحزاب سياسية فعّالة، فإذا كانت هناك إرادة بوجود حياة سياسية في مصر أو أي دولة حول العالم فلا بد من وجود أحزاب قوية لها حق ممارسة العمل السياسي والتجمّعات واللقاءات العامة العامة وحرية التعبير، وهي العوامل التي تشكّل ضمانة لانتخابات نزيهة بالمجالس النيابية والمحلية والتشريعية، حتى يستطيع الناس أن يقيموا الأحزاب حسب التوجهات والأيديولوجيات".

يستدرك البياضي: "إنما ما يحدث في الوقت الحالي ما هو سوى تضييق على ممارسات الأحزاب السياسية وعلى اللقاءات والتجمعات والمؤتمرات، فضلاً عن التضييق الإعلامي الذي تواجهه الأحزاب"، لافتاً إلي أن ذلك يمنع الأحزاب المعارضة من الوصول إلى الجمهور بصورة جيدة، أما الأحزاب المحسوبة على الحكومة فرغم أنها ليس لها أيديولوجية واضحة، تقوم بعمل المؤسسات وتقدم مساعدات خيرية وتشارك في جهود الحكومة والدولة بالرغم من أنها ليست لديها أيديولوجية واضحة وبرامج واضحة.

يقول البياضي إن هذا يهدد العملية السياسية في الحاضر والمستقبل أيضاً ولا يفيد أي طرف لأن "معناه أن الأحزاب تصبح هشة، ورأينا سابقاً أن هذه الأحزاب كل هدفها تأييد الدولة والحكومة والنظام الموجود، وإذا اختفى النظام تنهار، كما حدث مع الحزب الوطني وغيره. على العكس من الأحزاب التي لها أيديولوجيا والتي تستمر قوية ومتماسكة وركيزة قوية للحياة السياسية، وهو ما يحقق استقراراً سياسياً في المجتمع في حالة حدوث أي تغيير سياسي".

إنضمّ/ي إنضمّ/ي

رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

شكل حياتنا اليومية سيتغيّر، وتفاصيل ما نعيشه كل يوم ستختلف، لو كنّا لا نساوم على قضايا الحريات. "ثقافة المساومة" هذه هي ما يساعد الحكام على حرماننا من حريات وحقوق كثيرة، ولذلك نرفضها، ونكرّس يومياً جهوداً للتعبير عن رفضنا لها، والدعوة إلى التكاتف لانتزاع ما لنا من قبضة المتسلّطين. لا تكونوا مجرد زوّار عاديين، وانزلوا عن الرصيف معنا، بل قودوا مسيرتنا/ رحلتنا في إحداث الفرق. اكتبوا قصصكم. أخبرونا بالذي يفوتنا. غيّروا، ولا تتأقلموا.

Website by WhiteBeard