شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

لنبدأ من هنا!

"هكذا تكلّم أبو زيد"... عن جذور العنف في تراث المسلمين

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!


من أين تولدت ظاهرة العنف في مجتمعات العرب والمسلمين؟ هل يمكن ردّها لجذور معرفية متعلقة بالنصوص التراثية، أم للوقائع المرصودة في بدايات التاريخ الإسلامي، أم لعوامل مقاومة السلطة، سواء سلطة المحتل أو سلطة الحاكم المستبد؟ أم أنها نوعٌ من رد الفعل على مفردات الحداثة التي رأت فيها تلك المجتمعات تهديداً لهويتها؟ 

هذه بعض من الأسئلة التي يحاول الكاتب والمفكر المصري جمال عمر الإجابة عنها في كتابه "جذورنا المعرفية للعنف: الصراع بين الحداثيين والتراثيين وتوليد العنف في مجتمعات العرب والمسلمين"، متتبعاً أحداثاً تاريخية بعينها قد تكون مؤسسة للعنف كوسيلة للاستحواذ على السلطة، منذ عام الفتنة ومقتل عثمان بن عفان (35 هجرية) مروراً بموقعة صفين (37 هجرية) بين جيشي علي بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان، ورفع المصاحف على أسنة الرماح، وفقاً لاقتراح تكتيكي من عمرو بن العاص لتجنب هزيمة جيش معاوية – وهي هنا ليست المصاحف التي نعرفها اليوم، ولكنها صحائف تحوي آيات من القرآن- والتي يعدّها الكاتب البداية الحقيقية لخروج القرآن من حيز العقيدة التعبدية إلى ساحة المعركة.

يتحدث الكتاب عن لا تاريخية اللحظة الرهنة، وعن استدعاء مقولات تاريخية في محاولة لتفسير ظواهر واقعية، مثل "الصحوة الإسلامية" المتمثلة في تديين مظاهر الحياة لدى طائفة ممن يستعدون التراث، ورد المؤسسات الدينية الرسمية عليهم بتسميتهم "خوارج العصر"، وهو أيضا مصلح مستدعى من الماضي، ويشير إلى البحث عن العوامل السياسية والاجتماعية والاقتصادية وراء العنف والإرهاب، ولا ينسى الطابع التاريخي والإثني في هذا الصدد، فيما يتعلق بطبيعة العرب والحياة البدوية التي كانت قائمة على الغزو والغنائم. 

من أين تولدت ظاهرة العنف في مجتمعات العرب والمسلمين؟ هل يمكن ردّها لجذور معرفية متعلقة بالنصوص التراثية، أم للوقائع المرصودة في بدايات التاريخ الإسلامي، أم لعوامل مقاومة السلطة، سواء سلطة المحتل أو سلطة الحاكم المستبد؟ أم أنها نوعٌ من رد الفعل على مفردات الحداثة التي رأت فيها تلك المجتمعات تهديداً لهويتها؟ 
 يتنقل الكتاب عبر مساحات تاريخية شاسعة، من عصر النبوة إلى حملة نابليون بونابرت على مصر والشام، لمحاولة الإمساك بالجذور الحقيقية لتلك الظاهرة، راصداً عصوراً شهدت فتاوى تحرض على العنف، ومنها ما عرف عن ابن تيمية، يردّها الكاتب لطبيعة عصرها وكونها موجهة لاستنهاض الهمم في مواجهة الغزو الصليبي للأراضي العربية. وفي هذا السياق يتناول الحركة الوهابية في أرض الحجاز التي قادها محمد بن عبد الوهاب (1703 – 1792م)، مقارنة بما قدمه ولي الله الدهلوي (1703 – 1762م) في الهند. 

وفي فصل بعنوان "مفاهيم دينية في ساحة فيسبوكية" يتناول الكثير من المفاهيم التاريخية والتراثية ويناقشها عبر حوارات مع آخرين على الجدار الأزرق، منها فكرة المقدس، وهل هو مقدس في ذاته أم أننا نضفي عليه صفة القداسة وفقاً لعوامل كثيرة شكلت رؤيتنا للعالم، ويفرق بين المصحف والقرآن والوحي وكلام الله. ففي صفحة 179 يكتب "المصحف مجموعة اختيارات بشرية من القرآن، الذي هو مجموعة اختيارات بشرية من الوحي، الذي هو مجموعة اختيارات من كلام الله"، مشيراً إلى القراءات المتعددة للقرآن وإلى الرواة الذين جرى اعتمادهم رغم أنهم عاشوا بعد عصر النبوة بفترة طويلة، ويدلل على ذلك برواية حفص عن عاصم المعتمدة في مصر، فعاصم بن أبي النجود الكوفي توفي عام 127 هجرية، بينما توفي حفص بن سليمان الكوفي عام 180 هجرية، وفي هذا السياق يشير إلى الرواية المعتمدة في شمال أفريقا لورش عن نافع. 

يتنقل الكتاب عبر مساحات تاريخية شاسعة، من عصر النبوة إلى حملة نابليون بونابرت على مصر والشام، لمحاولة الإمساك بالجذور الحقيقية لظاهرة ارتباط العنف بالمسلمين

وهناك إشارة لافتة إلى التعامل مع الحداثة برد فعل عنيف، وكذلك استدعاء التراث لمواجهة الحداثة أو تديينها بطريقة أو بأخرى.  

يعتبر جمال عمر الحداثة لها وجهان، ويوضح في حواره مع رصيف22 أن هناك "الحداثة المسيسة والحداثة المعسكرة، مستعيراً تعبيرات  المفكر المصري الراحل علي مبروك، فالحداثة المعسكرة تتمثل في الغزو من الخارج مثل حملة نابليون بونابرت ومظاهر الحداثة والعلم الآتية على ظهر بارجة حربية، أما المسيّسة فهي النابعة من الداخل، ونماذج تتمثل في حكام مثل محمد علي أو شاه إيران أو كمال أتاتورك". 


ويلفت عمر إلى أن مشكلة الحداثة تكمن في أنها قادمة جبراً، وعادة ما تكون عنيفة، ويكون لها ثمن، فحين يأتي المعتدي ويهاجم بلادنا كثيراً ما تكون الحداثة هي الخطر الذي نواجهه، ومن جهة أخرى هي النموذج الذي نريد التعلم منه، هي بالأساس جاءت غازية فيتم مقاومتها، العنف يتولد عنه عنف".

وعن علاقة التراث بالحداثة يقول: "مظاهر الحداثة وعنفها يجعلنا ننظر لماضينا لنحتمي به، وغالبا ما نتعالى بالماضي، ننتقي من الماضي لتعويض النقص".

وعدّ لا تاريخية اللحظة الراهنة هي سبب الخلل في النظر للحداثة، ضارباً مثالاً :"الشخص على المنبر في القرن الواحد والعشرين حين يتحدث عن عمر بن الخطاب ويطالب بعودته باعتباره رمزاً للعدل والأمان، لماذا لا يفرق بين زمن عمر بن الخطاب وبين الحاضر، ولماذا يتجاهل أن عمر بن الخطاب نفسه مات مقتولاً؟".  

"مع كل هزيمة نتعرض لها تتراجع عملية التحديث وتتقلص مساحة الإصلاح، وتزداد مساحة السلفية والتقليد"

وذكر أننا لا نتعامل مع الحداثة الغربية أيضاً وفق سياقها التاريخي، مؤكداً أن "لا تاريخية نظرتنا تجعلنا ننظر للحداثة الغربية إما باعتبارها الشيطان الأكبر أو أنها النموذج الذي يجب أن نقتدي به".

وعزا سبب ذلك إلى محاولة اختصار الهوية في جانب واحد، إما العربية أو الإسلامية أو المصرية، وهو ما يؤدي لتوليد العنف دفاعاً عن الهوية المحددة، ولفت إلى أن نجيب محفوظ مثلاً في كتاباته اكتشف أن كل طبقات التاريخ موجودة في الحارة :"كل واحد منا ستجد فيه المصري القديم والمتوسطي (نسبة إلى البحر المتوسط) والجانب العربي والتركي". 

تناول الكتاب العديد من نماذج تجديد الخطاب الديني في الجامعة المصرية، وجمال عمر نفسه له كتاب عن نصر حامد أبو زيد بعنوان "أنا نصر أبو زيد: من نص المصحف إلى خطابات القرآن"، حصيلة مناقشات وتعاون مع المفكر المصري الراحل نصر حامد أبوزيد (1943 – 2010) وتناول الكتاب أيضاً أبحاثاً للكاتب جمال عمر مثل "مقدمة في تواتر القرآن" ودراسته عن كتاب "الهداية والعرفان في تفسير القرآن بالقرآن" للكاتب محمد أبو زيد الدمنهوري وهو الكتاب الذي صودر أكثر من قرن من الزمان.    

وعن مخاطر التعامل مع تجديد الخطاب الديني في الجامعة المصرية يقول عمر إن "الموضوع قديم، منذ إنشاء الجامعة المصرية (1908م) لتكون نواة للتعليم الأهلي غير الديني المتمثل في الأزهر، تساءلوا كيف يحضر التراث الديني في الجامعة، هل يكون مثل المؤسسة الدينية التي تبجل الماضي والتراث أم استخدام الرؤية النقدية؟ وكانت نقاط الالتهاب في تاريخ الجامعة مرتبطة بالتراث خاصة التراث الديني بداية من أزمة كتاب (في الشعر الجاهلي) لطه حسين، وبعد ذلك جاء محمد أحمد خلف الله  ورسالته حول الفن القصصي في القرآن الكريم عام 47، ونماذج أخرى جعلت من التعامل مع الخطاب الديني داخل الجامعة نقطة إشكالية، والشاهد على ذلك في فترة متأخرة نصر أبو زيد وغيره".

وعوداً إلى العنف وكيفية توليده في المجتمعات العربية والإسلامية يرى عمر أن "هناك تناقضات كثيرة  في الدستور حتى تؤدي لهذا العنف،

فمنذ دستور 1923 دين الدولة هو الإسلام، والشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع، وبعد ذلك لا أحزاب على أسس دينية، فتجد شخص ينتمي لجماعة دينية يأتي ويقول نريد تطبيق المادة الثانية للدستور، نحن نُدَستِر الأمور الدينية في دولة المفروض قائمة على المواطنة". 

ويشير عمر إلى أن الديني والحداثي موجود في كل المؤسسات تقريباً، ويقول: "الساعة 9 صباحاً يدخل دكتور في إحدى كليات الأزهر يتحدث عن الفلسفة الحديثة وبرتراند راسل، والساعة 11 يدخل دكتور إلى القاعة نفسها ويقول إن الفلسفة حرام". 

وعن السياق التاريخي والتراثي لتوليد العنف منذ عام الفتنة يقول عمر: "هذه العلامة ليست هي المنشئة للعنف، لكن يمكن اعتبارها نقطة مفصلية، فمن خلالها وما تلاها من أحداث تم مأسسة العنف"، ومشيراً إلى واقعة التحكيم بين علي ومعاوية:"رغم أنها يمكن أن تكون غير موثقة تاريخياً لكن فكرة رفع المصاحف على أسنة الرماح، هنا انتقل المصحف والقرآن من ساحة للفهم والتدبر إلى سلطة تفرض على الناس بالقوة، انتقل المصحف من ساحة العقل لساحة المعركة، تحول إلى سلطة".  

ويجزم أن "هذه السلطة تجسدت في المذهب الفقهي الذي يقول لا اجتهاد مع النص، فلكي تأتي بفكرة جديدة يجب أن تأتي بنص حتى تشرعن فكرتك". 

ويتابع: "خلال القرن الماضي، وتحديداً في الـ70 سنة الأخيرة هناك اتجاه للأسلمة، من الأفغاني ومحمد عبده حتى الآن، كلما جاء لنا الغرب باتجاهات مثل الديمقراطية والليبرالية، نحن أيضاً بحثنا عن هوية فاخترنا "إسلامية" على نمط الليبرالية والديمقراطية، وحاول البعض تحديث الفكر عند المسلمين، لكنهم كانوا في حالة تراجع وانتهت العملية مع هزيمة 67 إلى أسلمة الحداثة". 

وحول الفرق بين تحديث الفكر الإسلامي وأسلمة الحداثة يوضح أن "المشكلة ليست في الإسلام وإنما في منظومة اجتماعية خاطئة لا تطبق صحيح الإسلام، هذا ما اكتشفه مصلح مثل محمد عبده وقرر العودة إلى زمن السلف الصالح عنده وهي فترة إنتاج العلوم". 

"الشخص على المنبر في القرن الواحد والعشرين حين يتحدث عن عمر بن الخطاب ويطالب بعودته باعتباره رمزاً للعدل والأمان، لماذا لا يفرق بين زمن عمر بن الخطاب وبين الحاضر، ولماذا يتجاهل أن عمر بن الخطاب نفسه مات مقتولاً؟"

أما أسلمة الحداثة فهي "أن تأتي بمفردات ومفاهيم الحداثة وتؤسلمها، مثل أن يدعي شخص أن حقوق الإنسان من الإسلام قبل 14 قرناً، وبالنسبة للدستور لدينا وثيقة المدينة، من هنا جاء الإعجاز العلمي والعددي في القرآن".  

وحول مسألة تزييف الواقع  ولا تاريخية اللحظة الراهنة يقول عمر: "حين تقع حادثة إرهابية يخرج الأزهري ويصف قيادات الجماعات بأنهم خوارج العصر، يترك الظاهرة المعاصرة ويلبسهم زيّاً تراثياً، هذا تزييف لمفردات الواقع، لكن سيظل الواقع يتحرك وفقا لقوانينه هو". 

وحول الجماعات الدينية التي تبنت العنف مثل الجماعات والإخوان والقاعدة وأيمن الظواهري الرجل الثاني في التنظيم  وما كتبه عنه، يقول عمر:"كل هؤلاء أبناء سيد قطب، هم خريجو التعليم الحديث، سيد قطب وحسن البنا أيضاً خريجو دار العلوم وليس الأزهر، كلية دار العلوم من المعروف أنها انشئت لتعادل التعليم المدني لما يقدمه الأزهر، مشيراً إلى أن العنف لدى هؤلاء يؤكد أن المشكلة ليست بنت التراث بقدر ما ترتبط بأزمة التحديث". 


ويرى عمر أن "العنف خارج من أزمة التحديث، من محاولة التوفيق بين الأصالة والمعاصرة، بين الغرب والشرق، بين الموروث والوافد عند حسن حنفي مثلاً" وعلى المستوى السياسي يرى أنه "مع كل هزيمة نتعرض لها تتراجع عملية التحديث وتتقلص مساحة الإصلاح، وتزداد مساحة السلفية والتقليد"، وأشار إلى ثلاثة مفاصل تاريخية كبرى جسدت هذه الظاهرة في العصر الحديث، "أولها إلغاء الخلافة الإسلامية (1924) ، ثم إعلان دولة إسرائيل ( 1948) والمفصل الثالث كان هزيمة 1967، وهي ما أدخلتنا في الاستقطاب الكامل". 

ويلفت إلى أن مذاهب السنة التي سادت ترسخ للرضا بالواقع، وقال إن "وسطية الأزهر مكونة من 3 عناصر، الأشعرية في العقيدة، والمذاهب الأربعة في الفقه، والتصوف في السلوك، ما يرسخ فكرة الصبر على البلاء والرضا بالواقع والصبر على الحاكم الظالم وإن جلد ظهرك، لأن الخروج عليه قد يؤدي لفتنة أكبر". 

وحول خطورة بعض الأفكار التي يطرحها، يقول: "لا أحاول صناعة بروباغندا أو فرقعات، أرى ببساطة أن المشكلة في عدم استخدامنا للفكر، نتكلم عن التفكير ولا نمارسه، اعتدنا على الإجابة المعلبة الجاهزة في مراحل التعليم المختلفة حتى في الجامعة". 

ويشير إلى فكرة التبعية والانقياد وراء الحشود مجسداً ذلك: "غالبية الناس تبدو وكأنهم مربوطون في حبل واحد، وهناك أكثر من سلطة سواء سياسية أو دينية تتصارع للإمساك بهذا الحبل، وأرى أن دوري كمفكر هو أن أقص هذا الحبل، وأن أدعو الناس للتفكير، فالتنوير هو أن تتعلم التفكير".


رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

WhatsApp Channel WhatsApp Channel

ثورتنا على الموروث القديم

الإعلام التقليديّ محكومٌ بالعادات الرثّة والأعراف الاجتماعيّة القامعة للحريّات، لكنّ اطمئنّ/ ي، فنحن في رصيف22 نقف مع كلّ إنسانٍ حتى يتمتع بحقوقه كاملةً.

Website by WhiteBeard