شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

انضمّ/ ي إلى ناسك!
ما تبقّى من

ما تبقّى من "بابا عمرو"، ما تبقّى لنا

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

مدونة نحن والحقيقة

الاثنين 13 مايو 202410:47 ص

تصدّرَت أخبار حي "بابا عمرو" نشرات الأخبار من بدايات الحراك في سوريا. كنتُ طفلاً يُتابع عن كثب ما يجري بلده، لكنّ اقتصار مُشاهداتي على التلفزيون السوريّ ومحلليه السياسيين، وقناة الدنيا ببرنامجها "كشف التضليل الإعلامي" ومن بعده "الغربال"، ومهاترات "الاتجاه المعاكس" على قناة الجزيرة، جعل رؤيتي للحدث السوري لا تختلف عن فيلم الكرتون "فارس الشجاع" الذي كنتُ أتابعه عندما أملّ من نشرات الأخبار: فارسٌ شجاع يُحارب الأشرار ويتصدّى لهجماتهم على حصون بلده.

أحاول اليوم، بعد ثلاثة عشر عاماً، أن أعايش أحداث "بابا عمرو" بعدساتٍ جديدة، منصات اليوتيوب مليئةٌ بالفيديوهات القاسية التي تؤلم من يحمل أدنى مستويات الإنسانية، ويلحّ عليّ تساؤلٌ: ما الذي دفع ملايين السوريين للصمت حيال كل تلك الجرائم التي ترقى لمستوى الإبادة الجماعية؟ السؤال صعبٌ ومعقّد، لكنّ جوابه كان سهلاً بالنسبة لمن وضع خطة المحرقة؛ "إن لم تقتلوهم سيذبحونكم ويغتصبون نساءكم"، وإن كانت تعميميةً وغير واقعية، لكنها فكرةٌ مرعبةٌ تستند لمروياتٍ تاريخية، يُعطّل الخوف منها أي قدرةٍ على نقدها أو إخضاعها لمحاكمةٍ عقلية، وسط جوٍ من الخوف الوجوديّ، وفي ظل تربيةٍ سياسيةٍ صارمة عمرها ستون عاماً وأخرى مذهبية أكملت قرنها الرابع عشر، تحت أنظار نظامٍ أجاد خلط الاثنتين (التربية السياسية والدينية) بالمقادير المناسبة لاستغلالهما في تفخيخ المجتمع السوريّ، حيث إنّ أول تحركٍ نحوه يعني انفجار المجتمع والدولة، وخراب البلاد وموت العباد وبقاء طغمة الكراسي.

بالإضافة إلى نزع الإنسانية عن مسلّحي الحي وأهله، واعتبارهم إرهابيين ودواعش ومتشدّدين، في استغلالٍ واضحٍ للرهاب الذي رباه وأطعمه منذ عقود لدينا كأقليات.

قد يكون نموّ الأعشاب على أنقاض بابا عمرو "فعلَ حياة"، لكنه يُشعرني بالركود والجمود وتوقف الزمن، وأقسى من ذلك؛ النسيان والإهمال، وكأنّ هذا الحي قد نُسي تماماً، ومن فيه منفيون ومنسيون، حتى نبت العشب

ما تبقّى من بابا عمر

مرّت السنوات، وما كنتُ أشاهده على التلفاز ذات يوم أصبحتُ في قلبه، شاءت الصدف والأقدار أن يكون عملي في حي "بابا عمرو"، ولأكون دقيقاً أكثر في الوصف "أطلال بابا عمرو" أو "بقايا بابا عمرو"، حيث يحضرني عنوان كتاب لغسان كنفاني "ما تبقّى لكم"، نعم هذا ما تبقّى لنا.

الحي مُدمّرٌ بشكل رهيب، ويوحي باستخدام أسلحةٍ لا أعتقد أنّ المسلّحين قد امتلكوا ما يمكن أن يُحيل بنايةً طابقية إلى كومةٍ من الحجارة والإسمنت من دوّار "بابا عمر" -عليه كان حاجز جامعة البعث سيء الصيت- إلى دوّار المؤسسة الاستهلاكية، التي وقف عندها بشار الأسد في زيارته المشهورة، وهو يعد من تجمهر حوله من "أهالي الحي" بأنّ يُعيد حي بابا عمرو إلى أفضل مما كان عليه قبل الحرب.

محلات متنوعة تحاول الإيحاء بوجود حياةٍ، لكنّ تهالك الطوابق فوق المحال يُذكّرني، والمارّة، برائحة البارود وصوت المدافع، التي جعلت كل شقة تتكئ على جارتها السفلية، تنهار وتُرخي عليها همومها وتحتضنها إلى أن تموت فوقها وتخنقها، وكثيراً ما تساءلتُ في نفسي عن العشب والأزهار البرية التي نبتت على سطوح المنازل المتضرّرة، وكيف وصلت بذارها إلى سطوحٍ عالية؟ لربما حملها طائرٌ بروثه أو علقَت بحذاء أحد أصحاب البيوت الذي صعد آخر مرةٍ إلى بيته قبل تحوله لأنقاض.

بابا عمرو

قد يكون نموّ الأعشاب على أنقاض بابا عمرو "فعلَ حياة"، لكنه يُشعرني بالركود والجمود وتوقف الزمن، وأقسى من ذلك؛ النسيان والإهمال، وكأنّ هذا الحي قد نُسي تماماً، ومن فيه منفيون ومنسيون، حتى نبت العشب، الذي يُذكّر بأغنية مارسيل خليفة "على قد ما طلع العشب بيناتنا بيرعى الغزال". يبدو أنّ عشباً طويلاً قد نبت بين السوريين في ظل انقطاع جسور الحل.

أنظر إلى الوجوه المارقة في الأزقة، كالحة لا تنظر إلا أمامها، لا وجود لتلفتٍ يمنةً أو يسرةً أو فضولٍ للتطفّل بالنظر على المارة، لا وجود لحالة استمتاعٍ بالمشي، مجرّد فعلٍ جافٍ، مَهمّةٌ هدفها الوصول إلى مكانٍ ما، وقد أصبتُ بهذه العدوى، فأصبحتُ أمشي بسرعة بغرض اختصار مشاهد الدمار والخراب التي تلاحق عينيّ في كل مكان، ومشاهد حاويات القمامة التي ينبشُ فيها أطفال وكبار، بالإضافة إلى "ورشات جمع البلاستيك" المُنتشرة بين الأنقاض، فبعد انتهاء عمليات "التعفيش" لم يبقَ فيها سوى مخلفات البلاستيك، مجدداً... هذا ما تبقّى لنا.

يُخبرني أحد البقّالين، وهو عجوزٌ من سكان "بابا عمرو"، هرب أولاده من الحيّ وبقي وحيداً مع زوجته المريضة، أنّ عدد سكان الحي قد بلغ مئة ألف قبل الحرب، أما اليوم فبضعة آلاف، ومُعظم من يسكن هنا ليسوا من سكّانه الأصليين، إنما مُهَجّرون ونازحون من المحافظات

التكثيف في السرفيس

فاقمَت مشاهدُ دمار الحيّ وتقاسيم البؤس على وجوه الناس -وملابسهم وأصابع أيديهم المتشققة- الذين ألقاهم في وسائل النقل العامة "السيرفيس" من اكتئابي، فلا شيء يدفعني نحو الحياة أو يحفزني على العمل. دخل الخراب إلى روحي من الباب العريض، واستولى على سلوكي وتفكيري، وبات يختار العدسة التي أنظر بها للداخل والخارج، وسرعان ما وجدتُ نفسي في عيادة طبيب الأمراض النفسية أستلم وصفةً طبيةً مختومةً، كُتب عليها أسماء مضادات الاكتئاب التي أبعَدَت عني بعض الأعراض لكنها جعلتني أقل إحساساً وتأثراً بكل ما يحدث حولي. ربما هي طريقة الدواء في حمايتي من "مشاعري" طالما أنني عاجز عن التحكم بها أو تغيير الواقع المسبب لها.

عادةً ما أستقلّ باص النقل الداخليّ من "كراج حمص الشماليّ"، إلى "دوّار بابا عمرو" المجاور للجامعة، ثم آخذ "سرفيس" آخر إلى داخل الحيّ. سرفيس متهالك، معظم مقاعده ذات جلدٍ ممزقٍ، يخرج منها الإسفنج الأصفر ويظهر الحديد الداخلي. إنه أشبه برجلٍ يسير وعظمه مكشوفٌ على الهواء، وقد عمل صاحبه على إخفاء عيوب بعض المقاعد بواسطة "بطانية عسكرية" أو "بطانية مساعدات" ذات الثمن الرخيص -أرخص من إصلاح المقعد- حيث تُسرق من المساعدات وتباع بأسعارٍ رخيصةٍ في المحلات والشوارع، البطانيات التي يجب أن يتدثر بها اللاجئون والنازحون لتقيهم بعض البرد، تُباع في الشوارع وتُرقّع بها مقاعد "السرافيس".

تصدر عن هذا "السرفيس" الكثير من الأصوات، وكأنّ كل قطعةٍ صغيرةٍ منه تتحرك لوحدها في اتجاهٍ مُختلف. هنا يُلخص السيرفيس حال حمص، وربما حال بلدي بأكمله، وهذا ما لا أراه عيباً بشكلٍ عام، فأحد أسباب أزمتنا أنّ هنالك من أراد أن نمشي جميعاً باتجاهٍ واحد، دون أن نصدر أيّ صوت.

في بابا عمرو حياةٌ لا نعرف عنها شيئاً

 لكنّ عُطلاً أصاب باص النقل بالقرب من "دوّار النخلة" المعروف في حي "الإنشاءات" بحمص. نزلنا جميعاً وكان عددنا بالعشرات، ومن الصعب أن تأتي حافلةٌ لتقلّ هذا العدد، لذا قررتُ إكمال الطريق سيراً على الأقدام، ليست المسافة بطويلة خصوصاً أنني اخترتُ طريقاً مُختصراً، لكنّ السير وحيداً في أزقة "بابا عمرو" تُعدّ مخاطرة، فإلى اليوم يتناقل "الحماصنة" اسمَ الحيّ بشيءٍ من الخوف والوجل الغامض، ربما هي بقايا صدمات حربٍ ضروس هدأت وبقي خوف اشتعالها من جديد يسيطر على اللا وعي.


بابا عمرو

كان فصل الشتاء قد بدأ، لم تكن تُمطر لكنّ برد حمص المشهور بدأ يدخل عظامي. مشيتُ بين البيوت المُهدّمة جزئياً وكلياً، حتى تلك التي بقيت واقفةً حفرَت القذائف في سطوحها وجدرانها حفراً، أو ربما هي "طلّاقيات" مُفتعلة بغرض التمترس ومهاجمة العدو، وهي بذلك غير صالحةٍ للعيش، أو هذا ما كنتُ أعتقده حتى سمعتُ أصوات عائلةٍ من داخل أحد البيوت. بيتٌ بلا أبواب أو شبابيك أو حتى كرتونةٍ تحل محلّ النافذة، كان حديثاً طبيعياً بين أهلٍ يهيئون أطفالهم للمدرسة على عجلٍ ليذهبوا إلى أعمالهم. بدت الأصوات عاديةً وروتينيةً من منزلٍ لا يمتلك أدنى مقومات الحياة، لكنّ رائحة البيض المقلي الفائحة منه كذّبتني. إنه يضجّ بالحياة، أو بحياةٍ لا نعرف عنها شيئاً.

ما تبقّى من القمع في "بابا عمرو"

يُخبرني أحد البقّالين، وهو عجوزٌ من سكان "بابا عمرو"، هرب أولاده من الحيّ وبقي وحيداً مع زوجته المريضة، أنّ عدد سكان الحي قد بلغ مئة ألف قبل الحرب، أما اليوم فبضعة آلاف، ومُعظم من يسكن هنا ليسوا من سكّانه الأصليين، إنما مُهَجّرون ونازحون من حمص ومن بقية المحافظات.

وجدتُ كلامه هذا منطقياً ومرتبطاً مع مشاهداتي، حيث لا تزال عباراتٌ مكتوبةٌ على الجدران والأبواب التي أرادت لها الأقدار ومزاجات الصواريخ والقذائف أن تبقى واقفةً، عباراتٌ مثل "الأسد أو نحرق البلد" و"أسود الفرقة الرابعة مروا من هنا"، و "باباعمرو عطاكم عمرو"، إذا لا يمكن لمن عايش تلك الحرب أن يُبقي تلك العبارات على جدار منزله وباب داره و"غَلَقِ" محلّه، إلا إن كان قاطنوا تلك البيوت ليسوا من السكان الأصليين.

معظم "شوفيرية التكاسي والسرافيس" مُتعاملون مع المخابرات، حيث تتقاطع مهنة السائق مع مهنة المُخبر في كثيرٍ من الجوانب، فلا يتكلف الأمن عناء توظيف أشخاصٍ ينتشرون في الأحياء متفرّغين لجمع المعلومات

وفي طريق العودة، أستقلّ سرافيس "تل الشور"، وهو حيٌّ حمصي مجاور، لاقى ما لاقاه "بابا عمرو" من تدمير وتهجير لكنه لم يحظَ بالتغطية الإعلامية ذاتها. وقف السرفيس، فصعدت إلى جانب "الشوفير" الذي كان شكله يوحي بأنه رجلُ أمن، وظني لم يخب حين رنّ جواله: "ألو أهلا، أي أنا طالع من بابا عمرو، مين معي؟"، لابدّ أنّ جواب المتصل كان: "معلمك"، لأنّ ردّ السائق كان مُزلزلاً وصاخباً، أشعرني بالخوف مع أنّه ليس موجهاً لي ولا علاقة لي بالأمر لا من قريبٍ أو بعيد.

ربما كان شعوراً بأننا جميعاً عُرضة للأذى حتى لو لم يكن لنا أي علاقة بما يحدث: "أنا عندي معلم واحد بس، هوي الدَكتور بشار الأسد". هنا صمت الجميع فجأة، وشعرتُ بالرعب كما شعر بقية الركاب من كلامه الحانق الذي يحمل جرعة تشبيحيةً قويةً، فلا أحد يستطيع الردّ على مثل هذا الجواب مهما كانت رتبته، خوفاً من أن يُفهم خطأً، إذ احتمى السائق بالرئيس وأعلن انضواءه تحت رايته وتماهيه بسيادته، والكلمة في مثل هذه الحالات تُقاس بالمليمترات، وخصوصاً أنها مُكالمة هاتفية، وخلال الثلاثين عاماً التي عشتها في سوريا، فإنّ جميع من عرفتهم وأعرفهم من سوريين يعتقدون أنّ هنالك من يستمع لمكالماتهم ويسجلها.

 قد يكون منظر البؤس والركام تضافر مع فحوى المكالمة وأيقظ خوفاً مدفوناً تحت أنقاض الحيّ المدمر. صمت السائق برهةً ثم قال وقد استرخت تقاسيم وجهه قليلاً: "يا زلمي هاد انت، والله ما عرفتك مغير صوتك عليي، أي أنا خمس دقايق وبصير عند دوار 'السيد الرئيس'، انطرني هنيك" ثم أعاد كلامه "إي تماماً عند دوار 'السيد الرئيس'، ليكني عند مشفى الجامعة"، في تأكيدٍ على ولائه المُطلق، إذ يكتفي السائقون والركاب في حمص عادةً بقول "دوار الرئيس" دون كلمة "السيد".

ومن المعروف في سوريا أنّ معظم "شوفيرية التكاسي والسرافيس" مُتعاملون مع المخابرات، حيث تتقاطع مهنة السائق مع مهنة المُخبر في كثيرٍ من الجوانب، فلا يتكلف الأمن عناء توظيف أشخاصٍ ينتشرون في الأحياء متفرّغين لجمع المعلومات، فالسائق يجوب الشوارع والأحياء ويلتقي بالناس ولن تزيد عليه "المهنة الإضافية" سوى رواية ما رآه وسمعه في مقابل "حظوةٍ" أو الحصول على بعض الامتيازات.

إنها فكرةٌ ذكية. هكذا تستطيع "الدولة" عدّ أنفاس مواطنيها بتكلفةٍ لا تُذكر، ولا مشكلة لدى "الدولة" أن يتجاوز عددُ المُخبرين عددَ المواطنين، وكثيراً ما يتواجد مُخبرون على المُخبر نفسه، وأكثر المُخبرين حظوةً هو الأكثر كتابةً للتقارير بغض النظر عن صحتها، وبالصديق قبل العدو، حيث يدل ذلك على التزامٍ قوي "بأخلاقيات المهنة" والولاء المطلق دون التأثر بعلاقات القرابة والصداقة والزمالة، هذا ما كان أحد أهم أدوات إفشال واختراق أي تحرك سلميّ مدنيّ يقول "لا"، وساعد فيما بعد على تحويل أحياء مثل بابا عمرو وغيرها إلى ركامٍ ومنفى. 

إنضمّ/ي إنضمّ/ي

رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.



* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

ألم يحن الوقت لتأديب الخدائع الكبرى؟

لا مكان للكلل أو الملل في رصيف22، إذ لا نتوانى البتّة في إسقاط القناع عن الأقاويل التّي يروّج لها أهل السّلطة وأنصارهم. معاً، يمكننا دحض الأكاذيب من دون خشية وخلق مجتمعٍ يتطلّع إلى الشفافيّة والوضوح كركيزةٍ لمبادئه وأفكاره. 

Website by WhiteBeard