شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

لنبدأ من هنا!
قلق وترقّب وإقصاء متعمّد...

قلق وترقّب وإقصاء متعمّد... "عدالة الصمود" غير المتكافئة في جنوب لبنان

سياسة نحن والحقوق الأساسية

الجمعة 3 نوفمبر 202302:41 م

في الجنوب اللبناني، تسود حالة من الترقب والتوتر، حيث ينتظر السكان معرفة مصيرهم، في ظل الوضع الحالي في المنطقة، بالرغم من أنهم على دراية تامة بأن مجرد استمرار العدوان والقصف لن يجلب سوى مزيد من الضغوط والمسؤوليات لأغلبية السكان الذين يفتقرون إلى رفاهية التجهيز والتخطيط المسبق لأي طارئ في المناطق الحدودية، لا سيما وأن هذه المناطق بمجملها قاومت على مرّ سنوات طويلة، وتحمّلت ما لم تتحمله مناطق أخرى من أجل البقاء، ورفضاً للاحتلال الإسرائيلي.

هذه المناطق منذ الاجتياح الأول للعدو الإسرائيلي وهي تتحمل وحدها أوزار الحروب والصراعات من دون اكتراث لها ولمعاناة سكانها، من قبل أي من الجهات المعنية، كما ما زال أهلها يدفعون القرابين ويقدّمونها دفاعاً عن أرض أجدادهم وصوناً لكرامتهم وحفاظاً عليهما. ولكن يبقى السؤال المطروح هو: كم من التضحيات علينا أن نقدّم بعد، حتى يتدارك المعنيون تهميشهم لمناطقنا؟ أو يتم تقدير مقاومة المدنيين/ ات بسلاح قوتهم/ ن اليومي من قبل المزايدين/ ات المتسابقين/ ات على تحليل فئة دم الناس وطنياً وقومياً؟

يدرك سكان المناطق الحدودية في الجنوب، أن تكاليف الحرب والمعارك سيتم دفعها أساساً من قبل شريحة محددة من الأفراد فقط. هذه المعرفة مستمدة من تجارب سابقة، لا سيما من معاناة حرب تموز عام 2006، التي لا زالت راسخةً في أذهان السكان، وتُعاد اليوم وتترافق مع الحرب القائمة والمحصورة على الحدود الجنوبية.

اللافت، بحسب أهالي المنطقة، أنه تم تأمين منازل بديلة بعيدة عن الحدود للعائلات القيادية والشخصيات المسؤولة في المنطقة، بينما استأجر البعض الآخر غرفاً بأسعار باهظة نظراً إلى قدرتهم المالية، وتم تأمين كل ما يلزم من مساعدات مادية وعينية لهم وهم أنفسهم الذين في حرب تموز تم إرسالهم إلى سوريا وتأمين كل ما يلزم لحمايتهم. لكن، ماذا عن الفئة المتروكة في جغرافيا الحروب بلا مقومات أساسية للحياة الكريمة والمفروض عليها الصمود والمقاومة باللحم الحيّ وحده؟ وإلى أي حد يمكن للمتلاعبين بخطابات الحرب والتضحية أن يقدّروا صمود شعب بلا جعبة حرب؟

صمود مجبول بالقهر

تشير ريمي أيوب، من سكان منطقة عين إبل، إلى أن "الوضع النفسي لأهالي القرى المجاورة للحدود الإسرائيلية مزرٍ، ولا أحد يعلم ما سيحدث خلال الساعات القادمة". وتتساءل عما إذا كانت المعارك ستتسع وتتحول إلى حرب شاملة تُدمّر لبنان على غرار ما يحدث في غزة، معربةً عن انزعاجها وغضبها بسبب غياب الدولة اللبنانية وفشلها في وضع خطط لدعم الشعب خلال فترات الحروب، ومؤكدةً أن القادة السياسيين يتبجحون بخططهم عبر وسائل الإعلام، من دون أن يجرؤ أحد منهم على زيارة قرانا المحاذية للشريط الحدودي: "في الوقت ذاته، يقوم قادة العدو بزيارات يومية إلى مستوطناتهم على الحدود".

تتوقع أيوب، مثل كثيرين/ ات، عدم حدوث أي إعلان لحرب شاملة في الأيام القليلة المقبلة، مشيرة إلى أنه حتى "البيئة المدنية التابعة لحزب الله على الحدود رافضة للحرب ولا قدرة لها على الصمود والبقاء، خاصةً في ظروف لبنان الصعبة التي نعيش وسطها منذ أربع سنوات".

 "والدي يعمل في الصيانة في إحدى مدارس المنطقة، ومنذ اندلاع الحرب على المناطق الحدودية توقفت كل الأشغال. لكن استطعنا كما غالبية الناس تدبّر وضعنا في الأيام الأولى، ولكن وصلنا إلى ما قبل آخر الشهر من دون مال"

إذاً، الانهيار الاقتصادي الحالي يشكل تحدياً كبيراً أمام السكان، خصوصاً مع انخفاض القدرة الشرائية للأفراد. يقول أحد المقيمين في المنطقة: "في حال اندلاع الحرب أو استمرار الوضع الحالي، لا يستطيع معظم الناس تأمين احتياجاتهم، فماذا يمكن أن يشتري شخص بمبلغ لا يتجاوز مليوني ليرة (20 دولاراً تقريباً)، علماً بأن سعر العلبة الواحدة من المعلبات الغذائية تفوق مئة ألف ليرة لبنانية، وهي من الأشياء الرئيسية التي يبحث عنها الناس خلال فترات الحرب. فكيف سيصمدون وعلى أي أساس؟".

من جهتها، تؤكد أيوب أن معظم الأشخاص يعتمدون في دخلهم على موسم جني الزيتون، لكنهم لم يتمكنوا من الوصول إلى محاصيلهم: "لقد تم قطف الزيتون فقط في المناطق المجاورة لمنازل الناس، ولم يجرؤ أحد على الوصول إلى الأراضي البعيدة التي تتعرض للقصف". تضيف: "معظم الأشخاص لم يستطيعوا تأمين احتياجات منازلهم، ويعتمدون على العمل اليومي لتوفير لقمة عيشهم، فمثلاً والدي يعمل في الصيانة في إحدى مدارس المنطقة، ومنذ اندلاع الحرب على المناطق الحدودية توقفت كل الأشغال. لكن استطعنا كما غالبية الناس تدبّر وضعنا في الأيام الأولى، ولكن وصلنا إلى ما قبل آخر الشهر من دون مال". 

القلق وقلّة الحيلة

تعبّر فئة من سكان المناطق الحدودية عن قلقها تجاه توسع حالة الحرب واشتدادها أو حتى استمرارها، نظراً إلى الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية السيئة، فهم غير قادرين على تحمّل تداعيات الحرب، إلى جانب الخوف من تعرّضهم للمأساة والذل في حال تشريدهم، وفي بالهم تجارب الحروب السابقة التي شهدوها مراراً".

تم تأمين منازل بديلة بعيدة عن الحدود للعائلات القيادية والشخصيات المسؤولة في المنطقة، بينما استأجر البعض الآخر غرفاً بأسعار باهظة نظراً إلى قدرتهم المالية. لكن، ماذا عن الفئة المتروكة في جغرافيا الحروب بلا مقومات أساسية؟

يوضح أحد سكان مناطق العرقوب (45 سنةً)، ويعمل في الزراعة: "في الحالات الطبيعية، حتى من دون وجود حرب، يكون الأشخاص العاملون بشكل يومي مُتأثرين بوضعهم الجغرافي وموقعهم في القرى، حيث يُعانون في الصيف من نقص الفرص العملية وفي الشتاء يتوقف العمل تماماً بسبب الظروف الجوية." يضيف: "هذا الواقع يجعل هذه الشريحة من السكان أكثر تأثراً من غيرها، خاصةً غير المنتمين إلى أي من الجهات السياسية أو الحزبية، ما يضطرهم إلى مواجهة الحروب وتبعاتها بمفردهم". ويؤكد: "الفئة التي أتحدث عنها لا تجد الدعم والاهتمام إلا في أوقات الانتخابات، فحينها يصبحون محل اهتمام مؤقت".

ويُضيف بألم: "وطأة الاستغلال التي يعاني منها الأشخاص المتأثرون بالحرب مليئة بالقهر. ففي حرب تموز، تم تجاهل معاناة الكثيرين منا، خاصةً الذين لا يطلبون المساعدة أو يمدّون يدهم لأحد بسبب عزّة نفسهم، وقد تم التهاون بمأساتنا وخسائرنا، وأحياناً تم تسجيل أسمائنا من دون علمنا في قوائم المنظمات أو الأحزاب التي تدّعي تقديم الدعم في المناطق الحدودية، ومنهم من سرق واستفاد على حسابنا. واليوم، الوضع مُشابه والمشهد يتكرر، فهناك فئة تحصل على كافة أشكال الدعم لتحمّل الصعاب والصمود، بينما فئة أخرى تعيش في حالة من التشتت والقهر مع أطفالها، في انتظار عون الله وعوضه وتصرّ على الصمود والعيش بكرامتها".

كيف يبقون في أرضهم؟

في ظل التصاعد الخطير للأوضاع على الحدود والتهديدات المستمرة للمناطق الجنوبية، توضح زهراء وهي من سكان النبطية، أن "العديد من سكان المناطق البعيدة نسبياً عن الحدود قدموا مساكنهم بشكل مجاني أو بإيجارات معقولة للسكان الذين يعيشون بالقرب من الحدود"، وتُشير إلى أن بعض أصحاب الشقق في المناطق البعيدة عن الجنوب يعمدون إلى استغلال الوضع ورفع إيجارات الشقق، فصديقتي قررت مع عائلتها مغادرة المنطقة الجنوبية بسبب مخاوف من تفاقم الوضع، واستأجروا منزلاً في منطقة برمانا في المتن، بألف دولار أمريكي شهرياً". وتعلّق زهراء ساخرةً من صعوبة الوضع بأنه "هروب للأغنياء"، مُشيرةً إلى أنه "حتى الإقامة في منطقة النبطية ستكون مجرد حل مؤقت، نظراً إلى أن الخطر سيرتفع في حال توسعت الحرب، ما يُعرّض السكان للنزوح إلى أماكن أبعد، وسط تزايد استغلال أسعار الإيجارات".

بالنسبة إلى خطط الطوارئ في القرى، تشير ريمي أيوب، إلى أن تلك الخطط محدودة جداً، نظراً إلى عدم وجود أي جهة داعمة لإقامة خطط طوارئ للتعامل مع مختلف احتياجات السكان، سواء كانت طبيةً أو غذائيةً. ويظهر بعض السكان قلقهم وتخوفهم بشأن استعدادات مستشفى مرجعيون الحكومي، حيث يخشون أنه قد لا يكون مجهزاً بشكل كافٍ لاستقبال الجرحى ومعالجتهم، خاصةً في ظل نقص الكوادر والمستلزمات الطبية بسبب تدهور الأوضاع الاقتصادية، وإبداء العديد من الأصوات انتقاداً للرعاية الصحية في هذا المستشفى.

وفي هذا الصدد، تواصلنا مع رئيس مجلس الإدارة والمدير العام لمستشفى مرجعيون الحكومي، الدكتور مؤنس كلاكش، الذي أكد وجود خطة طوارئ صحية وتوفر مستلزمات طبية تكفي لمدة تتراوح بين ثلاثة أسابيع إلى شهر، ولكنه شدد على وجود نقص في الكوادر الطبية والتمريضية وحتى الإدارية نتيجة الأزمة الاقتصادية الحالية.

يقول: "المستلزمات الطبية والمساعدات تم تأمينها من خلال صندوق المستشفى الخاص، بالإضافة إلى مساهمات من قوات الأمم المتحدة الدولية والصليب الأحمر الدولي"، مؤكداً أن ما تقدّمه وزارة الصحة ضئيل جداً. أما بالنسبة إلى المستلزمات الطبية من الصليب الأحمر الدولي، فهي ما زالت متوفرةً في أمانات المستشفى، ولكن قد لا تكون كافيةً على المدى الطويل. وبالإضافة إلى ذلك، المستشفى بحاجة يومياً إلى تأمين المحروقات لتشغيل المولدات والمعدات الطبية، مشيراً إلى أن هناك تنسيقاً مع مستشفى حاصبيا، ولكن الإمكانات محدودة.

الخطط الطارئة

يؤكد قاسم الخطيب، نائب رئيس بلدية الهبارية، أنهم أعدّوا خطة طوارئ بالتعاون مع اتحاد بلديات العرقوب، عبر المحافظ ووزارة الداخلية، لكنه يشير إلى أن هناك تقصيراً كبيراً من قِبل الحكومة اللبنانية تجاه المنطقة: "لقد قمنا بزيارة لرئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي، الذي بدوره أرسل اللواء محمد خير، رئيس الهيئة العليا للإغاثة، للاطلاع على الوضع في المنطقة وأظهر الأخير بدوره استعداده لتقديم المساعدة بقدر الإمكانات بناءً على الإحصاء الذي سيُجرى في البلديات. وحالياً يتم إجراء تعداد للأشخاص الذين غادروا مناطقهم نتيجة الأوضاع الصعبة، والذين أصبحوا بلا عمل لمساعدة السكان على تخطّي هذه المرحلة الصعبة".

يُظهر بعض السكان قلقهم وتخوفهم بشأن استعدادات مستشفى مرجعيون الحكومي، حيث يخشون أنه قد لا يكون مجهزاً بشكل كافٍ لاستقبال الجرحى ومعالجتهم

ويضيف: "في الهبارية، هناك أيضاً أشخاص نزحوا من كفرشوبا وشبعا إلى بيوت أقاربهم، ويتم إجراء تعداد لهم لتقدير الموارد المتاحة لمحاولة مساعدتهم. لكن حتى اللحظة لا توجد أي خطة أو دعم ملموس وفعلي، بل تم التركيز على التعداد والإحصاءات فقط، "وقد شكلنا خليةً لإدارة الأزمة وتطوّع شباب مدنيون لحماية منازل الناس من السرقة خاصةً في ظل التهجير".

وبينما الطلبة في المناطق البعيدة عن الحدود الجنوبية يواصلون عامهم الدراسي، الوضع مختلف في المناطق الحدودية، حيث لا يستطيعون الحضور إلى مدارسهم. قبل يومين، قامت بعض المدارس والثانويات بفتح أبوابها من الساعة الثامنة صباحاً وحتى الساعة الثانية عشرة والنصف ظهراً، وأعلنت عن استقبال الطلبة، مع منح المسؤولية لأولياء الأمور لإرسال أولادهم، بالإضافة إلى استمرار الدروس عن بُعد.

ومع الارتفاع الحاد في تكاليف الإنترنت في لبنان، يبدو أن التعليم عبر الإنترنت لن يلبّي حقاً احتياجات الطلبة، خصوصاً في هذه الظروف الصعبة.

وكان وزير التربية عباس الحلبي، قد أصدر القرار رقم 27 في 17 تشرين الأول/ أكتوبر الماضي، الذي أكد على ضرورة استمرار المدارس والثانويات الخاصة والرسمية في تأمين التدريس للطلبة القادمين من المناطق الحدودية. وبالرغم من ذلك، ما زالت الأوضاع الأمنية غير مستقرة. وتقرّر أيضاً متابعة أوضاع أفراد الهيئات التعليمية في المدارس المقفلة، الذين غادروا أماكن إقامتهم والالتحاق بالمناطق التربوية التي نزحوا إليها، بهدف الانضمام إلى أقرب مدرسة لسكنهم المؤقت.

كذلك، تقرر تأمين تعليم الطلبة ومتابعتهم في المدارس الرسمية في أماكن إقامتهم المؤقتة، وذلك بعد إبلاغ المناطق التربوية، بهدف تسهيل الأمور في ظل الظروف الصعبة.

إنضمّ/ي إنضمّ/ي

رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

ما زلنا في عين العاصفة، والمعركة في أوجها

كيف تقاس العدالة في المجتمعات؟ أبقدرة الأفراد على التعبير عن أنفسهم/ نّ، وعيش حياتهم/ نّ بحريّةٍ مطلقة، والتماس السلامة والأمن من طيف الأذى والعقاب المجحف؟

للأسف، أوضاع حقوق الإنسان اليوم لا تزال متردّيةً في منطقتنا، إذ تُكرّس على مزاج من يعتلي سدّة الحكم. إلّا أنّ الأمر متروك لنا لإحداث فارق، ومراكمة وعينا لحقوقنا.

Website by WhiteBeard