شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

غيّروا، لا تتأقلموا!
قيس سعيّد واقفاً على أطلال حقل

قيس سعيّد واقفاً على أطلال حقل "البوري" النفطي الليبي

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

سياسة

الأربعاء 5 أبريل 202303:37 م

يبدو أن الرئيس قيس سعيّد، في وضعية لا يُحسد عليها. فحديثه مؤخراً عن حقّ تونس في تقاسم حقل البوري النفطي مع ليبيا، قد يعمّق عزلته الداخلية، ويعزّز حظوظ الرافضين له، بشحذ العزائم ضدّه. وليس مستبعداً أن تكون لهذه التصريحات تداعيات على عصب سياسته الخارجية التي تعاني أصلاً من علّة الرعاش الديبلوماسي.

"تونس لم تحصل سوى على الفتات"

بالعودة إلى فحوى تصريحاته، وخلال زيارته للمؤسسة التونسية للأنشطة البترولية، في 16 آذار/ مارس 2023، قال الرئيس قيس سعيّد، إن "تونس لم تحصل سوى على الفتات القليل من حقل البوري"، وأشار إلى أن النية كانت تتجه عام 1975، إلى تقاسم هذا الحقل مناصفةً بين البلدين باقتراح من وزير الخارجية الليبي آنذاك، علي عبد السلام التريكي.

إلا أن تعمّد ليبيا سنة 1977، حسب التصريح الرئاسي، فرض شركة أمريكية كانت مهددةً بالإفلاس، على الحقل، والسماح لها بوضع منصتها لاستخراج النفط، وتّر العلاقات التونسية-الليبية، وتالياً تم العدول عن مقترح القسمة.

"تونس لم تحصل سوى على الفتات القليل من حقل البوري"، تصريح للرئيس سعيّد بخصوص الحقل النفطي أثارت غضبا في أوساط المسؤولين الليبيين، وأعادت قصة النزاع حول ملكيته، الذي حُسم لصالح ليبيا، إلى الواجهة

في محاولة لإيجاد أرضية للتفاهم، تقدّم أمين عام جامعة الدول العربية محمود رياض، في تلك الحقبة، لتولّي دور الوساطة، وتم الاتفاق على عرض القضية أمام محكمة العدل الدولية التي حسمت الحكم لصالح الطرف الليبي، وهو ما عزاه سعيّد إلى عدم اعتماد المحكمة للمقاييس التي كانت تعتمدها سابقاً بالنسبة إلى تحديد الجرف القاري، بل اعتمدت مقاييس أخرى من بينها الاتفاق الضمني بين تونس وليبيا.

الجرف القاري الليبي

يحدّد الخبير النفطي والمستشار حالياً في إحدى الشركات التابعة للمؤسسة الوطنية الليبية للنفط نجيب الأثرم، الموقع الجغرافي للبوري النفطي، قائلاً إنه "تم اكتشاف هذا الحقل الواقع في البحر المتوسط على بُعد نحو 130 كيلومتراً شمال الساحل الليبي عام 1976، وبدأت عمليات الإنتاج فعلياً منه عام 1988، ويحوي 39 بئراً، ويشغّل أكثر من 90 في المئة من العمالة الليبية".

يضيف الخبير في حديثه إلى رصيف22، أن شركتَي مليتة للنفط والغاز، و"إيني" الإيطالية، تتوليان اليوم مهمّة إدارة الحقل الذي تُقدَّر كميات إنتاجه بنحو 23.5 ألف برميل نفط يومياً، "وهو من الحقول التي تعتمد عليها ليبيا خلال الأزمات التي تشهد غالباً توقّفاً في عمليات الإنتاج في الحقول البرية من قبل الميليشيات".

وفي سبعينيات القرن الماضي (1978)، رفع الزعيم الراحل الحبيب بورقيبة، قضيةً أمام محكمة لاهاي الدولية، طالب فيها بأحقية تونس بهذا الحقل بعدما رفض مقترح نظيره الراحل معمّر القذافي الذي كان يفضّل تقاسم ثروات الجرف القاري دون الذهاب إلى المحاكم الدولية. وبعد مضي خمس سنوات، أصدرت المحكمة قراراً جرّدت فيه تونس من أي نصيب، مقابل التأكيد على السيادة الكاملة لليبيا على الجرف القاري، وهو ما لم تقبله تونس طبعاً. وكردّ فعل على الأمر، تقدّمت تونس بطلب لمحكمة العدل الدولية لإعادة النظر في الحكم بهدف تعديله. ولكن في 10 كانون الأول/ ديسمبر 1985، صدر حكم نهائي يقضي برفض الدعوى القضائية، وتقبّلت تونس الحكم للمرّة الثانية.

لماذا خسرت تونس المعركة؟

عن أسباب خسارة تونس للقضية، قال الخبير التونسي في مجال الطاقة والبترول والطاقات مصطفى العيساوي، في تدوينة له، إن اللجنة التي ترأسها العميد الصادق بلعيد، والديبلوماسي نجيب البوزيري، اختارت أن تستند في دفاعها إلى التاريخ والجيومورفولوجيا والحقوق التونسية في صيد الإسفنج، فيما اعتمدت الجماهيرية الليبية على الجيولوجيا وتحرّك الطبقات الأرضية، وهي مبررات رأت المحكمة أنها عقلانية وقضت بالحكم لفائدة ليبيا.

ويضيف العيساوي، أن هذا الحكم قد أثار حفيظة العميد آنذاك، واتهم رؤساء المحكمة بالانحياز والعمل لفائدة بلدان لها مصالح إستراتيجية وسياسية واقتصادية في ليبيا.

في سبعينيات القرن الماضي (1978)، رفع الزعيم الراحل الحبيب بورقيبة، قضيةً أمام محكمة لاهاي الدولية، طالب فيها بأحقية تونس بهذا الحقل، ورأت المحكمة أن الحقل ليبي خالص

وعلى إثر هذا الحدث، علّقت صحيفة لوموند الفرنسية، يوم 25 شباط/ فبراير 1982، بأنه "لا ينازع أحد في أن وزن النفط الليبي أثقل بكثير من الإسفنجات التونسية".

"عند خسارة القضية، تصدّق علينا المرحوم معمر القذافي، بفتح الحدود سنة 1982، ليتولى ثلث سكان تونس العمل في تهريب كل شيء من ليبيا بما في ذلك المواد الغذائية المدعومة بعائدات البترول الليبي".

"ولاحقاً، اتفق القذافي مع الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي، سنة 1988، على إنشاء الشركة المشتركة التونسية الليبية لاستغلال الجرف Joint oil. Co بفرعيها في جربة وطرابلس، ولكن منذ 2011، لا أحد يعلم شيئاً عن مواردها ومداخيلها من تسويق منتجات حقل البوري المشترك بناءً على الاتفاق المذكور"، على حد تعبيره.

أزمة محتملة... ولكن

انهالت ردود فعل المسؤولين الليبيين لتؤكد أن المساس بالثروات الليبية "غير مقبول تحت أي مبرّر كان". وخرج وزير النفط الليبي محمد عون، ليشكك في مقاصد رئيس تونس، واعتقد أنه ربما يقصد بكلامه القطعة البحرية المشتركة بين تونس وليبيا التي تتولى تسييرها شركة مشتركة بين البلدين منذ 1988.

بدوره، قال رئيس لجنة الطاقة في مجلس النواب الليبي، عيسى العريبي، إن اللجنة تبحث في تصريحات الرئاسة التونسية للردّ عليها بشكل رسمي، علماً أنه لم يصدر أي ردّ لا من برلمان طبرق، ولا من أي جهة رسمية أخرى مثل حكومة الوحدة الوطنية، أو حتى بيان رسمي يرافق تصريحات وزير النفط، وهو ما فسّره الباحث التونسي بشير الجويني، بعدم اكتراث الطرف الليبي نظراً إلى حسم الصراع القضائي منذ عقود.

أثارت تصريحات سعيّد بخصوص حقل البوري النفطي الليبي تساؤلات وانتقادات في أوساط مسؤولين وسياسيين ليبيين

كما دوّن عضو المجلس الأعلى للدولة إبراهيم صهد، ما مفاده أن تلك التصريحات ليست سوى تطاول على السيادة الليبية وحقوقها. ودعا كلّاً من رئيس المجلس الرئاسي ورئيس الوزراء ووزارة الدفاع ووزارة الخارجية، إلى اتخاذ الإجراءات اللازمة للحفاظ على المياه الإقليمية والاقتصادية الخالصة.

من جانبها، لفتت الهيئة الوطنية لمشايخ وأعيان ليبيا، في بيان، إلى أنه كان الأولى بالرئيس سعيّد أن يكون أكثر حرصاً على ديمومة العلاقات الأخوية بين الشعبين، ودعت وسائل الإعلام المختلفة ورواد مواقع التواصل الاجتماعي إلى تحرّي الحقيقة وعدم الانجرار وراء التهريج والأكاذيب التي من شأنها زرع بذور الفتنة والفرقة بين أبناء الشعب الواحد في ليبيا وتونس.

قيس سعيّد... عودٌ على بدء

برغم ازدياد الأزمات المركّبة التي تضرب تونس بحدّة، فإن عودة الرئيس سعيّد، بسيلٍ من التصريحات أو المونولوغات التي جمعها في مقطع فيديو مسجل تمّ تنزيله على صفحة رئاسة الجمهورية، ونبشه قضية حقل البوري النفطي، أثارا موجةً من الأسف في صفوف المحللين التونسيين، والانزعاج لدى نظرائهم الليبيين، خاصةً أنه أستاذ قانون وله دراية عميقة ومستوى فهم تشريعي عالٍ لشرح هكذا قضايا.

وفي مؤشر على انعطاف الشعبوية القيسويّة من داخل تونس إلى خارجها، يبدو أن الرئيس سعيّد، لم يكتفِ بتصريحاته إزاء المغرب والجزائر ودول جنوب الصحراء الإفريقية، إذ وصل الأمر إلى ليبيا، التي قدّمت حكومة وحدتها في طرابلس مساعدات اقتصاديةً مهمةً لتونس لمساعدتها على الخروج من أزمتها الاقتصادية الخانقة.

وعبّر المحلل والصحافي التونسي صغير الحيدري، لرصيف22، عن أسفه لما يقوم به الرئيس من نبش في التاريخ، مستبعداً أن تكون هناك أي تداعيات سلبية على عمق العلاقات بين البلدين في المستقبل القريب على الأقل، ويمكن لخطوة في هذا التوقيت أن تضرب صورته لدى الناس، كما أنها ستطلق ألسنة قادة المعارضة.

وأضاف محدثنا، أن أي تصريحات غير مسؤولة في سياق جيو-إستراتيجي متقلب، قد تفاقم من عزلة تونس الإقليمية والخارجية، وتفقدها ثقة شركائها التقليديين على غرار الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة.

كما تساءل المستشار والباحث الليبي في المركز الإسباني للدراسات الإستراتيجية طارق إبراهيم، عن الأسباب التي دفعت بقيس سعيّد لإثارة الموضوع في هذا التوقيت بالذات وبهذه الكيفية؟ ومن المستفيد الأكبر من ورائها؟

ووصف المستشار طارق، لرصيف22، تصريحات رئيس تونس بالملغومة، وقال إنها ليست سوى رسالة ضمنية موجّهة بالأساس من شركة توتال الفرنسية إلى شركة إيني الإيطالية على اعتبار أن الخلاف فرنسي إيطالي بحت، ولا علاقة لتونس أو ليبيا به.

من جانبه، رأى الخبير النفطي نجيب الأثرم، أن تصريحات الرئيس جاءت كغطاء لمواراة صعوبة الظروف الاقتصادية، وربما هي أيضاً محاولة لاستغلال الانقسام السياسي في ليبيا للحصول على أي مكسب تحت أي مبررات، وفق قوله. وهو ما أيّده الباحث التونسي في العلاقات الدولية بشير الجويني، الذي رأى في حديثه إلى رصيف22، أن حقل البوري لن يكون له أي تأثير على المعادلة الطاقية في تونس المرتبطة أساساً بتصنيفها الائتماني المتدني الذي خلّف مشكلات كبيرةً في قدرة تونس في النفاذ إلى التمويلات الدولية، وعرقل استقلالية تونس في المجال الطاقي.

وعليه، أخطأ الرئيس سعيّد، بفتح ملف الجرف القاري بطريقة رأتها الغالبية مستفزةً، وتتنافى مع القانون الدولي، بقدر ما أخطأ الأشقاء الليبيون بالتصعيد الذي لن يضرّ سوى بالشركات التونسية في ليبيا التي تقوم بتنفيذ أغلب المشاريع المتعلقة بالبنى التحتية للقطاع النفطي الليبي. وفي المقابل، تعتمد ليبيا على استيراد المنتجات الزراعية والغذائية من تونس، فضلاً عن السياحة العلاجية، مثلما أوضح المستشار الليبي نجيب الأثرم، لرصيف22، وقد استبعد بدوره، أن تكون هناك أي تداعيات على العلاقات الثنائية خاصةً أن هناك استكشافات عديدةً ستُنجز قريباً بين الجارتين. 

إنضمّ/ي إنضمّ/ي
WhatsApp Channel WhatsApp Channel


رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

Website by WhiteBeard