شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

اترك/ ي بصمَتك!
عقد اجتماعي أحادي لشمال شرق سوريا... كيف سينجح؟

عقد اجتماعي أحادي لشمال شرق سوريا... كيف سينجح؟

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

سياسة نحن والحقوق الأساسية

الأربعاء 17 يناير 202402:52 م

تنفيذاً لواحدة من مخرجات مؤتمر الجزيرة والفرات الذي عقده مجلس سوريا الديمقراطية في مدينة الحسكة في 25 تشرين الثاني/ نوفمبر 2020، أعلن المجلس العامل للإدارة الذاتية لشمال شرقي سوريا، وعبر لجنة مكونة من 30 عضواً، إعادة صياغة العقد الاجتماعي الذي أُقر في العام 2014، قبل تعديله إلى ميثاق الإدارة الذاتية لشمال شرقي سوريا عقب إعلانها عام 2018.

أطلق على المخرجات الجديدة اسم "العقد الاجتماعي للإدارة الذاتية الديمقراطية لإقليم شمال وشرق سورية". ويتألف من مقدمة و134 مادة موزعة على أربعة أبواب، لتنظيم الشؤون السياسية والإدارية والحريات والنقابية والخدمات والقضايا المجتمعية، وفقاً لها.

تغيير في الهيكلية

تشكلت الهيكلية القديمة للإدارة من سبعة أقاليم، لكل منها إدارة خاصة، وتتألف من مدن وبلدات رئيسية، موزعة على الحسكة، دير الزور، الرقة، منبج، الطبقة، كوباني، عفرين والشهباء.

واعتمدت الهيكلية الجديدة تسمية "الإدارة الذاتية الديمقراطية في إقليم شمال وشرق سوريا" واستبدال تسمية المقاطعات بالإقليم، وتجميعها ضمن إقليم إداري موحد باسم "إقليم شمال وشرق سوريا" حيث تتضمن المناطق السابقة نفسها. كما تم استبدال تسمية "الجمهورية العربية السورية" بـ"جمهورية سوريا الديمقراطية"، واتباع النظام الكونفدرالي.

تغيرات إدارية ومؤسسات جديدة

شملت التغيرات صُلب المرجعية الإدارية للبلديات التي ستتحول إلى مجلس واتحاد للبلديات، وتم تغيير اسم "المجلس العام" إلى "مجلس الشعوب الديمقراطي في شمال وشرق سوريا"، وأقر العقد إنشاء مؤسسات جديدة مثل "مجلس الجامعات" للإشراف على جامعات "روج افا" في قامشلو وكوباني والشرق في الرقة، و"هيئة الرقابة ومكتب النقد والمدفوعات المركزي" والتي سيتم إلحاقها بـ"مجلس الشعوب الديمقراطي"، و"محكمة حماية العقد الاجتماعية"، وبناء "النظام الكونفدرالي"، و"عقد اجتماعي ومجلس عدالة خاص للمرأة"وفي نهاية العقد تقول المادة 133 إن العقد قابل للتعديل في حال التوافق على دستور ديمقراطي في سوريا. 

أعلن المجلس العامل للإدارة الذاتية لشمال شرقي سوريا، إعادة صياغة العقد الاجتماعي الذي أُقر في العام 2014، قبل تعديله إلى ميثاق الإدارة الذاتية لشمال شرقي سوريا عقب إعلانها عام 2018. وأطلق على المخرجات الجديدة اسم "العقد الاجتماعي للإدارة الذاتية الديمقراطية لإقليم شمال وشرق سورية" 

في حديثه لرصيف22 يقول الكاتب إبراهيم خليل: "العقد الاجتماعي يلصق صفة الديمقراطي" بكل شيء وأي شيء وإذا فكرنا بعمق في هذا النوع من الإلحاح والمبالغة سنجد أنه لا يدعو إلى التندر والسخرية بقدر ما يدعو إلى الريبة والقلق، خاصةً إذا علمنا أن كلمة (الديمقراطية) قد وردت في (العقد الاجتماعي) 215 مرة، في حين يذكرها الدستور الفرنسي فقط خمس مرات ومثله بالضبط الدستور السوري، والدستور السويسري يذكرها مرتين/ ولا أثر لهذه الكلمة على الإطلاق في الدستور الأمريكي".

تعقيدات المشهد السياسي السوري

في توقيت تعيش سوريا كُتلة أزمات، من تجميد للصراع إلى عدم التوافق لحل سياسي، والخلافات حول اللجنة الدستورية وتوقفها حالياً، جاءت الإدارة الذاتية بعقد اجتماعي جديد وتسميات وتقسيمات إدارية جديدة.

حزب السلام الديمقراطي أحد أحزاب الإدارة الذاتية، يحيل طلال محمد سكرتير الحزب عضو لجنة صياغة الدستور أسبابه إلى: "الجغرافية الواسعة التي تسيطر عليها الإدارة الذاتية، وزيادة الحاجة لعقد جديد لتنظيم العلاقة بين المجالس والمكونات، وتوقيت التغيير مناسب وضروري؛ للخروج من الحالة البيروقراطية والترهل بسبب عدم توافق بين عمل المجالس والمركزية في القرارات والأعمال التي عادت سلباً على تلك المجالس".

ويقول لرصيف22: "سوريا كلها تمر بمرحلة حساسة بسبب أزمة عدم التوصل لحل سياسي، رغم زخم الاجتماعات واللقاءات المنعقدة في الخارج، لكنها لم تفض لأي توافق حول شكل سوريا الجديدة، أو حل الأزمة، خاصة أن اللجنة الدستورية وهيئة التفاوض لم تستطع أن تعمل شيئاً بسبب تشابك الملفات ضمن الأزمة السورية والخلافات حول مصالح الدول المتدخلة في سوريا".

لكن، في المقابل ثمة آراء تجد في العقد الاجتماعي بصيغته الحالية مُشكلة أكثر من كونها حلاً، ومن هؤلاء الأكاديمي الكردي فريد سعدون، الذي يقول لرصيف22: "تفاصيل كثيرة يُمكن جمعها في قانون واحد لوصف المطلوب، خاصة المتعلقة بالمرأة، عوضاً عن إغراقنا بالتفاصيل والمصطلحات غير المبررة، إضافة كونها لا تناسب الأقاليم ذات الحكم الذاتي". 

ثمة آراء معارضة تجد في العقد الاجتماعي بصيغته الحالية مُشكلة أكثر منه  حلاً، وأنه لا يناسب الأقاليم ذات الحكم الذاتي.

ويورد سعدون بعضاً من تلك المصطلحات والقوانين كأمثلة، فمكتب النقد والمدفوعات، يماثل البنك المركزي، ومحكمة حماية الدستور تماثل المحكمة الدستورية العليا وهذه كلها من تخصص المركز وحده ولا يجوز وجود أكثر من بنك مركزي أو محكمة دستورية واحدة، أو تغيير اسم الدولة لأن هذا يتطلب موافقة البرلمان العام وأن يعرض على الاستفتاء بحسبه.

وحول توقيت الإصدار يقول: "يُمكن كتابة العقد في أي وقت، لكن في ظروف الحرب والنزاع لابد من التوصل لحلول للنزاع السياسي والعسكري، أو يبقى دستوراً استثنائياً لا يمكن الأخذ به، والرهان هو على تطبيقه في هذه الظروف مع وجود لجنة دستورية، ومؤتمرات لحل المشكلة السورية" مُعللاً الاستعجال في الطرح إلى "الجفاء بين الإدارة الذاتية والنظام السوري وتوقف الحوارات بينهم، ورد فعل على التدخل التركي العسكري في المنطقة، والظروف الاقتصادية السيئة وتململ الأهالي من الوضع، والمشاكل في دير الزور، دفعتهم للاستعجال في اصدار الدستور".

إقصاءات وكيانات معترضة

شكل العقد الاجتماعي/الدستور على الدوام أبرز النقاط الخلافية في الحوارات الكردية-الكردية، ومع بقية المكونات ايضاً. ودوماً ما كان يُشكل عقبة كبيرة أمام تفكيك النقاط الخلافية بين مختلف الأطراف.

رصيف22 تحدث إلى المتحدث الرسمي باسم المجلس الوطني الكوردي في سوريا فيصل يوسف، وهذا المجلس هو جسم سياسي يضم مجموعة من الأحزاب الكردية إضافة لتمثيل المرأة والشباب والمستقلين، وقد أكد أنهم كمجلس "يبنون مواقفهم في العلاقة مع حزب الاتحاد الديمقراطي pyd والإدارة التابعة له، وفقا للاتفاقات التي أبرمت بينهم في "هولير 1" في 2012، و"هولير2" في 2013، و"دهوك" في 2014، ثم المفاوضات التي جرت برعاية أمريكية، وضمان من قائد "قسد" السيد مظلوم عبدي بتنفيذ ما يتم الاتفاق حوله في 2020، وجميعها كانت تتضمن وجوب الالتزام برؤية سياسية مشتركة، وبناء مرجعية كرديا عليا ،والشراكة الفعلية بإدارة البلاد، وضرورة تعديل العقد الاجتماعي، إضافة لقضايا الحماية والأمن، وإيجاد مخارج مناسبة لأمور أخرى تم إدراجها تحت بند قضايا خلافية".

ووفقاً ليوسف فإن كل الحوارات قطعت أشواطاً جيدة من التفاهمات حولها، ورغم توقف الحوارات الأخيرة "فإن المجلس الكوردي أعلن استعداده الدائم لإنجاز ما تم التفاهم حوله برعاية أمريكية، على أرضية "اتفاقية دهوك" والوثيقة التي وقعها الجانب الأمريكي والسيد مظلوم في حزيران/ يونيو 2021، والتي تضمنت آلية العودة للمفاوضات، لكن المجلس لم يتلق أيّ مبادرة من الإدارة الذاتية بالموافقة عليها وإحياء الحوار، وأعلن في أكثر من مناسبة بأنه لن يعود للمفاوضات".

ويختم: "بناء على ما سبق فإن كل ما يصدر من الإدارة الذاتية سواء العقد أو غير ذلك هو من طرف واحد، ويؤكد المجلس الوطني الكردي في هذا السياق على ضرورة وأهمية استكمال المفاوضات المذكورة أعلاه حتى يكون شريكاً حقيقياً وفعلياً في إدارة المناطق الكردية في الحسكة، كوباني،عفرين وبمشاركة بقية المكونات من أبنائها بعد الاتفاق معهم".

المنظمة الآثورية الديمقراطية

تشكل المنظمة الآثورية الديمقراطية ضلعاً أساسياً في الحياة السياسية في سوريا، ورغم أنهم يُمثلون الشعب السرياني الأشوري بحسب تعريفهم لأنفسهم إلا أنهم غير منضمين في الإدارة الذاتية.

حول موقفهم من العقد الاجتماعي، يتحدث المعتقل السياسي السابق ورئيس المنظمة كبرئيل موشي، يقول لرصيف22: "تمت صياغة وكتابة العقد من طرف واحد، اقتصر على القوى السياسية المشاركة في الإدارة الذاتية، ومجلس سوريا الديمقراطية، ولم تتم استشارتنا به ولا حتى عرضه علينا، لذا نحن غير معنيين به. وغياب غالبية القوى السياسية السورية عن المشاركة في كتابته، يفقده كثير من المصداقية والشرعية".

ويتفق معه سعدون حول شرعية العقد، يقول: "بُنية الشرعية السياسية والشعبية تأتي من اختيار الشعب بإرادة حرة لممثليه لينوبوا عنهم؛ لوضع القرارات والقوانين، لكن الشعب لا يعرف ماذا يُدبر أو يُخطط له. وتم اختيار كتَبة العقد من خلال توافقات حزبية بين الاتحاد الديمقراطي وبقية الأحزاب التي تسير في فلكها، وهو ما غيّب قسم كبير من ممثلي الشعب من الأكاديميين والكتّاب والأحزاب السياسية المعارضة للإدارة الذاتية، لذلك لا شرعية لهذا العقد". 

لم تتم استشارة المنظمة الآثورية الديمقراطية الممثلة  للسريان الآشوريين بحسب رئيسها، الذي قال إنهم غير معنيين بالعقد الاجتماعي الجديد. لغياب غالبية القوى السياسية السورية عن المشاركة في كتابته، مما يفقده كثير من المصداقية والشرعية 

وكان مجلس سوريا الديمقراطية سبق ووقع على وثيقة تفاهم واتفاق مع هيئة التنسيق الوطنية في حزيران/ يونيو 2023، لكن الأخيرة أعلنت تبرؤها من العقد وفقاً لأمين سر الهيئة يحيى عزيز أمين، يقول لرصيف22: "تبني مجلس سوريا الديمقراطية لما يسمى العقد الاجتماعي، يُعتبر خروجاً عن وثيقة الاتفاق والتفاهم بين هيئة التنسيق الوطنية لقوى التغيير الديمقراطي وبين مجلس سوريا الديمقراطية، ويعد تجاوزاً لقرار 2254 الصادر عام 2015، والذي يعتمد التفاوض السياسي للانتقال السياسي في سورية"، مُضيفاً أن هذا العقد هو "محاولة لفرض أمر واقع مسبق الصنع خارج إرادة الشعب السوري، لذا فإن مكونات هيئة التنسيق الوطنية ترفض العقد الاجتماعي بالكامل".

من جهته يفند طلال محمد هذه الاعتراضات بقوله: "العقد الجديد يضمن إجراء انتخابات مقبلة في مختلف الهيئات والمجالس، أما حالياً فإن التوافق بين أحزاب الإدارة والشباب والمرأة أمر طبيعي بسبب حساسية المرحلة والتطورات، ومن الطبيعي وجود أصوات لا تقبل آلية اختيار ممثليها، لكن المرحلة تستوجب اتفاق الجميع" على حد وصفه.

ويضيف: "الاعتراضات جاءت من جهات خارج مجلس سوريا الديمقراطية والإدارة الذاتية، وأساساً خياراتهم وقراراتهم متجهة صوب الخارج، فالمجلس الكردي مثلاً من ضمن المعارضة السورية، من الطبيعي أن تكون مواقفهم الحالية كسابقها رفض واعتراض منذ تأسيس الإدارة وهم لا ينضمون ولا يعترفون ويعترضون على أي عقد جديد او أيّة عملية انتخابية، ومواقفهم دائماً ضد الإدارة الذاتية".

السريان الأشوريين سعداء لكن بحدود

رغم رفضهم للعقد، لكن موشي يُشيد بأن تأكيد العقد على حقوق القوميات "هي علامة مميزة في العقد، فالإقرار الواضح بحقوقها، ومنها الوجود والهويّة القومية للسريان الأشوريين، وضمان حقوقهم، والحقوق القومية للكرد في العقد، هي خطوة متقدمة وغير مألوفة في الحياة السياسية السورية بشكل عام".

ويضيف: "رغم أننا راضون عن هذه النقطة تحديداً، لكن العقد بشكل عام فيه الكثير من التناقضات والثغرات، والإشارات الأيديولوجيا المتأثرة بفكر حزب العمال الكردستاني وعبد الله أوجلان، وهي مفاهيم غامضة وغير مألوفة في الأدبيات السياسية، مثل مصطلحات الأمة الديمقراطية وأخوة الشعوب والأيكولوجيا والتي يكثر ذكرها، ولم يتم اختبارها سابقاً في أي دولة، وهي أيديولوجيا مرفوضة من الكثير من السوريين، واعتبروها تكريساً لأمر واقع".

ففي الوقت الذي تتبنى فيه المنظمة مفاهيم الحداثة الدولية مثل العلمانية والديمقراطية وتحييد الدين عن السياسية، وتجريد الدولة من أي وسم قومي أو ديني محدد، "نحن مع سيادة دولة القانون وفصل السلطات والعدالة الاجتماعية وحقوق القوميات جميعها، ولابد من وضع دستور يشارك فيه الجميع، يستلهم مواثيق حقوق الإنسان والحداثة التي هي واحدة في كل دول العالم" يقول موشي.

لكن، في المقابل فإن تغيب المنظمة الأثورية عن كتابة العقد، وتواجد حليفها السياسي "حزب الاتحاد السرياني" وعلى مستوى رفيع، خلق بعض الاستفهامات، التي يحاول موشي تبديدها، يقول "وقّعنا معاً وثيقة تفاهمات سياسية، لكن كل طرف يحافظ على تموضعه، نجن جزء من المعارضة السورية وهيئة التفاوض واللجنة الدستورية، والاتحاد السرياني جزء من الإدارة الذاتية ومجلس وسوريا الديمقراطية، نجن متفقون على ضمان الحقوق القومية والاعتراف الدستوري بوجودنا وهويّتنا، واعتبار اللغة السريانية لغة رسمية في المناطق التي تشهد كثافة سريانية اشورية، علماً أن العقد الجديد أفاض في قضية العلمانية واللامركزية وكلنا متفقون عليها".

وقد حاول رصيف22 التواصل مع قيادات وأعضاء كتابة العقد الاجتماعي، لكن بدون جدوى، في حين لم يصدر أي حديث أو إعلان موقف من الائتلاف والحكومة السورية.


رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

WhatsApp Channel WhatsApp Channel

ما زلنا في عين العاصفة، والمعركة في أوجها

كيف تقاس العدالة في المجتمعات؟ أبقدرة الأفراد على التعبير عن أنفسهم/ نّ، وعيش حياتهم/ نّ بحريّةٍ مطلقة، والتماس السلامة والأمن من طيف الأذى والعقاب المجحف؟

للأسف، أوضاع حقوق الإنسان اليوم لا تزال متردّيةً في منطقتنا، إذ تُكرّس على مزاج من يعتلي سدّة الحكم. إلّا أنّ الأمر متروك لنا لإحداث فارق، ومراكمة وعينا لحقوقنا.

Website by WhiteBeard