شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

اترك/ ي بصمَتك!
يوم في خان يونس قبل السابع من أكتوبر

يوم في خان يونس قبل السابع من أكتوبر

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

مدونة

الأحد 2 يونيو 202401:41 م

هذه ليست مدونة أو صفحة من مذكرات شخصية. ولا يُمكن وصفها بأي حال من الأحوال على أنها "درب من الخيال".

بل هي حقيقة عايشتها أنا واثني مليون شخص آخرين قبل أن تُحوّلها النيران إلى رُكام.

حقيقة كانت فيها خان يونس مدينة عادية. ثم اكتشفنا أنها ليست كذلك. يطلع فيها الصبح على وقع زقزقة العصافير وليس على صوت القذائف، يجتمع فيها الأصدقاء لأجل اللقاء وليس لأجل الوداع. وتكثر فيها الأسئلة الروتينية التي لا تدلّ على غيرها، فقد كانت الكلمات تحمل معنى واحد فقط.

جملة "كيف حالك؟"، مثلاً، لم تكن تحمل رسالة مبطنة مفادها: هل ما زلت حياً؟ هل فقدت شخصاً من عائلتك؟ هل وجدتَ طعاماً لأطفالك؟

هذه الحقيقة تغيّرت على الأرض، لكنها في أدمغة الغزّيين ما زالت ثابتة وعصية على النسيان. لذلك، هذه الكلمات ليست جزءاً من الماضي، بل جزء من كلّ حاضر، وستظل كذلك إلى الأبد.

السادسة صباحاً قبل السابع من أكتوبر

نصف ذكرياتي في خان يونس كانت عند السادسة صباحاً، فلهذه المدينة رونق خاص في الصباح. تبدو مثل امرأة تخرج من الفرن. وكأيّ رجل تحركه رغبته، كانت المدينة تحركني. فأفتح عينيّ كل يوم في السادسة دون منبّه.

أصنع فنجان قهوة (بُن ازحيمان تحديداً)، أتركه يغلي حتى يتخلّص من الرغوة على سطحه، والتي نسميها "الوجه". ثمّ أحمل قدميّ وأصعد أعلى سطح المنزل، هناك حيث دالية العنب تَصنعُ كوخاً أخضر في مثل هذا الوقت من السنة، وتجعل الأفكار كلها طازجة تماماً.

للمساء في خان يونس رونق خاص، لا يستشعر خصوصيته إلا أبناء المدينة، الذين يعرفون معنى أن يجلس الواحد منا ليلاً أمام البحر في فصل الربيع

لا أنتبه لصوت الزنانة برغم أنه يفتك برأسي، وأمنح كل جوارحي لفيروز وهي تغني: "هل اتخذت الغاب مثلي، منزلاً دون القصور، فتتبعت السواقي وتسلقت الصخور".

لم أفعل ذلك يا فيروز، فليس في خان يونس غابٌ ولا حتى ساقية أو صخور. لكنني كنتُ أشعر في السادسة صباحاً أنّ فيها كلّ شيء. أنظر من فوق سور السطح فأرى الضباب يحوّل البيوت إلى أفكار، وتخطر لي فكرة النزول إلى وسط البلد فأفعلها دون تردد.

يُعرف الترتيب تماماً: ساندويشا حمّص من وليد بشيكل (الساندويش بنُص)، كاسة شاي من بسطة رمضان الواقعة بين المسجد الكبير وقلعة برقوق، ثم جلسة على كرسي بلاستيكي قبلته القلعة، وحديث مع الحجارة المعتّقة ووجوه الناس لا ينتهي إلا بحلول العاشرة. إنها الساعة التي تُعلن انتهاء الصّباح عندي.

ساعة الظهر قبل السابع أكتوبر

مع حلول ساعة الظهر، تتحول خان يونس إلى مدينة لا تُطاق. فقط في ساعة الظهر. لذلك، كنت أحرص بشكل دائم على تجاوز هذه الساعة، مرةً بالنوم ومرةً بالكتابة ومرةً بالذهاب إلى دوّار أبو احميد. هذا الدوّار الذي يستحوذ على مساحة مهمة من حياة كل خانيونساوي.

يشبه في اتساعه ومقاهيه المتواضعة، حديقة ليست خضراء. أطلب قهوة مزاج مغلية ودون وجه، وأدخل في حوار تافه حول جدوى أن يعيش الإنسان في منطقة كغزة.

يوافقني الرجل الغريب الذي يجلس قبالتي بهزّ رأسه. ويظل يهز هكذا حتى تغرب ساعة الملل وتعود المدينة إلى حيث كانت، تشبه امرأة تخرج من الفرن.

أتأمل المشهد المتكرر على وقع أصوات السيارات، ولا أفعل شيئاً سوى أن أفكر في كتابة نص جديد عن شاب طموح يحتار بين الحب والحياة، فيحمل حقيبته ويتجه جنوباً نحو رفح.

يظل ماشياً حتى يصل أوروبا فيجد أنه فقد الاثنتين، الحب والحياة. يتحدث الرجل الغريب عن راتب صديقه الذي وصل إلى بلجيكا مؤخراً. فلا أسمع من حديثه سوى الرقم: 5 آلاف يورو.

أما الآن، وعلى الرغم من تحول المدينة الصغيرة إلى كومة من ركام، ما تزال خان يونس جزءاً من الحاضر، حاضري الشخصي في الأقل، حتى وإن كنت أعيش في مدينة أخرى

أنصب في عقلي ميزاناً، أضع فيه الخمسة آلاف يورو في كفة والـ600 شيكل التي أحصل عليها شهرياً في كفة، ثمّ أضحك.

ولا يسألني الرجل لماذا أضحك، بل يبادلني الضحك فقط. ولا أدري إن كان يضحك على نكتة سخيفة قالها أم على ضحكي.

يُعرف الترتيب: أحمل قدميّ متجهاً إلى البيت، ولسوء الحظ أنه يوم الأربعاء. فالطريق من دوار أبو احميد حتى حارة المصريين التي أسكن فيها ممتلئة بالباعة المتجولين.

لا أعرف كم مرة يصطدم كتفي بالمارّة، لا أنا أنتبه ولا هم يبالون. أحصل على ملخّص عن الأسعار لا يحتويه أي منيو في العالم. أفكر في شراء عوّامة، وهذا ما أفعله.

فعوامة خان يونس لا تُشبه أيّ عوامة في العالم. لا تمضي 15 دقيقة إلا وتكون قدماي تصعدان درج البيت بينما الساعة على الحائط تسير نحو الثانية ظهراً بخطى ثابتة.

المساء قبل 7 أكتوبر

للمساء في خان يونس رونق خاص، لا يستشعر خصوصيته إلا أبناء المدينة، الذين يعرفون معنى أن يجلس الواحد منا ليلاً أمام البحر في فصل الربيع.

ولأنني استوطنت المدينة قلبهم، كنت أدرك ذلك جيداً. لهذا لم أضيّع في حياتي فرصة السهر أمام الموج، حتى أن أصدقائي المقربين كانوا يعرفون إجابتي دائماً حين يسألون: أين نسهر اليوم؟ فالبحر قبلتي الأولى والأخيرة.

بالنسبة لي، إن كنتَ من خان يونس ولم تقضِ 10 ساعات أسبوعياً، في الأقل، أمام البحر، فقد يتم التشكيك في خانيونسيتك.

يُعرف الترتيب حينها: مساءً تتخلى خان يونس عن كونها امرأة تخرج من الفرن، وتتحوّل إلى يد ضخمة تربّت على كَتف السُّكان.

ولأنني أعرف هذه اليد جيداً، لا أبذل جهداً كبيراً لإيجادها. كل ما كان عليّ أن أفعله هو فقط المشي في الشارع الفارغ دائماً بجوار المقابر.

ذلك الشارع الذي يمتد بالتوازي مع شارع البحر. أشتري سيجارتين، وبشيكل واحد بذور عبّاد الشمس. وأمشي في شارع العمر وكأنه يطلّ على حدائق خضراء ممتدة وليس على قبور. ولذلك، يذكرني هذا الشارع بالحُب ولا يذكرني بالحرب أبداً.

آكل البذور وأنا وصديقي، أدخّن سيجارة واحدة، وأترك الأخرى لأدخنها أمام البحر. لا تمرّ ساعة إلا وأكون أمام الشاطئ. يعرفني الشاطئ، أعرفه، إنه يقدّر كلّ من يأتيه مشياً.

قد تكون خان يونس مدينة عادية تماماً، وهي بالفعل كذلك. بل هي قرية كبيرة قليلاً. شوارعها لم تكن واسعة أو نظيفة. لكن المشي فيها يردّ الروح

نهارات خان يونس الطويلة

قد تكون خان يونس مدينة عادية تماماً، وهي بالفعل كذلك. بل هي قرية كبيرة قليلاً. شوارعها لم تكن واسعة أو نظيفة. لكن المشي فيها يردّ الروح.

حدائقها قليلة وليس فيها أشجار لا يُرى آخرها، لكنها كانت واسعة معنىً وصورة.

لم يكن نهارها أبداً هادئاً، لكنه كان طويلاً بما يكفي لصناعة ذكريات مع صوت جنازة تَعبر وصوت عُرس يمضي.

ولم يكن ليلها يخلو من صوت الزنانة، لكن صوت البحر كان يكسر شوكته كثيراً.

أما الآن، وعلى الرغم من تحول المدينة الصغيرة إلى كومة من ركام، ما تزال خان يونس جزءاً من الحاضر، حاضري الشخصي في الأقل، حتى وإن كنت أعيش في مدينة أخرى.

أسكن الآن في إسطنبول، ولكن القصد أنني أسكن خان يونس. أذهب إلى العمل بالحافلة، لكنّ القصد أنني أذهب مشيًا على الأقدام، فمكتبي في عمارة عند آخر شارع جلال،

أسهر على أطلال بحر إيجة، ولكن القصد بحر خان يونس.

نعم، أرى خان يونس يومياً، أعيشها كأنني لم أخرج منها أبداً. ولهذ، فإن هذه الكلمات ليست جزءاً من الماضي بل جزء من كلّ حاضر، وستظلّ كذلك إلى الأبد.

إنضمّ/ي إنضمّ/ي

رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.



* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

Website by WhiteBeard