شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

قدّم/ ي دعمك!
عن قلبي الذي يجول في شوارع سوريا مغمَّساً بالملح!

عن قلبي الذي يجول في شوارع سوريا مغمَّساً بالملح!

مدونة نحن والحقوق الأساسية

الاثنين 13 مارس 202301:01 م

إذاً، لم يزل الخطر قائماً. ثمة هزات جديدة كل يوم. بعد السادس من شباط/ فبراير الماضي، ليس كما قبله. التنبيهات المتعلقة بالزلازل، باتت تستقبلها أجهزتنا عشرات المرات عبر تطبيقات نستخدمها لأول مرة في حياتنا. من شدة اللهفة، نسينا كيف نكتب أسماء أهالينا وأصدقائنا لنتصل بهم. شبكة الإنترنت مقطوعة والاتصالات ضعيفة... غير مهم، عليهم أن يجيبوا على المكالمات حتى لو لم يتكلموا. نريد أن نطمئن بأنهم أحياء، يا للهول!

لقد جرّبت شعوراً مرعباً بأني خسرت الجميع في البلاد. أجزم بأن كل مغترب سوري جرَّبه، مهاجرين وعمّالاً ولاجئين ومهجَّرين وطلاباً. على الرغم من وجود رغبة تفيد بأننا لم نرِد البقاء، لكن حقاً كان شعور خسارة الجميع يفوق "نشوة" السفر. فجأةً يتبدل الشعور. أنت لم تخسرهم لا! بل أصبحوا تحت رعايتك وصرت -لا شعورياً- مسؤولاً عن سلامتهم في رحلة رعب بدأت أولى فصولها بعد أن قرأتَ اسم بلادك في خبر عاجل لوكالة أخبار عالمية يبدأ بكلمة "زلزال."

في الغربة، تتحسس اسم بلادك بشيء من الأبوّة أو الأمومة. لا يهم كم هو عمرك الآن، ولا كمية الهرمونات التي تزداد نسبتها أو تنخفض. أنت أبٌ أو أمٌّ لطفلة في إحدى المناطق المنكوبة تحتاج إلى الحليب والحفاضات، والرعاية والأمان، وبيتاً دافئاً وكهرباء لترسم حلمها على كفّها ثم تغفو، من دون أن تقطع سَكينتها هزات أرضية جديدة أو قصف وتفجيرات.

كان علينا ألا نكون مع أشخاص غرباء عن أرواحنا في أشد الأوقات قهراً، ونحن على يقين بأننا لا نملك إلا أن نهوِّن الطريق على بعضنا. مَن فتح مستودع الجبن للفأر؟ الفئران في جوع لا ينقطع! هل رأيتم غربةً توقفت يوماً عن تلقّف المسافرين! تمسكهم بقمصانهم وتسحبهم على مهل، وفجأةً تباغتهم وتتحول إلى غول عظيم يبتلعهم، ثم يبصقهم أمام شاشات يلتصقون بها على مدار اليوم متتبعين أخبار البلاد.

في الغربة، تتحسس اسم بلادك بشيء من الأبوّة أو الأمومة. لا يهم كم هو عمرك الآن. أنت أبٌ أو أمٌّ لطفلة في إحدى المناطق المنكوبة تحتاج إلى الحليب والحفاضات

كيف أشرح لصديق من بلاد بعيدة أن قلبي يتأثر بالقمر أيضاً. ينحسر ويعود ليرتطم بالصخر كما الموج عند شواطئ اللاذقية، ثم يجول في الشوارع مغمّساً بالملح يتفقد الهاربين من تحت سقوف منازلهم، ويوزّع عناقاً على كل جدران الحي التي حفرتُ عليها في مراهقتي اسمي مع عبارة محمود درويش: "ولنا أحلامنا الصغرى كأن نصحو من النوم معافين من الخيبة، لم نحلم بأشياء عصية، نحن أحياء وللحلم بقية". كيف أوضِّح للبروفسور في الجامعة، أن البيانات التي طلبها مني باتت كلها قراءات على مقياس ريختر تتوزع بإشارات حمراء على أسماء المدن والبلدات بين تركيا وسوريا؟

أي فتاة جميلة من الشرق الأقصى، ستتفهم أن لا مجال لسحر كل جيناتها السمراء أمام فتاة في باب توما تضحك وتملكُ القلب كله؟ كان قلبي يَميلُ مع كل انعطافة في الأزقّة هناك، ويتسَّع صدري كلما ضاق الطريق. باب توما وحده يعرف سرّ عشقي ويحفظه جيّداً. تمشي من أوّله حتى تصل إلى القيمرية حيث الأبنية المثبّتة بعواميد خشبية عتيقة... هل انهارت على الضحكات والذكريات؟

تخيّلوا أن هناك مدينةً لقبها "الخضراء"، لكنها في الحقيقة صارت عنواناً لألوان أخرى، اختر لها ما شئت فهي لا تزال خضراء في قاموسي. كيف سأحكي قصة إدلب لأشخاص لا يعرفون كل بلادي على الخريطة؟ بماذا سأبرر لحبّة الزيتون أنّي افتخر بها لكنها مثلي الآن وحيدة، قد تسقط في أي لحظة من دون أن يلتقطها أهلها المنكوبون؟

كيف الحال يا حماه؟ لم أقرأ خبراً قصيراً عن نواعيرك. كنت قد جهّزت عرضاً في إحدى فعاليات الجامعة الثقافية لأقُصّ عليهم حكاية رحلة الماء من شواطئ العاصي إلى البساتين. هل ما يسمعونه حقاً هو صوتك أم صوت الأرض عند تحرّك طبقاتها معلنةً هزةً أرضيةً جديدةً! هل تصدّع قلب أبي الفداء، أم أنّه لا يزال يؤرخ كل ما يحصل على حبات الفستق الحلبي في ريفكِ؟

مرحباً يا حلب -إيه يا خيتو- حبيبتي يا حلب، أعلم أنك عاتبة على كل سوري سافر قبل أن يجرِّب التقاط صورة أمام أسوار قلعتك، لكن قلوبنا معلقة بقمركِ! الطفلة الناجية من الزلزال في حي ميسلون، لقّبوها بـ"قمر حلب" لشدة جمالها. حفظتُ كلماتها في المقابلات الصحافية عن ظهر قلب، ولهفتها على حقيبتها المدرسية التي بقيت في البناء الآيل إلى السقوط. كان من حق صفائح الأرض أن تخجل أمامها وتستقر إلى حين خاطرَ والدها بإحضارها قبل أن يتهدم البناء بما فيه.

معتمة كل البلدان وحارّة مهما اقتربت من خط الاستواء أو بعدت، ومُرَّة كل الأطباق، وسخيفة كل النكات، وعاقرة كل اللغات حين لا تجد فيها سوريّاً تتحدث معه

السوريون البعيدون يمنحون الوحدة أبعاداً جديدةً وفهماً خاصاً، إذ لا سلاماً حقيقياً معها كما أخبرونا في كتب الشعراء وفلسفات المفكرين ومذاهب الأديان. أطلب في خلوتي مع ربّي الآن أن أكون مع سوريّ، أي سوريّ أستطيع مشاركته هواجسي وكتاباتي، أحلامي ومخاوفي، أشاركه أحاديث لا تنتهي نعلم أننا سنكررها غداً لكننا سنضحك أو نبكي مجدداً.

معتمة كل البلدان وحارّة مهما اقتربت من خط الاستواء أو بعدت، ومُرَّة كل الأطباق، وسخيفة كل النكات، وعاقرة كل اللغات حين لا تجد فيها سوريّاً تتحدث معه. هي حقّاً أشياء لا تُشتَرى، ولا تُطلَب أو يُسأَل عنها، ولا تُرتَّب لها المواعيد. بلادنا التي غرس القدر بذرتها في أحداقنا، بالله عليكم ألا تقرأونها في كل خبر؟ ألا ترونها في كل منام؟ ألا تستيقظون من نومكم لتتفقدوها؟ قد يقول واحد في سرّه "لا"، وهو اليوم ينتظر رسالةً من أهله ليرتاح باله بعد أن توقف الزمن عند الساعة الرابعة وثلث فجراً من ذلك اليوم.

وأنتَ بعيد عن بلادك في الوقت الذي وُصفت فيه بالمنكوبة، لا وقت للمجاز في كتاباتك أو موسيقاك ولو فهِمه البعض كذلك، إذ لا مجاز في مقطوعة نينوى عندما تغصُّ في دقائقها الأولى كمن يرثي لكَ ذكرى، لا مجاز في كلماتي هذه التي تحكي قصة سوريين يجرّبون كل صلوات الأرض لينجو ما تبقّى من ضحكاتهم القديمة على أسطح المنازل في سهرات الصيف، وطرقات مشوها مع أحبّة هم اليوم يفترشون الحدائق والساحات في محاولات للاستمرار في الرد على اتصالاتنا حين نستقبل إشعاراً بحدوث هزة جديدة، لتطمئن قلوبنا.

إنضمّ/ي إنضمّ/ي

رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.



* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

ما زلنا في عين العاصفة، والمعركة في أوجها

كيف تقاس العدالة في المجتمعات؟ أبقدرة الأفراد على التعبير عن أنفسهم/ نّ، وعيش حياتهم/ نّ بحريّةٍ مطلقة، والتماس السلامة والأمن من طيف الأذى والعقاب المجحف؟

للأسف، أوضاع حقوق الإنسان اليوم لا تزال متردّيةً في منطقتنا، إذ تُكرّس على مزاج من يعتلي سدّة الحكم. إلّا أنّ الأمر متروك لنا لإحداث فارق، ومراكمة وعينا لحقوقنا.

Website by WhiteBeard