شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

ادعم/ ي الصحافة الحرّة!

"حظاً طيباً!"... عن الحياة في "جزيرة الفقر" البرتغالية

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

حياة نحن والمهاجرون العرب

الجمعة 7 يونيو 202401:13 م

في أحد المقاهي العربية في العاصمة البرتغالية لشبونة، سمعت لأول مرة عن "كينتا دو فيرو" أو ما يُعرف بين السكان المحليين بـ"جزيرة الفقر".

كان ذلك عندما سمعت عن جريمة اعتداء وسرقة وقعت بالقرب من تلك المنطقة، وهو أمر غير مألوف في بلد يصنف ضمن أكثر سبع دول أماناً في العالم.

ما أثار دهشتي هو عدم وجود أي معلومات عن هذه المنطقة في خرائط غوغل، وكأنها قد أُزيلت من الخريطة. 


كينتا دو فيرو، بعدسة مصطفى ماهر

دفعني الفضول للتعمق أكثر فأكثر في هذا الموضوع، فاكتشفت أن "جزيرة الفقر" تخفي وراءها قصة مؤلمة لكنها مليئة بالأمل.

تحركت بالمترو إلى محطة ساناتا أبولونيا لأنها الأقرب إلى تلك المنطقة، ومنها سرت إلى العمق، لكنني واجهت صعوبة كبيرة للوصول إلى المنطقة. 

بعد مرور ساعة من البحث والسؤال، وجدت امرأة أخيراً تعرف اسم المنطقة لكنها فشلت في وصف الطريق لعدم زيارتها الحي من قبل، فلجأت إلى إيقاف سيارة شرطة لتساعدني. تحدثت السيدة البرازيلية مع الشرطي باللغة البرتغالية وعندما سمع اسم المنطقة اختفت الابتسامة من على وجهه وأشار لها بيده: "إنها في أسفل هذا الطريق المنحدر على بعد 15 دقيقة سيراً، حظاً سعيداً هناك!"

الحياة اليومية في جزيرة الفقر

تقع "جزيرة الفقر" بين منطقتين حديثتين من حيث المباني والخدمات، وعلى بعد أمتار من المحيط الأطلسي. في هذا الحي، يعتبر وجود مرحاض في المنزل ترفاً ووجود حمام حلماً بعيد المنال. 

تسكنها عشرات العائلات من جنسيات مختلفة، أغلبهم السكان الأصليون، ويعانون من ظروف معيشية قاسية تجعل الحياة اليومية تحدياً مستمراً.

أحمد، شاب سوري هرب من جحيم الحرب في بلده، وجد نفسه محاصراً في جحيم آخر في قلب أوروبا. 

تقع "جزيرة الفقر" بين منطقتين حديثتين من حيث المباني والخدمات في لشبونة، وعلى بعد أمتار من المحيط الأطلسي. في هذا الحي، يعتبر وجود مرحاض في المنزل ترفاً ووجود حمام حلماً بعيد المنال

يقول أحمد الذي يسكن بالقرب من المنطقة المعزولة: "الوضع صعب للغاية، البطالة والجريمة منتشرتان، ولا نملك سوى الانتظار أملاً في التغيير".

 في هذه المنطقة، تعيش العائلات على حافة الهاوية، فالخدمات الأساسية شبه معدومة، والمباني متهالكة، والأطفال يلعبون في شوارع تملؤها القمامة والحفر.

الأوضاع هنا تجعل الحياة اليومية صراعاً مستمراً. البق والحشرات والحيوانات الضالة تشكل تهديداً دائماً للسكان، وأزمة الصرف الصحي والكهرباء والقمامة تجعل الأمور أكثر تعقيداً. يضاف إلى ذلك تلوث المياه وتصدع الأسقف والجدران، مما يسمح لمياه الأمطار بالتسرب إلى داخل المنازل.

كينتا دو فيرو، بعدسة مصطفى ماهر

مبادرات ومحاولات إصلاح

في عام 2017، اجتمع السكان وأصحاب العقارات والمستأجرون لتأسيس "جمعية أصدقاء كينتا دو فيرو"، وحصلوا على تمويل بقيمة 50 ألف يورو من المجلس المحلي للمدينة لإطلاق مشروع إعادة تأهيل الحي. ولكن حتى الآن، لم يرَ المشروع النور. ويقول أحد أعضاء الجمعية إنهم وجدوا أنفسهم يقومون بأعمال المجلس البلدي بأنفسهم، ولكنهم واجهوا مشكلة أكبر مع ظهور رجل أعمال يرغب في هدم منازلهم لبناء شقق فاخرة.

اجتمع السكان لتأسيس "جمعية أصدقاء كينتا دو فيرو"، وحصلوا على تمويل من المجلس المحلي، لإطلاق مشروع إعادة تأهيل الحي. ولكن حتى الآن، لم يرَ المشروع النور. وأصبحوا يواجهون مشكلة جديدة مع ظهور رجل أعمال يرغب بهدم منازلهم لبناء شقق فاخرة.

شكوك السكان حول مشاريع التطوير

قبل سنوات عدة بدأ الحديث عن وجود مستثمرين يشاركون في إعادة التأهيل شكك سكان الحي في الخطة وأعلنوا عدم نيتهم مغادرة منازلهم، وأكدوا أنه رغم مطالباتهم باستعادة كرامتهم وعدم إخراجهم من المنطقة، فإن مجلس مدينة لشبونة لم يقدم سوى مواقف سيارات وألعاب للأطفال. أشار السكان إلى أن أي شخص يأتي للاستثمار في المنطقة لا يهتم بإعادة التأهيل، بل يبحث فقط عن منازل رخيصة ليهدمها ويبني عقارات فاخرة بدلاً منها دون النظر إلى معاناة السكان.

ظل سكان كينتا دو فيرا، القدامى لسنوات يشككون في نيات الحكومة، خوفاً من طردهم من الحي الذي نشأوا فيه هم وأحفادهم. تقول إحدى نساء المنطقة: "في الماضي، كان الناس أكثر تهذيباً، وكانت الأمور أفضل بكثير. الآن، نشعر بأننا مهملون، وأن الحكومة لا تهتم إلا بمصالح المستثمرين. الأمر هنا يتعلق بالماء والكهرباء والمباني المتهالكة. نحن نقوم بأعمال الترميم بأنفسنا لأن الحكومة لا تهتم بمشاكلنا".


كينتا دو فيرو، بعدسة مصطفى ماهر

الأمل في التغيير

على الرغم من الصعوبات والمخاوف، يبقى الأمل موجوداً في قلوب سكان "جزيرة الفقر". إنهم يأملون أن تأتي الخطة الحكومية بتغيير حقيقي يحسن من حياتهم ويمنحهم الفرصة للعيش بكرامة في منازل آمنة ونظيفة، وأن تكون لديهم الخدمات الأساسية التي يستحقها أي إنسان.

بعد عقود من الإهمال، سيُعاد تأهيل الحي الواقع بالقرب من البانتيون الوطني حتى عام 2027 وتنظيم الفضاء العام وستظهر حديقة خضراء وسط الحي القديم، ومن المتوقع أن يشهد الحي تحسناً كبيراً في البيئة المعيشية، مع تحسين المرافق العامة وتوفير مساحات خضراء جديدة، ما سيحّسن من جودة الحياة للسكان.

كينتا دو فيرو، بعدسة مصطفى ماهر

عملية إعادة التأهيل والتخطيط الحضري

تمت الموافقة على خطة إعادة التأهيل والتطوير الحالية (PDM) في عام 2012، والتي وضعت كينتا دو فيرو، كمنطقة لإعادة التأهيل الحضري. تم تخصيص اهتمام خاص للمنطقة في عدة دراسات بين 2008 و2013، ولكن التنفيذ الفعلي بدأ في عام 2020.

على الرغم من الصعوبات، يبقى الأمل موجوداً في قلوب سكان "جزيرة الفقر". إنهم يأملون أن تأتي الخطة الحكومية بتغيير حقيقي يحسن من حياتهم ويمنحهم الفرصة للعيش بكرامة في منازل آمنة ونظيفة، وأن تكون لديهم الخدمات الأساسية التي يستحقها أي إنسان

كينتا دو فيرو، بعدسة مصطفى ماهر

تتضمن عملية إعادة التأهيل تنظيم جلسات عامة لجمع الآراء، وفُتح النقاش العام حول ORU في سبتمبر/أيلول الماضي. تتضمن المنطقة المعاد تأهيلها حدوداً دقيقة وواضحة تشمل شارع روا لايتي دي فاسكونسيلوس من الشمال، وشارع 1-85A من الجنوب، وميدان كامبو دي سانتا كلارا من الشرق.

وكان المشروع واجه بعض التحديات التقنية في السنوات القليلة الماضية، لكن من المتوقع التغلب عليها مع مرور الوقت إذ تم تخصيص حوالى 50 مليون يورو للمشروع، الذي يتضمن إنشاء حديقة جديدة ومرافق عامة.


كينتا دو فيرو، بعدسة مصطفى ماهر


رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

WhatsApp Channel WhatsApp Channel

فلنتشارك في إثراء مسيرة رصيف22

هل ترغب/ ين في:

  • الدخول إلى غرفة عمليّات محرّرينا ومحرراتنا، والاطلاع على ما يدور خلف الستارة؟
  • الاستمتاع بقراءاتٍ لا تشوبها الإعلانات؟
  • حضور ورشات وجلسات نقاش مقالات رصيف22؟
  • الانخراط في مجتمعٍ يشاركك ناسه قيمك ومبادئك؟

إذا أجبت بنعم، فماذا تنتظر/ ين؟

    Website by WhiteBeard