شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

لنبدأ من هنا!
استهداف

استهداف "تُجّار" المخدرات "مُنسَّق مع النظام"... هل عاد الأسد لبيع "العرب" الأوهام؟

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

سياسة

الثلاثاء 9 مايو 202301:35 م

تحوّل الجنوب السوري خلال السنوات الخمس الماضية، إلى إحدى أهم مناطق تصنيع المخدرات وتهريبها وترويجها، خاصةً حبوب الكبتاغون في العالم، بعد سيطرة النظام السوري على محافظة درعا عقب تسوية تموز/ يوليو 2018، والعمل على تكريس وجوده في السويداء من خلال ميليشيا الدفاع الوطني، والأجهزة الأمنية وميليشيات التهريب في البادية، ما أدى لاحقاً إلى تهريب كميات هائلة من حبوب الكبتاغون إلى الأردن ودول الخليج، وهو ما يُعدّ أحد أهم موارد النظام والميليشيات الإيرانية المالية في ظل العقوبات الغربية.

وبحسب تحقيق نشرته مجلة دير شبيغل الألمانية، في حزيران/ يونيو 2022، "وصلت قيمة شحنات المخدرات التي يُصدّرها النظام إلى 5.7 مليارات دولار عام 2021، حسب بعض التقديرات، أي أعلى بكثير من قيمة شحنات المواد القانونية. وتوجهت بشكل كبير إلى الخليج، خصوصاً إلى دبي والسعودية، إذ يستهلك 40% من متعاطي المخدرات في السعودية هذه الحبوب".

لكن عملية التطبيع العربي مع نظام دمشق، والتي تسارعت وتيرتها مؤخراً، جعلت من صناعة المخدرات وتهريبها أحد المحاور الرئيسية لاستعادة النظام لعلاقاته، ولعودته إلى الجامعة العربية والتي تمت بموجب قرار وزراء الخارجية العرب يوم الأحد الماضي، وهو ما يعطي مؤشراً واضحاً على أن النظام قدّم بعض التنازلات في ملف المخدرات، من خلال تخلّيه عن بعض المواقع والأشخاص الذين أصبحوا وفقاً للعديد من المراقبين والناشطين في الجنوب السوري أوراقاً محروقةً وعبئاً على النظام و"لا ضير من تصفيتهم في ظل وجود آخرين بالمئات".

وصلت قيمة شحنات المخدرات التي يُصدّرها النظام إلى 5.7 مليارات دولار عام 2021، وتوجهت بشكل كبير إلى الخليج

صباح أمس الإثنين، شنّت طائرات حربية يُعتقد أنها أردنية، غارتين منفصلتين استهدفت الأولى أحد مواقع تصنيع حبوب الكبتاغون وتخزيتها في بلدة خراب الشحم إلى الغرب من مدينة درعا، وهي بلدة حدودية مع الأردن ويتبع موقع التصنيع فيها لميليشيا محلية تابعة للأمن العسكري، في حين استهدفت الغارة الثانية منزل أحد كبار مهربي المخدرات في منطقة الشعاب في بادية السويداء، مرعي رويشد الرمثان، ما أدى إلى مقتله ومقتل زوجته وستة من أبنائه.

العملية العسكرية تُعدّ الأولى من نوعها التي تُنفذها دولة عضوة في التحالف الدولي بشكل منفرد، داخل الأراضي السورية وتتعلق باستهداف المخدرات، في حين كانت تقتصر عمليات التحالف خلال السنوات الماضية على ملاحقة تنظيم داعش واستهداف مقارّه وعناصره، وهذا ما يدعو إلى طرح العديد من الأسئلة حول توقيت العملية وما بعدها، وعلاقتها بعودة سوريا إلى الجامعة العربية، ومدى جدوى هذه العمليات في إيقاف تهريب المخدرات وتجارتها أو الحد منهما.

العملية والتنسيق مع النظام

في مطلع الشهر الجاري، عُقد اجتماع لوزراء خارجية كل من الأردن وسوريا والعراق والسعودية ومصر، استكمالاً لاجتماعات تشاورية بشأن الأزمة السورية، وخلال الاجتماع طُرح موضوع تهريب المخدرات إلى الأردن ودول الخليج، حيث تعهّد ممثل النظام بعد الاجتماع بالتعاون مع الأردن لوقف هذه التجارة.

في السادس من الشهر الجاري أيضاً، قال وزير الخارجية الأردني، أيمن الصفدي، إن الأردن سيقوم بكل ما يلزم من أجل التصدي لمواجهة تهريب المخدرات عبر الحدود السورية، بما في ذلك القيام بعمل عسكري داخل سوريا للقضاء على ما وصفه بالتهديد الخطير.

يقول المحلل السياسي الأردني، الدكتور عامر السبايلة، في حديثه إلى رصيف22، إنه "حسب سياق العملية، فمن الممكن أنها تمت بتنسيق مع النظام السوري، وهو انعكاس للجهود الدبلوماسية الأخيرة وعودة سوريا إلى الجامعة العربية، وتالياً لا بد من أن تقدّم سوريا ضمانات ونقاطاً عمليةً في ملفات عدة أهمها ملف المخدرات الذي يهم دول المنطقة".

يضيف: "تنسيق العملية مع النظام، بالإضافة إلى الشخص المستهدف، مهرّب المخدرات، أعطيا إشارة مفادها أن الضربة قوية، ولكن ذلك سيتضح على المدى المتوسط لأن الأمر يتعلق بشبكات تهريب عميقة ومتجذرة وتعمل منذ سنوات".

من جهته، يوضح المحلل السياسي السوري، عقيل حسين، لرصيف22، أن "العملية تأتي كأول عملية عسكرية أردنية مستقلة من نوعها داخل الأراضي السورية، فالأردن لطالما كان جزءاً من التحالف الدولي في العديد من الدول، لكن أن يبادر منفرداً إلى استهداف أراضي دولة أخرى فهذا لم يحدث من قبل، وهذا مؤشر كبير جداً إلى مدى الضعف الذي باتت عليه الدولة السورية، أما أهميتها على المستوى السياسي ومسار التطبيع العربي، فهي تعطي مؤشراً على أن النظام يتفاعل بشكل مقبول مع الدول العربية وطروحاتها".

قانون الكبتاغون يؤرق النظام

يوم أمس الإثنين، وبعد ساعات من الغارات الجوية على الجنوب السوري، أعلن وزير الخارجية الأردني، أيمن الصفدي، أنّ الأردن اتفق مع النظام السوري على تشكيل "فريق أمني سياسي" لمواجهة موضوع خطر تهريب المخدرات، الذي يُعدّ تهديداً كبيراً للأردن والمنطقة.

العملية انعكاس للجهود الدبلوماسية الأخيرة وعودة سوريا إلى الجامعة العربية، وتالياً لا بد من أن تقدّم سوريا ضمانات ونقاطاً عمليةً في ملفات عدة أهمها ملف المخدرات، فهل هذا ما حصل؟

العملية التي تم تنفيذها هي الأولى ضد تهريب المخدرات، وبحسب السبايلة، فإنها "البداية فقط، فالجميع يعلمون أن قانون مكافحة الكبتاغون، الذي أقرّه الكونغرس الأمريكي سيكون قيد التطبيق قريباً، وتالياً فإن الولايات المتحدة ستكون قادرةً على تنفيذ عمليات داخل الأراضي السورية تستهدف فيها مصانع المخدرات ومهربيها ومروجيها وأماكن تخزينها، وهذه العملية قد تكون الطريقة الوحيدة التي يضع النظام السوري نفسه فيها خارج دائرة الاستهداف الأمريكي، باعتبار أنها عمليات بدأت مبكراً وبتنسيق مع الدول العربية".

من جهته، يعتقد حسين أن "النظام قد يتنازل في هذه المرحلة عن مواقع لتصنيع المخدرات وعن أشخاص عاملين فيها لتجنب نتائج قانون مكافحة الكبتاغون، فهو يشعر فعلاً بخطورة القانون ويأمل ألا يتم تطبيقه على مؤسسات الدولة التي يهيمن عليها، وأن تعمل إدارة الرئيس الأمريكي، جو بايدن، على تطبيق القانون على الأشخاص والأفراد الذين سيتهمهم النظام بالمسؤولية عن صناعة المخدرات وتهريبها، وهو ما سيجنّبه مزيداً من الضغوط الشاملة التي يتعرض لها".

عملية لبناء الثقة

تشير المعطيات خلال الأيام الأخيرة، إلى وجود توافق بين النظام السوري والدول العربية حول المبادرة الأردنية التي سبق أن أعلن عنها الأردن منذ العام 2021، والتي تقوم على دور عربي مباشر ينخرط مع النظام السوري في حوار سياسي، بهدف حل الأزمة ومعالجة تداعياتها الإنسانية والأمنية والسياسية.

المبادرة التي تم نقاشها في اجتماع وزراء الدول العربية الخمس في عمّان، والتي تم نقاشها في اجتماع الجامعة العربية على مستوى وزراء الخارجية والذي أقرّ رفع تعليق عضوية سوريا في الجامعة، تنص في أحد بنودها على مكافحة المخدرات القادمة من سوريا.

من هنا، فإن العملية الجوية التي استهدفت الجنوب السوري تأتي في هذا الإطار بحسب السبايلة، الذي يرى أن "العملية في هذه المرحلة، هي أقرب إلى فكرة ترتيب عودة سوريا إلى الجامعة العربية، والمواقف السورية تخدم أو تسوّق أهمية عودتها إلى الجامعة، وهو ما يؤدي إلى فكرة بناء الثقة مع الدول الأخرى، وتالياً فإنها أقرب إلى تنسيق الرغبة السورية في مواجهة ظاهرة المخدرات وإظهارها، دعماً للدول العربية.

وفي السياق نفسه، يعتقد حسين، أنه "قد تكون لدى النظام السوري رغبة في بناء الثقة بالفعل مع الدول العربية، فهو بحاجة ماسة إليها، وربما يذهب إلى أبعد من ذلك في هذه الطريق، من خلال تبادل المعلومات الأمنية بالفعل مع الدول العربية، وهذا شرط من شروط الدول العربية بخصوص تصنيع المخدرات وتهريبها".

ويضيف أن "ما يقوم به النظام في مجال مكافحة المخدرات سيمنحه نقاطاً إيجابيةً لدى الدول العربية، وهذا سيسرّع الخطوات المقابلة التي يُفترض أن تقدمها هذه الدول له وفي مقدمتها منحه المزيد من الشرعية، وتطبيع المزيد من الدول معه، وفتح أبواب إضافية أمامه في المحافل الدولية، بالإضافة إلى تقديم المساعدات المالية".

هناك توافق بين النظام السوري والدول العربية حول المبادرة الأردنية التي سبق أن أعلن عنها الأردن منذ العام 2021

هل يكفي الحل العسكري؟

على أرض الواقع، هناك العديد من الصعوبات أمام وقف تصنيع الكبتاغون وتهربيه من سوريا، إذ لا يمكن أن يكون الحل العسكري قادراً على إنهائها، لأن هناك عاملين أيضاً يصعّبان مواجهة انتشار حبوب الكبتاغون؛ الأول يتعلق بتتبع أنماط صناعتها وتهريبها واستهلاكها ويكمن في تحديد المركب الطليعي، إذ يعمل القائمون على صناعته على تعديل تركيبته الكيميائية باستمرار.

أما العامل الثاني، بحسب حديث سابق للباحث كرم الشعار لرصيف22، فيكمن في أن الكبتاغون سهل التصنيع بطبيعته، وهذا الأمر خلق شبكات عدة في سوريا، وتتم إدارتها بشكل لا مركزي، وبموافقة من رأس النظام السوري، لكن هذه الشبكات مشتتة وتتضارب مصالحها أحياناً، ما يؤدي إلى صدامات واشتباكات عسكرية بين الأطراف المسؤولة عن التصنيع، وهذه اللا مركزية في تصنيع الكبتاغون تجعل ضبط إنتاجه أو إيقافه في حال كانت هناك نية لذلك لدى السلطات، أمراً صعباً جداً".

في هذا السياق، يرى الخبير الاقتصادي، الدكتور يحيى السيد عمر، في حديثه إلى رصيف22، أن "العمليات العسكرية والأمنية عنصر مهم ورئيس في مكافحة التجارة المنظمة للمخدرات، فغالبية الدول التي تكافح هذه الظاهرة تعتمد على ملاحقات أمنية للمتورطين، وللشبكات الداعمة، لكن العمل العسكري والأمني يشكل عنصراً من عناصر المعالجة، إذ لا بد من وجود إجراءات تشريعية داعمة، وحملات توعية، ومكافحة اقتصادية وضبط للحدود، والأهم من ذلك كله وجود نية حكومية لمعالجة هذه المشكلة".

ويضيف أن "العمل العسكري والأمني يُعدّ فعّالاً في حال كانت تجارة المخدرات تتم من قبل جهات خارجة عن سلطة الدولة، ولكن في حال كان الأمر يتم بإشراف مباشر أو غير مباشر من الحكومة فضد من سيكون العمل العسكري"، في إشارة منه إلى دعم النظام السوري لتجارة المخدرات في سوريا.

ويوضح أنه في حالات عديدة لا تقوم الحكومات بالتعامل مع المخدرات بشكل مباشر، ولكن بشكل غير مباشر، من خلال إطلاق يد بعض الأشخاص وتقديم التسهيلات المادية والأمنية لهم، ولكن لاحقاً قد يخرج هؤلاء من سلطة الحكومة وتصبح السيطرة عليهم صعبةً، وهنا يصبح العمل العسكري والأمني ضرورةً.

أما في ما يتعلق بدور الحرب الاقتصادية في معالجة مشكلة المخدرات، فـ"هو دور مهم، لكنه عنصر من عناصر المعالجة، ولا بد أن يترافق مع جهود في قطاعات أخرى، والقضاء على تجارة المخدرات عن طريق إيقاف توريدات المواد الأولية، مهم، لكن ليس بالضرورة أن تكون الدولة دولة إنتاج، فقد تكون دولة عبور أو دولة هدف، فموقع الدولة من سلسلة تجارة المخدرات يحدد شكل المعالجة وأسلوبها، فما يصلح لدولة الإنتاج لا يصلح لدولة العبور"، بحسب السيد عمر.

ماذا بعد؟

حتى الآن عملية واحدة فقط، لكن هناك مؤشرات توحي بأنها البداية فحسب، لكن السؤال الكبير بحسب عقيل حسين هو: هل يمكن مشاهدة عمليات مثل هذه تستهدف مراكز صناعة المخدرات التابعة لإيران في سوريا بشكل مباشر خلال المرحلة القادمة، إذ إن عملية أمس استهدفت مهرّباً سورياً، والسوريون هم ممن يعملون في هذه التجارة، وليسوا منتجيها؟

النظام السوري مستفيد من هذه التجارة، وهي أحد أهم مصادر الدخل لديه، وتالياً هو العقبة الحقيقية في وجه الحد منها، بالإضافة طبعاً إلى حزب الله، فما الذي يستطيع العرب تقديمه في المقابل؟

من الواضح أن هناك بنك أهداف بحسب المعطيات على الأرض للعديد من الأشخاص العاملين في تهريب المخدرات وتصنيعها في الجنوب السوري، فهناك من وردت أسماؤهم مؤخراً على لائحة العقوبات الأمريكية والأوروبية، ومنهم مصطفى الكسم المسالمة وعماد أبو زريق وراجي فلحوط، وهم قادة ميليشيات محلية تابعة للأمن العسكري في درعا، ووسيم المسالمة وهو قائد لواء 313 التابع للحرس الثوري ورئيس جمعية البستان في درعا.

وكان الشعار، قد قال في وقت سابق إنه "في حال التفكير في الحد من انتشار الكبتاغون، فلا بد من العمل على سلاسل الإنتاج والتوريد كاملةً، وليس على مرحلة واحدة فقط، فمن غير المجدي أن يتم التعامل مع نقاط التصنيع فقط، لأن هذه الشبكة اللا مركزية متفرعة جداً، وتالياً يمكنها أن تعمل حتى من أي منطقة ويمكن أن تجد أي نقطة للتهريب".

و"عليه، فالمطلوب أن تكون هناك تحركات منسقة بين الأطراف الفاعلة، سواء داخل سوريا أو خارجها، لمكافحة السلسلة كاملةً من مرحلة التصنيع وصولاً إلى مرحلة الاستهلاك، وهنا لا بد من الاصطدام بالحقيقة، وهي أن النظام السوري مستفيد من هذه التجارة، وهي أحد أهم مصادر الدخل لديه، وتالياً هو العقبة الحقيقية في وجه الحد من هذه التجارة، بالإضافة طبعاً إلى حزب الله"، يختم الشعار.

إنضمّ/ي إنضمّ/ي

رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

Website by WhiteBeard