شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

اترك/ ي بصمَتك!
يقول التاريخ:

يقول التاريخ: "المسيح فلسطيني عربي وباحث عن العدل مثلنا"

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

رأي نحن والتاريخ

الأحد 7 يناير 202412:15 م

صوّر الفنان التشكيليّ الفلسطينيّ سليمان منصور السيّد المسيح بالكوفيّة، وأبدع لوحات أيقونيّة تؤكد أهميتها في الفنّ التشكيليّ الفلسطينيّ، وتأثّرها بتراث فنّ رسم الأيقونات المسيحيّ.

ومن رمزية الصليب وشخصية المسيح والعائلة المقدسة استوحى بعض أبرز الفنانين الفلسطينيين، وأوّلهم الراحلان إسماعيل شموط وناجي العليّ والمخضرمون تمام الأكحل، وعبد عابدي، وجهينة حبيبي، ونبيل عناني وغيرهم من الفنّانين والفنّانات من الجيل الجديد.

الاستحواذ أم الاستصلاح الثقافي؟

من هذه اللوحات، لوحة "العائلة المقدسة" للفنّان منصور، وتظهر فيها مريم ويوسف بالملابس المستوحاة من الزيّ الفلسطينيّ التقليديّ، والطفل يسوع بالكوفيّة، يبدو ثلاثتهم بملامح فلسطينية مألوفة، بشرة قمحية لوّحتها الشمس بلطف وشعر بنيّ متموّج. فلا شقرة ولا عيون ملونة ولا شعر أملس مسترسل، كما درج في العديد من الأيقونات الشهيرة في أعمال الفنانين الغربيّين. 

هنالك من يتحفّظ على إظهار المسيح بالكوفية بدعوى أنّ في ذلك إقحاماً للسياسة في الدين أو محاولة استحواذ ثقافي، لكني أراها استعادة لحقوق ثقافية أو ما يصطلح على تسميته بـ"استصلاح ثقافي". 

ربما لا تثير هذه التغييرات المتعلقة بالسحنة والمظهر الخارجيّ حفيظة أو اعتراض أحد، فقد جرت العادة أن تصوِّر كلّ أمة يسوع والعائلة المقدّسة بما يتلاءم وملامح شعوبها، وهذا ما يلاحظ في الأيقونات التي تزيّن جدران الكنيسة الشهيرة عالمياً، كنيسة البشارة للّاتين في الناصرة. ولكن بالنسبة للزيّ، وبالأخص اعتمار الكوفيّة، فالأمر مختلف. هنالك من يتحفّظ بدعوى أنّ في ذلك إقحاماً للسياسة في الدين. ويرى آخرون أنّ هذا ناتج عن جموح خيال فنيّ وعاطفة وطنية متأججة لا صلة لهما بالحقائق. وربما يبالغ البعض فيراها محاولة استحواذ ثقافي"cultural appropriation ".

وعلى عكس ذلك فإني أراها عملية استعادة لحقوق ثقافية أو ما يصطلح على تسميته "استصلاح ثقافي" أو " Cultural Reclaiming".

دفاعاً عن حصتنا من التاريخ

لقد تردّدت قبل كتابتي هذه السطور وأثناءها، وللحقيقة فما أكتبه هنا كان يجب أن يأتي في نهاية المقالة لو أنني التزمت بالتسلسل الزمنيّ، فأنا أضيفه الآن بعد مراجعتي المقالة كمحاولة توضيح ومشاركة للقارئ، وأرجو أن يكون هنالك فعلاً من يهتم بهذا المضمون، ففي ظلّ ما يحدث- هذا الظلّ/ الركام القاتم الرابض على أي نفس فيها بقايا من إنسانية- هل حقّا هنالك من معنىً لهذه الأسئلة؟ وهل أصلاً هنالك من متسعٍ لها؟

ولكن بعد حوار داخليّ وصلت الى قناعة أن نعم، هذا مهمّ وبالذات بسبب الأوضاع وما يمرّ به شعبنا، وبسبب من خصوصية المرحلة وحساسيتها. شعبنا يواجه خطراً وجوديّاً عمليّاً من لحم ودمّ، ورغم كون الخطر الجسديّ ملحاً جداً، وربما لأنّه كذلك لا يمكننا تجاهل -ويجب ألا يغيب عنا- خطر المحو الثقافيّ الذي نواجهه، لأن التقويض الثقافي هو ما يأتي بالضربة القاضية القاصمة. فالشعوب والجماعات عموماً تبنى على الأرضية الثقافية المشتركة، على الرموز والطقوس والمظاهر الحضارية ومحوها يؤدي الى تفكك الجماعة حتى بدون عنف جسدي، فما بالك حين تعمل آلة الدمار بلا توقف وبدموية غير مسبوقة. 

في لوحة "العائلة المقدسة" لسليمان منصور، تظهر مريم ويوسف بالملابس المستوحاة من الزيّ التقليديّ، والطفل يسوع بالكوفيّة، بملامح فلسطينية وبشرة قمحية لوّحتها الشمس بلطف وشعر بنيّ متموّج. فلا شقرة ولا عيون ملونة ولا شعر أملس مسترسل، كما درج في الأيقونات الشهيرة لأعمال الفنانين الغربيّين

وبهذا فقد اتخذت قراري بالمضي بالموضوع فلطالما كان للفنّ دور محوريّ في تشكيل وبناء وتدعيم الوعي الجمعي والهوية الجمعية وما أحوجنا إلى ذلك اليوم. لذا، سأعود لما كنت قد كتبته قبل هذا المقطع التوضيحيّ.

أبدأ بالبند الأول وسأتطرق للمصطلح "فلسطيني" وهل يجوز إطلاقه على يسوع المسيح. لكن قبل ذلك أريد أن أزيد الطين بلّة، أنا أدّعي بثقة أنّ المسيح ليس فقط فلسطينيًّا إنما هنالك إشارات تاريخية تدل على أنه من أصلٍ عربيّ.

سأبدأ من الإسم "فلسطين”. الاسم الذي كان عنواناً لبلادنا حينَ وقبل ولادة المسيح بمدة طويلة. هذه نبذة عن أمثلة، من مراحل تاريخيّة مختلفة استخدم وورد فيها اسم فلسطين في صوره المتشابهة، التي تطورت إلى أن اتخذت شكلها الحاليّ، وذلك، للإشارة الى منطقة جغرافية مطابقة بشكل أو بآخر إلى ما يعرف في التاريخ الحديث بـ"فلسطين".

بِلست... بِليست... بلستينيين

اعتمدت بالأساس على كتاب نور مصالحة "فلسطين- أربعة آلاف عام في التاريخ": 

1150 ق.م مصر القديمة: أشير في مصادر مصرية عديدة أبرزها اللوحات الجدارية لمدينة هابو، أثناء حكم رعمسيس الثالث، الى شعب اسمه "بِلِسْت" وهو من الشعوب الّذين حاربوا مصر.

يقول نور مصالحة في كتابه: "إلا أن اسم فلسطين ظهر أولاً في المصادر المصرية، منذ العصر البرونزي المتأخر، في سياق ذكر النزاع المصري من أجل السيطرة على الفلستيين، في عهدي رعمسيس الثاني، و رعمسيس الثالث ومرنبتاح. وفي الواقع، استنتج اسم فلسطين في الأصل، من الإسم الموثق بليست، قبل 3200 عام، الذي يستخدم للإشارة إلى شعب في جنوب المشرق، كان حليفا لليبيين، الذين ذُكروا في كتابات مصرية، منها نقش مرنبتاح التذكاري، وهو نقش يحتفل بانتصار مصر على ليبيا. ويضم حلفاء الليبيين هؤلاء، عدداً من الشعوب، إلى جانب البلست، ويمكن فك رموز أسماء بعضها. بعد ضم الفلسطينيين مع السكان الآخرين، حل اسم بلست محل اسم دجاهي* ليدل على المنطقة كلها". والمقصود بـ"دجاهي" هو الاسم المصري القديم لكنعان.

دلائل تاريخية

الآشوريّون حوالي 800 ق.م "في سبع لوحات مسمارية أشورية معروفة من أزمان مختلفة، أطلق الأشوريون على المنطقة المسماة اليوم فلسطين اسم (بلاشتو) و(بلاستو) أو (بليستو)، وسموا الشعب الذي يعيش في تلك المنطقة الفلسطينيين (با-لا-أس-تا-أ-أ). بدءًا من حكم ملك أشور أدد نيراري الثالث"

يقتبس مصالحة من أحد النقوش الأثرية على لسان الملك أداد نيراري الثالث: "في السنة الخامسة من حكمي، جلست بوقار على العرش، وأطلقت نداء إلى بلدي. أمرت جيش آشور الكثير العدد بأن يزحف على فلسطين (بالاسْتو)”.

ومن نفس المصدر: 675 ق. م: معاهدة أسرحدون مع سيّد صور تشير إلى المنطقة بأسرها باسم "بيليسْتو". 30 ق. م: الشاعر اللاتينيّ ألبيوس تيبولوس في "تيبولوس وسولبيتسيا": “ألا أخبرتنا عن اليمامة البيضاء المقدّسة للسوريّين تطير بأمان عبر مدن فلسطين المكتظّة؟

17 ق. م: الشاعر الرومانيّ بوبليوس أوفيدوس في قصيدة "فاستي" اللاتينيّة: "عندما حمل جوبيتور السلاح مدافعاً عن السماوات، أتى إلى الفرات ومعه كيوبد الصغير، وجلس على حافّة مياه فلسطين". وبحسب مصالحة، يتحدث هيرودس في القرن الخامس ق. م. عن "پالسطين"، أي أنه في هذه الحقبة أخذ الإسم شكله النهائي المتعارف عليه في اللغة اليونانية. وتحدّث كذلك عن سوريا-فلسطين. وهو يميّز بين الفينيقيين والسوريين الفلسطينيين، ويصف أيضاً الجغرافيا الطبيعية للمنطقة التي تطابق إلى حدّ كبير فلسطين كما نعرفها اليوم.

إذاً، وبالاعتماد على هذه المصادر، حين نطلق على المسيح لقب الفلسطينيّ فهذا ليس من باب المبالغة في العاطفة الوطنية ولا هي محاولة لليّ عنق التاريخ، بل إن لذلك دعامات تاريخية قوية، فالاسم "فلسطين" لازم بلادنا قبل ولادة المسيح بقرون ولمدة تاريخية طويلة متواصلة إلى يومنا، وأعتقد أنّ هذا كافٍ لتسمية كل من ولد وعاش على أرضها على النحو الفلسطينيّ. 

يقول نور مصالحة في كتابه: "اسم فلسطين ظهر أولاً في المصادر المصرية، منذ العصر البرونزي المتأخر، في سياق ذكر النزاع المصري من أجل السيطرة على الفلستيين، في عهدي رعمسيس الثاني، و رعمسيس الثالث ومرنبتاح. وفي الواقع، استنتج اسم فلسطين في الأصل، من الإسم الموثق بليست، قبل 3200 عام" 

بحسب مصطلحاتنا الفلسطينية أنني "وضعت حجراً" على كون المسيح فلسطينياً، ظلّ عليّ أن أضع حجراً، على ادعائي بأنه عربيّ أو على الأقل من أصول عربية.

باختصار وحسب المؤرخ الإسرائيلي بروفيسور شلومو زاند فإن سكان الجليل كانوا من أصل نبطيّ، والأنباط وفق العديد من الباحثين ومنهم زاند نفسه، هم أجداد العرب. ما يعني أنني لا أجانب الحقيقة حين أقول إن والدته، "السيدة مريم"، من أصل نبطيّ عربيّ. ما يجعل المسيح نبطياً عربياً فلسطينياً.

ولكن كيف يتوافق هذا مع ما نعرفه من التاريخ المسيحيّ من أنّ المسيح كان يهودياً؟

نعم، بحسب التقليد المسيحيّ فقد ولد المسيح لأمّ من الجليل، تتبع اليهودية، تدعى مريم، وهي مرتبطة برجل يهوديّ يدعى يوسف. يوسف ومريم اليهوديّان قاما بتربية ورعاية الطفل يسوع الذي ختن ونشأ على العقيدة اليهودية، ودرسها ونبغ فيها وفي تعليمها. ولكن علينا الانتباه هنا الى أمر هام جداً ربما يغيب عن بعضنا، وهو أن اليهودية لم تكن تشير الى قومية ما، بل الى عقيدة دينية، عقيدة تميّزها التوحيدية "monotheistic faith"، أو شبه توحيديّة على حدّ قول زاند. ولتوضيح الأمر سنرجع إلى التاريخ وحيثيات تلك الفترة، أي ملابسات فترة ما سبق ولادة المسيح، حتى ولادته.

بحسب المؤرخ الإسرائيلي بروفيسور شلومو زاند فقد قامت ثورة الحشمونائيم أو الثورة الحشمونية على الرومان، وهي الثورة التوحيدية الأولى في التاريخ، وذلك في القرن الثاني قبل الميلاد. وقد نجحت هذه الثورة، وعلى إثرها أقيم نظام جديد. لم يكن ذلك كياناً يهودياً إنّما نظام وصفه زاند بـ"اليودو- هلنستي". أي أنه

رغم انتصار العقيدة الجديدة، لم يتم الانفصال فعلياً عن النظام الهلنستي ولا عن الثقافة الهلنستية، ما يعني أنها لم تكن ثورة قومية، فلم تعرف القومية اليهودية آنذاك، إنما ثورة عقائدية. وإذا نظرنا على سبيل المثال إلى أسماء قادة أتباعها من الجيل الثاني، فسنجدها أسماء يونانية: هيركانوس الأول، ارسطوبولس، الكساندروس يناي، وهكذا. إذن هم هلنستيون في ثقافتهم، ولكنهم يهود موحّدون أو شبه موحّدين، في عقيدتهم.

حسب يوسيفوس فلافيوس وغيره، فقد احتل هركانوس ابن المتمردين الأوائل أدوم أي جنوب يهودا وفرض على أهلها الديانة اليهودية بالقوة. أما ابنه ارسطوبولس فتوجه إلى الجليل وسكانه من الأنباط أجداد العرب، ولم يكن الجليل بعد تابعاً لمملكة يهودا، فقام ارسطوبلس باحتلاله وضمّه وتهويد أهله. 

بحسب المؤرخ الإسرائيلي شلومو زاند فإن سكان الجليل كانوا من أصل نبطيّ، والأنباط هم أجداد العرب. ما يعني أن "السيدة مريم"، من أصل نبطيّ عربيّ. ما يجعل المسيح نبطياً عربياً فلسطينياً.

ويقول زاند إن أشهر قادة المتمرّدين اليهود على الرومان، هم من أبناء المتهوّدين، أي أنهم من أصول غير يهودية مثل شمشون بار چيورا قائد التمرد عام 64 م، كذلك الأخوان شمعيا وأڤتليون اللذان هما من نسل سنحريب الأشوري. وعليه، فإن قسماً لا يستهان به من قادة الجماعة اليودائية كان من "الأغيار" أو أبنائهم المتهوّدين. ويضيف "يجب أن يعلم كل من يذهب اليوم إلى حائط المبكى (رغم أنه ليس حائط بيت المقدس) أن من بنى المعبد التوحيديّ الأول أي بيت المقدس هو هيرودوس. ومن هو هيرودوس؟ إن والده أدوميّ وأمه عربية" أي أن من بنى قدس أقداس اليهود حاكم رومانيّ من أصل عربيّ.

الحق في الرموز الماضوية والحالية

والمثير فيما يتعلق بيسوع المسيح، فهو جليليّ، وكما ذُكر أعلاه فأرسطوبولس كان قد احتلّ الجليل قبل ما يقارب القرن من ولادة المسيح، ما يعني أنّ هنالك احتمالاً عاليا جداً أن تكون والدته مريم من أصل نبطيّ عربيّ، ما يرجّح كون المسيح نبطياً عربياً.

لذا، فحين يدثّر التشكيليون الفلسطينيون وغيرهم من الفنانين، يسوع المسيح بالكوفية، وحين يستخدمون ويوظفون رموزاً أخرى لإيصال الفكرة فهم يتّبعون نهجاً شرعياً دارجاً في الفن، أضف أن لهذه الرموز صلة وجدانية عميقة بموضوعات فنّهم وخاصة الكوفية، فهي الرمز المعاصر للفلسطينيين، والذي أصبح، خاصة في ظروفنا اليوم، رمزاً يتبنّاه أحرار العالم المناضلين ضد القمع والكولونيالية في كل مكان، وعنواناً للحرية والنضال من أجل العدل والقيم الكونية. ما يتماشى بشكل متناغم جداً مع رسالة المسيح الإنسانية التي جاءت رفضاً للظلم، ووعداً بالعدل والسلم والنور لكل البشر.

إنضمّ/ي إنضمّ/ي

رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.



* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

‎من يكتب تاريخنا؟

من يسيطر على ماضيه، هو الذي يقود الحاضر ويشكّل المستقبل. لبرهةٍ زمنيّة تمتد كتثاؤبٍ طويل، لم نكن نكتب تاريخنا بأيدينا، بل تمّت كتابته على يد من تغلّب علينا. تاريخٌ مُشوّه، حيك على قياس الحكّام والسّلطة.

وهنا يأتي دور رصيف22، لعكس الضرر الجسيم الذي أُلحق بثقافاتنا وذاكرتنا الجماعية، واسترجاع حقّنا المشروع في كتابة مستقبلنا ومستقبل منطقتنا العربية جمعاء.

Website by WhiteBeard