شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

قدّم/ ي دعمك!
المراقد والمزارات الشيعية... بين الممارسة الطقوسية والتعبئة السياسية (2-2)

المراقد والمزارات الشيعية... بين الممارسة الطقوسية والتعبئة السياسية (2-2)

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

سياسة

الخميس 20 يونيو 202404:08 م

قبل الحديث عن التوظيف السياسي للقبور والأضرحة في الحقبة الملكية، لا بدّ من التذكير بأنه خلال الاحتلال البريطاني للعراق عام 1917 وبعده، "مورست الطقوس الحسينية وأداء زيارة الأضرحة بحرية تامة، كما أن البريطانيين أحاطوا المواكب والطقوس الحسينية برعايةٍ واهتمام، ومدّوها بما تحتاجه من مواد مثل صفائح النفط ونسيج الأكفان"، كما يذكر مهدي الأبيض، في كتابه "اجتماعية التديّن الشعبي".

أما في العهد الملكي، فقد أعلنت الحكومة في عام 1921، أن يوم العاشر من محرّم من السنة الهجرية، يوم عطلة رسمية، وسمحت بإقامة مراسيم العزاء، واهتم الملك فيصل الأول بالطقوس العاشورائية، وقدّم الدعم المادي للمواكب، وحضر ما يُعرف بـ"التشابيه" في يوم العاشر، كما يذكر صلاح الدين العامري، في كتابه "صناعة الذاكرة في التراث الشيعي الاثني عشري (زيارة المراقد أنموذجاً)". وسيطرت الحكومة على خطب الخطباء والمواكب العامة خوفاً من تأليب الناس ضدها أو زرع بذور الشقاق بين الناس.  

أما في العهد الجمهوري، منذ ستينيات القرن الماضي وحتى زوال نظام صدام حسين واحتلال العراق، فإن زيارة المراقد وإعمارها، وتوظيف الطقوس سياسياً من قبل الحاكم، أخذت بالتذبذب بحسب الحالة التي يعيش فيها النظام والأزمات التي يواجهها.

يذكر العامري في كتابه أن "عبد السلام عارف، بعد أن تخوّف من الطقوس والمظاهر العاشورائية والزخم الشيعي، أراد أن يخلق ما يشبه توازن القوى بين السنّة والشيعة وتعديل إيقاع الساحة السياسية، فقام في إحدى خطبه بمدح بني أمية، الأمر الذي أثار غضب الشيعة، فخرجوا بمواكب موحدة عام 1966، تهدد بثورة ضد النظام السنّي".

وبعد مقتل عارف في حادثة سقوط مروحيته عام 1966، ووصول شقيقه عبد الرحمن عارف إلى سدة الحكم، تغيرت سياسته تجاه الشيعة وطقوسهم، بعد أن أحدثت سياسة أخيه شرخاً كبيراً بينهم، حتى أنهم عدّوا مقتله الغامض عقاباً من الله لأنه تجرّأ على طقوسهم ومرجعياتهم، وأمر بتسليم أموال الخمس والزكاة إلى خزينة الدولة، إذ شاعت بعد مقتله العبارة التالية التي رددتها جماعة من الشيعة آنذاك: "صعد لحم ونزل فحم".

إلا أن عبد الرحمن سرعان ما تمكّن من تجسير العلاقات مع الشيعة عن طريق دعم المواكب الحسينية وإعمار العتبات المقدسة، فقد نقلت جريدة "الجمهورية" عام 1068 في عددها 147، خبرَين في صفحة واحدة؛ الأول: "اهتمام السيد رئيس الجمهورية برعاية وصيانة الروضة الحيدرية المطهرة"، والثاني: "الرئيس عارف يكرّم رؤساء المواكب الحسينية".

وفي منتصف سبعينيات القرن العشرين، ساهمت الحكومة البعثية، في زمن أحمد حسن البكر، رئيس الجمهورية، بدفع الشعراء والرواديد في المواكب العاشورائية، في ضريح الحسين، إلى تضمين بعض مبادئ حزب البعث وشعاراته في هذه الطقوس. وكان البكر يقدّم الهدايا والأموال مقابل ذلك.

ويُعدّ الرادود حمزة الزغير (1921-1976)، أكثر الرواديد شهرةً آنذاك، والأكثر ثباتاً في ذاكرة العراقيين، إذ لا يمرّ شهر محرّم في العراق دون أن يُسمع صوته في الشوارع والساحات، فقد قرأ آنذاك قصيدةً تمجِّد أحمد حسن البكر ونائبه حينها صدام حسين، وتتغنّى بأفعالهما وإنجازاتهما حتى الإجرامية منها!

وكانت "الإذاعة العراقية تبثّ النصَّ الكامل لمقتل الحسين في عاشوراء، وتبثّ مجلس عزّاء كاملاً. وحدثت نقلة نوعية مهمة في تاريخ العزاء، إذ أخذت تنمو وتتطور وتنتشر"، كما يذكر الأبيض. كذلك تبرّع صدام حسين بمبلغ نصف مليون دولار لمرقد الإمام الرضا في عام 1975، بغرض إنشاء التوسعات في مرقد الرضا في مدينة مشهد الإيرانية التي زارها سابقاً.  

حين أصبح صدام حسين رئيساً للجمهورية، ظهر في أحد اللقاءات متحدثاً عن زيارة الأضرحة والمقامات، مفيداً بأنه لا يتحسَّس من موضوع الزيارة ولا يخجل منه. الرجل كان علمانياً في خطابه قبل بدء الحملة الإيمانية التي رعاها في ثمانينيات القرن الماضي. وعُرفت عن صدام حسين مواظبته على زيارة قبور الأئمة والصلاة فيها، كما أنه قدّم الدعم المالي الكبير لإعمارها، فضلاً عن مشاركته في طقوس العزاء الحسيني

نظام البعث والمراقد

حين أصبح صدام حسين رئيساً للجمهورية، ظهر في أحد اللقاءات متحدثاً عن زيارة الأضرحة والمقامات، مفيداً بأنه لا يتحسَّس من موضوع الزيارة ولا يخجل منه، وقال: "شعبنا يريد أن يزور في أي مكان وهذا حقه، هو يتصرف فيه، هذا ليس عملنا، نحن لا نتدخل في جزئيات ما يفكر فيه، عندما لا تكون مؤذيةً للحالة الجمعية أو لدولة المواطن. ليزُر سيدنا العباس، وسيدنا الحسين، وسيدنا عليّاً". 

الرجل كان علمانياً في خطابه قبل بدء الحملة الإيمانية التي رعاها في ثمانينيات القرن الماضي. وعُرفت عن صدام حسين مواظبته على زيارة قبور الأئمة والصلاة فيها، كما أنه قدّم الدعم المالي الكبير لإعمارها، فضلاً عن مشاركته في طقوس العزاء الحسيني.

يستذكر م. ن.، وهو مواطن عراقي رفض الكشف عن اسمه لحساسية إفادته، أن رجال الأمن طرقوا بابه في أحد الأيام، وسلّموه ورقةً طُبعت عليها صورة أحد مراقد الأئمة، وفيها يوصي صدام العوائل العراقية بالتبرّع والمساهمة في إعمار مرقد الإمام العسكري وأخيه الهادي في سامراء، وهذه الحملة شملت محافظات العراق كلها آنذاك.  

لكن علاقة صدام حسين بدت مشوبةً بالحذر، إذ بدأ يستشعر خطراً من أن تُستغَل من قبل الجانب الإيراني في تأليب الشيعة ضدّه وكسب ولائهم لما يحملونه من رأسمال رمزي مشترك قاعدته التشيّع، وهذا شكل من أشكال نفوذها في العراق.

وخلال استقباله وفداً من النجف وحديثه عن رفض أي تبرع خارجي للمراقد في النجف وعموم العراق، لمّح صدام إلى محاولات إيران في ذلك الحين للتدخل في المراقد. 
وقال آنذاك: "قالولي درجت العادة جهة تتبرع... اللي يدفع لنا كيلو نحط عشرة واللي يريد يصلح شباك نصلح كل الشبابيك". 

وبدافع سياسي، بدأ نظام صدام حسين بالتضييق على المواكب الحسينية والطقوس العاشورائية في شهرَي محرم وصفر، منذ بداية الحرب العراقية الإيرانية وحتى نهايتها، فأصبحت المجالس تقام في البيوت وبسرّية تامّة أحياناً.  

وبعد حرب الخليج الثانية على العراق، انتفضت مدن عراقية عدة ضد النظام مستغلةً ضعفه والحالة المزرية التي كان فيها بعد انسحاب الجيش العراقي من الكويت، وتدمير آلياته من قبل القوات الأمريكية، الأمر الذي اضطر الجنود العراقيين إلى العودة سيراً على الأقدام إلى العراق. وعلى إثر هذا قام أحد الجنود العراقيين، فجر الثاني من آذار/ مارس من عام 1991 ، بإطلاق النار على تمثال للرئيس العراقي آنذاك، وانهال عليه بالشتائم والسباب. وكان هذا في ميدان يُدعى ساحة سعد في البصرة، لتنطلق شرارة الانتفاضة الشعبية التي سُمّيت بالانتفاضة الشعبانية، لأنها وقعت في شهر شعبان من العام الهجري.

حوصرت المعسكرات وراجت هناك دعوة لإسقاط النظام، من قبل المجلس الأعلى وجناحه المسلّح فيلق بدر، بالإضافة إلى قوات كردية وعامة الناس التي أصبح عندها أمل في زوال النظام البعثي. وكان من الشعارات المرفوعة من قبل المنتفضين "النجدة يا إيران" و"ماكو ولي إلا علي ونريد قائد جعفري". ونتيجةً لتحصّن المقاتلين الشيعة داخل صحن الحسين والعباس، قصف الجيش العراقي المرقدَين وخلّف فيهما أضراراً بالغةً ودمّر أجزاء كبيرةً من مرقد الإمام الحسين.

وقبل أن يسيطر نظام البعث على المدينة، برّر هجومه بأن المسلحين تحصنوا بالمراقد ومارسوا عمليات قتل وتعذيب لأفراد من البعث داخلها. وبعد حملة إعمار المرقدين التي قام بها النظام، قام بتغليف أجزاء من جدران المرقدين بواسطة صناديق زجاجية. ومن وراء الزجاج تظهر آثار الدم المتيبّسة المكتوب عليها أسماء الذين تم إعدامهم داخل المراقد لكونهم بعثيين. لكن النظام الحالي يتكلّم عن استهداف النظام السابق للمراقد من دون أن يقول إن المسلحين الشيعة قد استغلوا مراقد مقدسةً وحوّلوها إلى ثكنة ومخزن للسلاح ومكان للإعدامات.

وقام النطام البعثي بعد حملته، بإعادة إعمار الشارع الذي يربط مرقد الحسين بمرقد أخيه العباس، والذي يُعدّ اليوم المكان الأبرز لإقامة طقوس العزاء، وتم افتتاحه بعد أحداث 1991، كما دُفعت أموال ضخمة لتوسيع المراقد، وهذا ما نجده موثّقاً في جريدة "الجمهورية" الصادرة في زمن النظام السابق، إذ نشرت خبراً مفاده أن "العتبات المقدسة تبدأ باستقبال الزائرين... أكبر تجمّع ديني في النجف وكربلاء للاحتفال بإعادة ترميم وتذهيب مراقد الأئمة الأطهار"، وأن "الزمن الذي استُخدمت فيه العتبات المقدسة لتجارة السياسة والابتزاز قد ولّى".

على طريقة نظام البعث، أسس النظام الحالي ذاكرةً مكانيةً، من خلال وضع إطارات داخل ضريح الحسين لآثار الرصاص الذي استُخدم لقمع المسلحين الشيعة، بالإضافة إلى عمل لوحات فنية تجسّد مأساة استهداف العتبات في ذلك الوقت. 

أراد النظام الحالي أن يظهر صدام حسين ونظامه بوصفهما معاديَين للمراقد والشعائر من زاوية دينية لكون صدام سنّياً. فهذا ما يساهم في حفظ الذات الجمعية للشيعة وحمايتها من الانحلال والذوبان، وتقديم أعناق الناس دائماً للنظام، لكونه على كل حال أهون من نظام صدام حسين وإجرامه وعدائه للمذهب الشيعي. فهم بحاجة إلى عدوٍّ دائم متخيّلٍ يشدّ حمى الجماعة ويجعلها دائماً في حالة قلق تساعد في بقاء النظام.

تجدر الإشارة إلى دراسة أُجريت في زمن حكم البعث، أشار إليها الدكتور قاسم حسين صالح، رئيس الجمعية النفسية العراقية، في كتابه "كوميديا من وطن التراجيديا"، تقول إن "أحد الباحثين جمع الأوراق التي تُرمى داخل شباك الإمام الحسين وأخيه العباس، وكذلك الأوراق التي تُرمى داخل مقام الإمام أبي حنيفة، فوجد أن المطالب كانت ذات منحى سياسي يتوجب على النظام تنفيذها، لكن واقع العراق في ظل الأنظمة المستبدة والمارقة جعل الناس يظنون أن حقوقهم لا تحصل إلا بالمعجزة والتوسل بأولياء الله".  

التوظيف السياسي بعد 2003 

مع وصول الشيعة إلى الحكم في ظل نظام المحاصصة الطائفية، بلغ التوظيف السياسي لقبور الأئمة والأولياء ذروته، فقد أصبح بناء الأضرحة ورعاية الطقوس والمشاركة فيها بديلاً من توفير الخدمات وفرص العمل وتحسين حياة المواطنين. وهكذا ارتفعت القباب وتوسّعت وكثرت الأضرحة وتراجعت حياة الناس إلى الفقر المدقع الذي دفع بالبعض لأن يسكنوا في المقابر والسراديب في النجف.

يدعو أحد الخطباء الشيعة، في فيديو منتشر على اليوتيوب، علناً وصراحةً، إلى انتخاب أي كان من الطبقة الحاكمة الشيعية بصرف النظر عن فساده، معللاً ذلك بالقول: المهم أن يُرفع اسم علي بن أبي طالب في الأذان، ويُسمح لنا بممارسة الشعائر الحسينية والزيارات!2 

تكاثرت المراقد الوهمية بعد 2003، ونالت دعماً مالياً كبيراً من الوقف الشيعي والشخصيات النافذة في الدولة، وأصبح عدد المزارات والأضرحة المزيّفة يقارب 529 مزاراً، تتوزّع على محافظات الوسط والجنوب ذات الأغلبية الشيعية. 

توجهتُ إلى مدينة بابل العراقية، حيث مرقد شريفة بنت الحسن، الكائن في ناحية أبي غرق، وهو من المراقد التي ظهرت بعد 2003، وشُيّدت عليه قبّة ذهبية وشبّاك مطليّ بالذهب. كنت أنظر إلى الناس وأتسمّر في وجوههم المتعبة التي رسم الحرمان فيها معالمه، فهم في الغالب من طبقة واحدة، تشابهت حياتهم ومحنهم، ولم يبقَ لديهم غير التوسل بالمراقد لتغيير أوضاعهم وشفاء مرضاهم. ومن خلال التواصل مع الناس هناك، تبيّن أن غالبيتهم من المناطق الريفية في العراق التي تفتقر إلى أبسط الخدمات. 

يكاد يكون عدد زوّار مرقد شريفة بنت الحسن، مشابهاً لعدد زوّار الإمام الحسين وأخيه العباس في كربلاء. وهو كما يقال: "مكان ليس لك فيه محط قدم"، نتيجة كثرة أعداد الزوّار. حين سألتُ الناس عن حقيقة مرقد شريفة، وعن الشكوك التي تحيط به، كان جوابهم أن الكرامات التي تحصل للناس في هذا المكان هي الدليل الجليّ على وجودها. لكن بعد لقاء أحد المقربين من مؤسسي المرقد، أخبرني بأن بعض المسؤولين عن المرقد يوظّفون بعض الناس لقضية الدعاية التي تضمن استمرار تدفّق الزوّار؛ يعطون مبالغ ماليةً مجزيةً لأشخاص يدّعون أنهم مصابون بأمراضٍ مستعصية على الشفاء، مثل السرطان والعوق والنوبات القلبية والعمى... إلخ، ثم سرعان ما يتم شفاؤهم بعد أن يتوسلوا بشريفة بنت الحسن، مبيّناً أن هذا يحصل بشكل دوري كل شهر تقريباً. 

يقول موظّف في الوقف الشيعي، رفض الكشف عن اسمه، إن المستثمر الأبرز لمرقد شريفة بنت الحسن، هو السيد عمار الحكيم، رئيس كتلة تيار الحكمة. ويضيف أن الحكيم لا يضع اسمه في عملية الاستثمار، بل يضع أسماء مقرّبةً منه، كما هي عادة السياسيين العراقيين حينما يدخلون في استثمارات وصفقات مشبوهة.  

التوظيف السياسي للقبور والمزارات بعد 2003، تظهر بوادره مع حرب "جيش المهدي"، بزعامة مقتدى الصدر، مع قوات الاحتلال الأمريكي إثر دخولها مدينة النجف التي تضمّ ضريح الإمام علي بن أبي طالب ومقبرة وادي السلام. فبعد إصدار الحاكم المدني الأمريكي بول بريمر، قراراً بإغلاق صحيفة الحوزة الأسبوعية التابعة للتيار الصدري، بدعوى التحريض على مهاجمة قوات التحالف ونشر أخبار غير صحيحة، خرج أنصار الصدر في احتجاجات سلمية واسعة النطاق في بغداد ومدن أخرى. وقد أدى تطويق منزل مقتدى الصدر واعتقال أحد مساعديه إلى خروج تظاهرة حاشدة في مدينة النجف تطالب بإطلاق سراح المعتقلين وإعادة فتح صحيفة الحوزة، وانسحاب القوات الأمريكية من العراق، إلا أنها جوبهت بإطلاق الرصاص الحيّ على المتظاهرين، الأمر الذي أشعل المواجهات بينهم وبين قوات الاحتلال في ما يُعرف بمعركة النجف الأولى 2004، ومعركة النجف الثانية.

ومثلما تحصّن الشيعة المعارضون لنظام صدام حسين في المراقد والمزارات في كربلاء، نجد أنَّ زعيم التيار الصدري وأنصاره أيضاً قاموا بالفعل ذاته الذي يساعد على تأليب أكثر عدد من الناس حتى وإن لم يكونوا على قناعة بخطوات الصدر، كما لا بدّ من الإشارة إلى أن عمّه السيد محمد باقر الصدر، زعيم حزب الدعوة الإسلامي، الذي أعدمه صدام عام 1988 مع شقيقته، حاول أيضاً حين معارضته سلطة البعث تطبيق الفكرة نفسها.

يقول محمد رضا النعماني، في كتابه "الشهيد الصدر سنوات المحنة وأيام الحصار"، إنّ الصدر أخبره بأنه "سوف يظل يتهجم على السلطة ويندّد بجرائمها ويدعو الناس إلى الثورة عليها إلى أن تضطر قوات الأمن إلى قتله داخل صحن الإمام علي، وكان يرجو أن يكون هذا الحادث محفزاً للناس بسبب رؤيتهم إلى المكان الذي سوف يُقتل فيه، كما أمر الصدر رفيقه النعماني بأن يشتري قطعة سلاح يستخدمها، إذا حاولت قوات الأمن منعه من الوصول إلى داخل مرقد الإمام علي"، لكن فكرة الصدر أُلغيت في ما بعد دون بيان الأسباب.

فعل تأليب الناس، يضع أنصار المؤلِّبين وعموم الشيعة، في دائرة الحرج والشعور بالعار. قال أحد شعراء التيار الصدري الشعبيين وقت معركة النجف: "فزع للنجف سنّي وأنتَ ما حسّيت... بعد لا تكول شيعي شجابك لحيدر"!

وبعد اعتزام القوات الأمريكية اعتقال الصدر أو قتله وعدّه خارجاً عن القانون، أعلن اعتصامه داخل مسجد الكوفة وألقى معظم خطاباته من داخل مرقد الإمام علي، فيما تمركز عناصر جيش المهدي في محيط المسجد ومرقد الإمام علي بن أبي طالب، وسيطروا على معظم مدينة النجف، وواجهوا القوات الأمريكية. ويبدو أن هذا التوظيف أتى أُكُله، خصوصاً في اثناء معركة النجف الثانية ومحاصرة منزل مقتدى الصدر، الذي تحصّن بمرقد الإمام علي. وكنتيجة لعمليات القصف المتبادل، تدمّرت أجزاء من منارتي المرقد وسقطت شظايا في باحته وسياجه الخارجي، وهذا الأمر دفع عموم الشيعة للخروج في مظاهرة كبرى لفكّ الحصار عن الصدر وأنصاره وتسليم الملف الأمني في النجف إلى الشرطة العراقية وفق شروط وضعها المرجع السيستاني، بعد عودته من رحلته العلاجية في عام 2004.

وما جرى يثير تساؤلات عدة: هل كانت حرب الصدر بدافع الدفاع عن المقدسات وحمايتها؟ لماذا لم نشهد حرباً في مدينة كربلاء التي تضم مرقدي الإمامين الحسين والعباس، اللذين كانت تطوف حولهما الدبابات والمدرعات الأمريكية؟ ولماذا لم نشهد حرباً في الكاظمية أو سامراء وغيرهما من المدن التي تضم مراقد لآل البيت؟ هل كان هدف الأمريكيين، مقتدى الصدر أو تحطيم مرقد الإمام علي؟ الإجابة عن هذا السؤال قد تبيّن حقيقة هذا الاستثمار السياسي للمراقد والمزارات الدينية.

العتبات والمزارات الشيعية أصبحت ساحةً للصراع بين أتباع المرجعيات الدينية وقادة الأحزاب، فالسيطرة على العتبات وما تحتويه من دعاية قوية وأموال، بالإضافة إلى رمزية تمثيل المذهب، تغري الأقطاب للسيطرة على الموارد. بعد العام 2003، سيطر أتباع التيار الصدري على إدارة العتبة الكاظمية في العراق، وأصبحوا يصلّون الجمعة في ساحة العتبة ويطلقون الفتاوى والتوجيهات لأتباعهم

ومن المفارقات المثيرة للنقاش، المعركة التي استمرت لأكثر من يوم في عام 2007، بين جماعات من جيش المهدي وحماية العتبة الحسينية والعباسية وبمشاركة القوات الأمنية في كربلاء بمناسبة ولادة الإمام المهدي، حيث يذهب الشيعة إلى كربلاء مشياً على الأقدام. تذهب بعض الآراء إلى أن أصل القتال كان على أساس رغبة التيار الصدري في السيطرة على العتبتين وداراتهما، فيما يذهب أتباع الصدر إلى أن المعركة نشبت نتيجة وجود احتقان بين أتباع السيد الصدر، وأتباع السيد السيستاني، لم يتم التوصل إلى حلّ له قبل الأحداث. وانتهت المعركة بمقتل 52 شخصاً بعضهم من الزوّار، وتأثرت بوابة الإمام الحسين نتيجة الحرق، وسقطت جزء من الزخارف والنقوش الموجودة على حائط المرقد نتيجةً لاستخدام قذائف الهاون والأسلحة الثقيلة، وبعد هذه المعركة التي عُرفت بمعركة الشعبانية، أعلن الصدر تجميد جيش المهدي، والحداد لمدة ثلاثة أيام، وغلق مكاتبه في عموم العراق.

صور من أحداث الشعبانية عام 2007

وهكذا يظهر أن العتبات والمزارات الشيعية أصبحت ساحةً للصراع بين أتباع المرجعيات الدينية وقادة الأحزاب، فالسيطرة على العتبات وما تحتويه من دعاية قوية وأموال، بالإضافة إلى رمزية تمثيل المذهب، تغري الأقطاب للسيطرة على الموارد. بعد العام 2003، سيطر أتباع التيار الصدري على إدارة العتبة الكاظمية في العراق، وأصبحوا يصلّون الجمعة في ساحة العتبة ويطلقون الفتاوى والتوجيهات لأتباعهم بالإضافة إلى أتباع السيد جواد الخالصي، وهو مرجع ديني من بغداد، إذ ظلوا لفترة من الزمن يقيمون صلاة الجمعة هناك، لكنهم طُردوا بالقوة، ومُنعوا من إقامة الصلاة في ما بعد. وتدير العتبةَ الكاظميةَ الآن شخصيات مقربة من المرجع الديني حسين إسماعيل الصدر الذي تجمعه علاقة طيبة مع معظم رموز النظام السياسي في العراق.

ويسيطر التيار الصدري على إدارة العتبة العسكرية في سامراء، فيما يسيطر أتباع المرجع السيستاني على إدارة العتبة الحسينية في كربلاء، وقد فتحوا مشاريع كبرى؛ مستشفيات وجامعات ومحطات وقود ومراكز تسوق ومؤسسات كبرى وحتى التصنيع العسكري مثل دبابة الكفيل، فيما ذهبت إدارة العتبة العلوية في النجف إلى آل الحكيم، الأمر الذي دفع البعض إلى أن يطلق تسمية "جمهورية العتبات"، على الجمهورية العراقية.

تجارة رائجة لا تتوقف  

التقيت في كربلاء بأحد المهندسين، وقصّ عليّ هذه القصة طالباً عدم ذكر اسمه خوفاً مما قد تجرّه عليه من أخطار: "تصوّر أن تُمنع تجارة الأفيون عن مافيا... هل تعرف ردة فعلها؟ تمتاز المدينة القديمة بتربة طينية، ولأن البناء فيها قديم ويحتوي أغلبه على سراديب وبالوعات للصرف الصحي قديمة، وتسليك أنابيب مياه قديمة، فقد تكسر بفعل الهدم وتراكم السنوات والاندثار، وهذا كله أثّر على بناء العتبات (الصحن والقباب) من الناحية المعمارية. وفي العام 2000، بدأت تظهر تشققات في المنائر والقباب، فكانت الفكرة أن يتم عمل حقن للأماكن القريبة من الحرم تحت إشراف كوادر هندسية. وفعلاً تم حقن بعض المناطق الداخلية للحرم بالإسمنت أو تم تدعيم أرضيتها واستبدال التربة". 

ويضيف المهندس: "بعد العام 2003، تمت المباشرة في الترميم بشكل أوسع وأكثر تطوراً، لأن البناء بدأ يتهدد فعلياً بسبب التربة الرخوة والرطوبة وما سواها. بالعودة إلى الأضرحة، وبالخصوص ضريح العباس، فالأصل ليس ما تراه على سطح الأرض داخل القفص المذهَّب، بل الأصل يقع أسفله، ويتم النزول إليه عن طريق سرداب. بعد التغيير تم ترميم كامل السرداب والدرجات إليه، والقبر المصنوع من الجص، علماً بأن تاريخ القبر يعود لأعوام عدة. وقد وجدوا الماء يحيط به من كل جانب. وصل تقريباً إلى الركبتين حين نزلنا إليه، وقد تم إخراج الماء وبيعه أو إهداؤه للتبرك باعتقاد أنه ماء علقمي!". 

ويضيف: "ثم ظهرت مسألة أخطر، وهي أن البناء عموماً استُخدمت فيه جذوع النخل، لذا كانت حشرة الأرضة قد نخرته فكافحوها بمادة خاصة. ومخافة أن يتضرر الناس، أوقفوا بيع الماء أو إهداءه إلا للخاصة، بعد أن يتعهدوا بعدم شربه للتبرك. قبل هذا، أغلبنا يعرف، وعلماء التربة أوضحوا، أن هذا الماء من المياه الجوفية، بل من الماء الآسن، يتجمّع عند أوطى نقطة. وعرفنا هذا من رائحته، ومن بعض ألوانه التي اختلط فيها الصابون وبعض أنواع المنظفات".

تزكية وتبرير وتكفير  

تُعدّ المراقد نوعاً من الدعاية المذهبية، فهي كما يقول الدكتور علي الوردي، في كتابه "دراسة في طبيعة المجتمع العراقي": " وسيلة من وسائل الدعاية الشيعية. فقد بذل الشيعة أموالاً طائلةً في تشييد مراقد أئمتهم، فطلوا منائرها وقببها بالذهب، وزخرفوا دواخلها زخرفةً جميلةً... وهكذا كانت ذات أثرٍ بليغٍ في جذب الناس إلى التشيع". 

إلا أن وظائفها تطوّرت كثيراً خلال الحقب الزمنية المختلفة، فأصبحت عامل تزكية لصنّاع القرار السياسي من رئيس الجمهورية إلى أدنى مسؤول في الدولة، لذلك يحرص أصحاب السلطة على المواظبة على زيارة المراقد وأداء الشعائر ودعمها من أجل خلق صورة مُرضية في أذهان الناس، وحصد أصواتهم الانتخابية في الدورات الانتخابية المتعاقبة. ويظهر صنّاع القرار داخل هذه المراقد برفقة أمينَي مرقد الحسين والعباس، المعتمدين من المرجعية، عبد المهدي الكربلائي وأحمد الصافي، والصلاة خلفهما، مما يعطي انطباعاً بأن هذا المسؤول مزكّى من قبل المرجعية وداعم للشعائر وإعمار المراقد. ليس هذا فحسب، بل أحياناً تسقط ملفات الفساد عن مسؤولي الدولة لمجرد زيارة المراقد واللقاء بأمين العتبة والتقاط الصور معه، كما حصل مع وزيرة الصحة عديلة حمود، المتهمة بصفقات فساد كثيرة، منها استيراد أحذية طبية بـ900 مليون دولار! وحصل هياج شعبي وقتذاك يطالب بمحاسبة الوزيرة وإقالتها من منصبها. لكن سرعان ما خمد هذا الهياج بمجرّد أن زارت الوزيرة العتبة الحسينية، والتقت هناك بعبد المهدي الكربلائي، أمين العتبة، الذي أهداها راية الإمام الحسين. وبعد أن كانت تُلقَّب بـ"وزيرة الموت"، صارت تُلقَّب بـ"بنت الحشد"، اللقب الذي أطلقه عليها نائب هيئة الحشد أبو مهدي المهندس الذي قُتل في ضربة جوية أمريكية برفقة قاسم سليماني عام 2020.

ولا يختلف حال بقية السياسيين وصنّاع القرار في العراق عن حمود، الأمر الذي جعلهم يحرصون على زيارة العتبات وتوزيع الطعام للزائرين والمشاركة في الطقوس حتى يضمنوا التزكية التي تحقّق لهم القبول والرضا الاجتماعي وإطالة عمر مناصبهم. في حكومة محمد شياع السوداني الحالية، شارك وزير الداخلية في طقس ركضة طويريج في هذا العام من شهر محرم، برفقة محافظ كربلاء نصيف الخطابي. ظهر الوزير مهرولاً مع الجموع لاطماً صدره. وما أن انتهى الطقس حتى بدأت القنوات الإعلامية تبثّ خبراً مفاده أنه أول وزيرٍ عراقي يشارك الجموع في ركضة طويريج، فهذا العمل للوزير يكفي ويعوِّض الانفلات الأمني في العراق وعدم محاسبة الخارجين عن القانون.

وتلجأ العتبات المقدسة أحياناً إلى إعطاء الأوامر المباشرة لتحديد الميول الانتخابية للموظفين عندها، فبحسب ما يقول الصحافي الكربلائي جعفر النصراوي: "العتبات في كربلاء ألزمت منتسبيها بالقسم على انتخاب كتلة ‘إشراقة كانون’ وإن خالفه المنتسب يُفصل". يُذكر أن "إشراقة كانون" كتلة سياسية برزت بعد احتجاجات تشرين واستقالة حكومة عادل عبد المهدي نهاية عام 2019، وحازت على سبعة مقاعد في مجلس النواب العراقي في الانتخابات الأخيرة.

تلجأ العتبات المقدسة أحياناً إلى إعطاء الأوامر المباشرة لتحديد الميول الانتخابية للموظفين عندها، فبحسب ما يقول الصحافي الكربلائي جعفر النصراوي: "العتبات في كربلاء ألزمت منتسبيها بالقسم على انتخاب كتلة ‘إشراقة كانون’ وإن خالفه المنتسب يُفصل".

تبرير الجرائم السياسية

تفجير ضريح العسكريَين 2006

هو الحدث الأبرز الذي فتح ستارة المجازر الطائفية في العراق، بعد أن أقدمت مجموعة مسلحة على تفجير ضريح العسكريَين في سامراء، وأصبحت مدينة بغداد ساحةً للتصفية الطائفية، وعقب تلك العملية أصدر المرجع السيستاني بياناً اتهم فيه القوات الأمنية بالتقصير، وقال: "إذا كانت أجهزتها الأمنية عاجزةً عن تأمين الحماية اللازمة، فإن المؤمنين قادرون على ذلك بعون الله تبارك وتعالى"، الأمر الذي دفع الناس للنزول إلى الشوارع وارتكاب أعمال عنف بحقّ أهل السنّة ودور عبادتهم، وشاركهم في ذلك عناصر من جيش المهدي لتمتد أعمال القتل والتعذيب إلى مختلف محافظات العراق، ووفق إحصائية الأمم المتحدة، فإن 34،000 عراقي قُتلوا خلال عام 2006 فقط.

ولم تُعرف الجهة التي قامت بتفجير المرقدين، لكن وفقاً لوزير الداخلية وقتذاك فلاح النقيب، فإن إيران هي من كانت وراء ذلك لإشعال الفتنة الطائفية وتبرير القيام بأعمال عنف ومذابح بحق أهل السنّة، فإيران وفقاً للنقيب كانت تسمّي الإمام الهادي بالإمام الأسير؛ لأنه إمامٌ شيعي في منطقة سنّية، ولذلك رصدت مبلغ 200 مليون دولار لنقل رفاة الإمام الهادي، وبعد ورود هذه المعلومات إلى النقيب قال إنه قام بتشكيل فوج من أهالي سامراء لحماية المرقد، لكن بعد أن أُخرج من الوزارة تم حلّ الفوج، وكلّفوا بدلاً منه 12 شخصاً ممن يسمّون بحماية المنشآة الذين لم تُعرف خلفياتهم، وبعد ذلك حصل التفجير.

وفي فترة الحرب الطائفية الممتدة من عام 2006 إلى 2008، ظهر حازم الأعرجي إمام جمعة العتبة الكاظمية وممثل مقتدى الصدر، وهو يرتدي الكفن ويحمل قطعة سلاح أمريكي من نوع m16، وحرّض طائفياً ضد أهل السنّة وذكر مناطق تواجدهم، وقال الأعرجي في الخطبة: "إن مسؤوليتك ومسؤوليتي ومسؤولية رجل الدين ومسؤولية شيخ العشيرة، أن يجيّش الجيوش من الشيعة المؤمنين لقتل البعثية والتكفيريين... خذ سلاحك وقاتل كل بعثي أو وهابي نجس، فإن أبواب الجنة ستدقّ لك وتفتح... لنضرب بيد من حديد ونفجر ونقتل... رتّبوا أنفسكم في مناطقكم، خاصةً منطقة الدولعي والدورة وأبو دشير والعامرية". هذه الخطبة جاءت في زمن تداخل المسميات بين الإرهاب والمقاومة والدفاع عن النفس... إلخ، لذلك فإنها تركت أثراً كبيراً عند أهل السنّة الذين ارتُكبت في حقهم مجازر مروعة وهُدمت مساجدهم وهُجّروا من أماكن سكنهم.

مجزرة "الزركة"

وقعت مجزرة "الزركة"، في 29 كانون الثاني/ يناير 2007، حين هاجمت القوات الحكومية وبإسناد من الطيران الأمريكي قرية "الزركة" في مدينة النجف، وخلّف الهجوم أكثر من 300 قتيل بينهم نساء وأطفال، دُفنت غالبيتهم تحت أنقاض بيوتهم. كان معظم القتلى من عشيرتي "الحواتمة" و"الخزعل" في أثناء مسيرهم إلى كربلاء لزيارة العتبات المقدسة، واتهمت حكومة المالكي الضحايا بأنهم ينتمون إلى تنظيم القاعدة، لكنها عدلت عن هذا الاتهام، واتهمتهم بتشكيل جماعة "جند السماء" التي يدّعي زعيمها المهدوية، ما دفع أهالي القرية إلى التظاهر لتفنيد هذه التهمة، وقال أحد شيوخ العشائر لإحدى القنوات التلفزيونية: "إن كل ما نُسب إليهم كذب وافتراء، وقُتل أبناؤنا عمداً وهم عُزّل". بررت الحكومة موقفها بأن تلك الجماعة كانت تنوي مهاجمة العتبات المقدسة في النجف وكربلاء، واغتيال مراجع الدين الشيعة.

التوظيف السياسي لقبر السيدة زينب

حينما حدث الصراع العسكري ضد نظام بشار الأسد المتحالف مع إيران، والقريب من الشيعة أكثر من السنّة، اتخذت الجماعات المسلحة في العراق آليةً لتجييش الشباب والقتال دفاعاً عن نظام الأسد عن طريق الشعائر والطقوس العاشورائية والدفاع عن قبر السيدة زينب. ووفقاً للدكتور مهدي الأبيض، في كتابه "اجتماعية التديّن الشعبي"، فإن "الشباب العراقي هبّ للقتال في سوريا من أجل العقيدة، وهؤلاء الشباب هم نسخة من الشباب العرب فهم أيضاً ذوو عقلية بدوية تقليدية فارغة من الفكر ومخدّرون لا شعورياً. وقد استغلوا فقر الشباب وعقيدتهم الدينية من أجل الدفاع عن بلد آخر بتبرير ديني وأعطوهم مقابل ذلك مبلغاً بسيطاً من المال".

وتوفّر ذريعة الدفاع عن مرقد السيد زينب، مصدراً للمرتزقة للقتال من أجل المال، على الرغم من أن كبار علماء الشيعة اختلفوا حول وجود قبر للسيدة زينب في دمشق. واستناداً إلى البيانات التي تم الحصول عليها من مسح خدمات الجنائز التي عُقدت في العراق، وإعلانات الموت الصادرة عن مختلف الفصائل الشيعية العراقية، تكبد المقاتلون الشيعة 117 فقيداً في سوريا، خلال الفترة الممتدة من كانون الثاني/ يناير 2012 حتى آب/ أغسطس 2018.

"مجزرة كربلاء"

حصلت "مجزرة كربلاء" في 2 تموز/ يوليو 2014، وراح ضحيتها أكثر من 20 شخصاً بينهم أطفال من أتباع المرجع الديني محمود الحسني الصرخي، على يد القوات الحكومية، إثر انتقاد الصرخي فتوى الجهاد الكفائي التي أطلقها المرجع الديني الأعلى علي السيستاني، والتي دعا فيها إلى التطوع للقتال ضد تنظيم "داعش"، بعد الانهيار العسكري وسقوط مدينة الموصل.

قال الصرخي حينها، إن "هذه الفتوى ستشرعن الطائفية ولها آثار خطيرة على مستقبل العراق"، منتقداً أداء حكومة المالكي، ودعا في الوقت نفسه إلى حلّ الأمور بالطرق السلمية مع المتظاهرين في المدن السنّية، والكفّ عن قصفها، وتبنّي دعواتهم لإسقاط حكومة المالكي في عامي 2013-2014.

اتُّهم الصرخي قبل الهجوم بتهمٍ عدة، من بينها الفتوى بمحاربة قوات الجيش والشرطة ونية احتلال العتبة الحسينية، وهو ما كذبه في بيان حمل عنوان "العتبة الحسينية بين احتلال وافتراء"، جاء فيه: "إن تلك الشائعات هي محض كذب وإفك وافتراء". فيما وصف القاضي رحيم العكَيلي "مجزرة كربلاء"، بـ"المجزرة الكبيرة، التي يشيب منها الولدان، وهي من أبشع جرائم نوري المالكي".

حينما حدث الصراع العسكري ضد نظام بشار الأسد المتحالف مع إيران، اتخذت الجماعات المسلحة في العراق آليةً لتجييش الشباب والقتال دفاعاً عن نظام الأسد عن طريق الشعائر والطقوس العاشورائية والدفاع عن قبر السيدة زينب. توفّر ذريعة الدفاع عن مرقد السيد زينب، مصدراً للمرتزقة للقتال من أجل المال، على الرغم من أن كبار علماء الشيعة اختلفوا حول وجود قبر للسيدة زينب في دمشق

احتجاجات تشرين 2019

نجحت احتجاجات تشرين 2019، في فرض بعض التنازلات على النظام السياسي وتمثلت في استقالة رئيس الوزراء، وتغيير مفوضية الانتخابات وسنّ قانون جديد للانتخابات وإلغاء مجالس المحافظات، إلا أن تلك التغييرات كانت شكليةً ولا تمس جوهر المشكلة، فمن السابق لأوانه القول إن الحركة الاحتجاجية منذ سنة 2010، وصولاً إلى عام 2020، قد أفرزت نتائج ماديةً على بنية النظام السياسي، الذي ما زال قائماً، هذا مع الأخذ في الحسبان أن هناك تحديات جمةً واجهتها الحركة الاحتجاجية ووقفت حائلاً دون التغيير الحقيقي.

وتتمثل أهم هذه التحديات في سلوك السلطة التي استخدمت العنف المفرط واغتيال الشخصيات المؤثرة في الحراك واتبعت سياسة الاحتواء، كذلك العامل الخارجي الذي يتمثل في الإرادة الدولية والإقليمية الساعية إلى إبقاء النظام. فخلال احتجاجات تشرين، تم توظيف الطقوس والشعائر الحسينية للسيطرة على العقل الجمعي وتبرير السلوك العنفي للسلطة بأن هناك استهدافاً للشيعة وطقوسهم على وجه الخصوص. ففي أول جمعةٍ بعد احتجاجات تشرين، قال آية الله إمامي كاشاني، إمام جمعة طهران، في صلاة الجمعة 4 تشرين الأول/ أكتوبر 2019، تعليقاً على الاحتجاجات: "إنَّ العدو يولي اهتماماً بمسيرة الأربعين والعراق ويخلق المتاعب؛ لأنّ قضية الأربعين ثقيلة بالنسبة لهم. وَمِن الثقيل بالنسبة للعدو أن يتوجه أكثر أو أقل من 20 مليون شخص إلى كربلاء. إنَّ سبب هذه المعارضة هو أنَّ راية الحسين هي الشهادة والصمود، وهذه الراية تُوقظ الأمم للوقوف ضد القمع. وهذه الراية هي راية ‘هيهات منّا الذلة’، وكل الجموع التي تشارك في مسيرة الأربعين هي تجسيد لـ’هيهات منّا الذلة’، والعدو لا يريد أن يرى ذلك".

ذريعة التدخل والتحريض هنا، هي ذاتها التي استخدمتها إيران في عام 2014. حينها، صرّح وزير الدفاع الإيراني حسين دهقان، قائلاً: "إن المراقد الدينية الشيعية في العراق ‘خط أحمر’، وإن إيران ستلاحق أي تهديدات للأمن حتی وإن كانت خارج حدودها".

كما كتب المرشد الأعلى علي خامنئي، تدوينةً على حسابه الرسمي في منصة إكس: "أكبر ضربة يمكن أن يوجّهها الأعداء إلى أيّ بلد هي أن يسلبوه الأمن، الأمر الذي بدأوه في بعض بلدان المنطقة. أوصي الحريصين على العراق ولبنان أن يعالجوا أعمال الشّغب وانعدام الأمن الذي تسبّبه في بلادهم أمريكا والكيان الصهيوني وبعض الدول الغربيّة بأموال بعض الدول الرجعية".

كان هذا التوظيف السياسي للمقدس، بالإضافة إلى تدوينة المرشد الأعلى، بمثابة تلويح بالتصدي القاسي واستخدام العنف لمعالجة الحركة الاحتجاجية، وسرعان ما أحال الدم المراق من 737 قتيلاً و25،984 جريحاً، إلى مجرد ماء يسيل على الأرصفة.

يكشف هذا التوظيف هشاشة وغياب فلسفة الدولة عن الأنظمة السياسة المتعاقبة التي حكمت باسم التشيّع، فهي أنظمة هجينة حبلها السرّي الذي يمدّها بأسباب البقاء واستدعاء العنف، قائم على توظيف القبور والمزارات والطقوس، فهي العامل الأفيوني الذي يخدّر الشعب ويجعله يغفل عن واقعه الملوّن بشتى أطياف التخلف والفقر وانعدام الأمن وغياب العدالة.

كما يعتمد خطابها السياسي، على المظلومية التاريخية ومحاولة خلق عدوّ متخيل، يغذّي أتباعها بالولاء المطلق، ويحرّضهم على خوض معارك دونكيشوتية باسم المقدس. ويجعلهم ينشدون خلاصهم بممارسات طقوسية قد تفتح لهم أبواب السماء.

إنضمّ/ي إنضمّ/ي

رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

Website by WhiteBeard