شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

اترك/ ي بصمَتك!

"روزي اللحّامة" والنسوية الخارجة للتوّ من عيادة التجميل

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

رأي نحن والنساء

الخميس 9 مارس 202308:22 ص

"قمطة" حمراء منقطة بالأبيض، وزرة العمل الزرقاء، رموش طويلة وحواجب متقنة وحمرة شفاه واضحة والبشرة النقية دون أثر للتعرّق أو أي "ديفو"، وعلى خلفية صفراء زاهية مع نظرة الإصرار والتحدي، دون أن ننسى الغنج الأنثوي المعتاد، ثم جملة "نستطيع فعل ذلك". أصبح هذا الملصق والشخصية التي تضمّه "روزي اللحّامة"، أيقونة النضال النسوي في العالم، حيث طالعتنا هذه الصورة في كل مكان، في موجات النضال النسوي المتجدّد في الولايات المتحدة الأميركية، حيث نشأ الملصق، في مظاهرات MeeToo# 2018 في فرنسا، لمجابهة العنف الجنسي الموجّه ضد النساء في أثيوبيا، ومؤخراً في إيران، ضد "شرطة الأخلاق" والأوليغارشية الحاكمة... فما هي قصة هذا الملصق وهل كانت غايته دائماً حقوق المرأة فعلاً؟

لا يجوز أن يكون هناك نسوية عنصرية ولا نسوية إسلامية أو مسيحية، ولا نسوية لديها فوبيا المهاجرين

منعاً للتغيبات ومكافحة الإضراب

في العام 1942، تم تكليف الفنان الأميركي هوارد ميلر من قبل شركة أميركية تدعىWestinghouse Electric Manufacturing Company لتصميم ملصق بهدف مكافحة التغيّب عن العمل من قبل العاملات، ووقف الإضرابات التي تدعمها النقابات العمالية في تلك الآونة. لم يلق الملصق رواجاً كبيراً وهو ما استدعى إزالته بعد أسبوعين فقط من تعليقه.


لكن الشركات الأميركية، وخصوصاً شركات السلاح والبناء، في تلك الآونة كانت قد اكتشفت، تحت تأثير الحاجة ليد عاملة في ظل انغماس الجيش الأميركي في الحرب ضد النازية، الكنز الفعلي الكامن: يد عاملة نسائية، تحتاج العمل من أجل القوت اليومي بغياب معيليها، فأقيمت العديد من الحملات الصحفية والدعائية، أين منها حملات غوبلز النازي بسيط الفهم، وبرطانة "نسوية" مطلوبة لحثّ النساء على العمل، وإقناع النساء بالانخراط تماماً في سوق العمل، خصوصاً العمل الذي يحتاج لقوة بدنية وجهد، مثل لحام المعادن ورفع الحمولات الثقيلة، بدلاً من الاكتفاء بالأعمال المصنّفة على أنها "أعمال نسائية" بحتة، كالتمريض والتعليم وصناعة النسيج.

إن النسوية دون صراع طبقي هي مجرّد تدريب على شغل الكروشيه في المطبخ، ووجود "نسوية رأسمالية" تشبه أن نقرّب أفعى من وجهنا ونطلب منها أن تعصر البثرات

تمّ طباعة العديد من الملصقات التي تدعو النساء لـ"فعل ذلك" تحت شعار: "إذا كنت تستطيعين تشغيل الخلاط الكهربائي، فأنت تستطيعين تشغيل المثقب المعدني"، كما استخدمت الشخصية نفسها في ملصقات عديدة ضمن نفس الإطار، حيث تقوم "روزي اللحّامة" بهزيمة النازية بمفردها، وبتأثير من أشعّة عينيها السامة تحرق كتاب "كفاحي" وتدفع الجيش النازي "الحقير" للاندحار.

في تلك الآونة، اكتشفت النساء قوّة العمل ولذة "الشيك المالي" ولا سبيل أبداً للعودة.

النموذج الفني

لوقت طويل اعتقد الجمهور بتأثير الصحافة أن الموديل المستخدم في الصورة لعاملة تدعى جيرالد دويل، نتيجة انتشار صورة لها وهي ترتدي ملابس مشابهة، قبل أن يكتشف صحفي مغامر وفضولي أن الأصل يعود لشخصية أخرى، هي نعومي باركر، المولودة في 1921، والتي كانت تعمل في ورش تابعة للبحرية الأميركية، وعند سؤالها عن سبب صمتها طوال هذا الوقت أجابت بأن "لا أحد يصغي في الولايات المتحدة الأميركية"، لتظهر مجدداً أن الصورة الأيقونة، بعيدة تماماً عن شكلها الأيقوني الذي عرفناه، كما كل شيء يأتي من تلك الولايات المتحدة.

تمّ طباعة العديد من الملصقات التي تدعو النساء لـ"فعل ذلك" تحت شعار: "إذا كنت تستطيعين تشغيل الخلاط الكهربائي، فأنت تستطيعين تشغيل المثقب المعدني".

فـ "روزي المبرشمة" أو روزي اللحّامة" (لا وجود لكلمة تستحضر المعنى بدقة بالعربية، إذ إن المفهوم نفسه غائب، ويعني روزي التي تقوم بأعمال اللحام والتبشيم كالرجال تماماً) تم اكتشافها من جديد في عقد الثمانينيات واصبحت رمزاً نسوياً لكن أيضاً من باب "الربح" الرأسمالي.

في العام 1984 وكان الملصق الذي اعتبر فاشلاً قد تم تسليمه لمتحف الأرشيف الوطني الأميركي، قرّر مدير المبيعات في المتحف، توم فورتوناتو، كسب المال من هذه الملصقات، فقام بطباعة بطاقات بريدية من الملصقات المذكورة مع جمل دعائية تتحدث عن أن 20 مليون امرأة عملن خلال الحرب العالمية بدفع من حكومة الولايات المتحدة الأميركية ودعماً للمجهود الحربي ولإحلال القوة العاملة النسائية محل قوة العمل الذكورية التي ذهبت للموت ضد هتلر، قبل أن تعود البروباغندا الحكومية الأميركية وتعكس الخطاب، وتدعو النساء للعودة لأعمالهن التي كن يمارسنها قبل الحرب لإتاحة المجال أمام جيوش العاطلين عن العمل والعائدين من حرب كبيرة.

تمكين أم استعباد

إذن، لم يكن الملصق أساساً مصمماً لتمكين النساء من مصائرهن، إنما كان دعوة رأسمالية لمزيد من الاستعباد، وهذه المرّة على حساب النساء اللواتي عضّهن الجوع وغياب أزواجهن وأبنائهن في حروب السادة الأثرياء.

لا يمكن إلا أن نرى ظلال الذكورية والأبوية متشابكة مع الصراع الطبقي الخفي في صورة كهذه، إذ إن "النظافة" التي تبدو عليها الشخصية تخفي جحيماً من ساعات العمل المتزايدة بدون راحة لنساء كأولئك، والكثير من الاستعباد الجنسي وحالات الاغتصاب والتحرّش، إضافة للجمال "الأبيض"، النقي، المعتنى به، والخارج للتوّ من مركز تجميل والذي يجعلنا نتعامى عن النساء غير البيضاوات، والمسحوقات في مطحنة العمل، داخل وخارج البيت، كما أن انخراط "روزي المحاربة" في عالم الحرب والتسليح وصناعة الطائرات المقاتلة و"برشمتها" يجعلها بعيدة كل البعد عما يحقّق "نسويتها" قبل أن نقول "إنسانيتها".

في أمكنة عديدة في أوروبا والعالم، نرى النساء الملونات يعملن حقاً، لكن في خدمة أطفال الرجال البيض الأثرياء. لقد تمّ إدخال نساء الطبقة المتوسطة في سوق العمل، لكن عبر اضطهاد طبقة أدنى، في أعمال مجهدة ومنخفضة الأجر وغير محمية بعقود ولا بقوانين

هذا الأمر انتبهت له بعض "النسويات الجديدات" الخارجات من "ميديا" منحازة وربحية وألاعيب الـ NGOs، تريد أن تستغل الشعار للترويج لعبودية جديدة، نجمات الغناء والرقص والتسويق الجنسي، اللواتي تحصّلن على مكاسب النضال النسوي دون أن يتعرّفن على الثمن الذي دفعته المناضلات النسويات، فقامت، على سبيل المثال، المغنية بيونسيه بتعديل الملصق وإضافة صورتها، كتصحيح للعرق وترسيخ الانتصار على سيادة العرق الأبيض، ظانة أنها بذلك قد استردت حقها، كنسوية وكامرأة سوداء مضطهدة، لكن التصحيح الجديد لم ينتبه أيضاً لتغلغل الذكورية والتسليع في النظر للمرأة، لإقناع النساء بأن هذا النضال له حدود معينة، تتعلّق برأي السيد الأبيض في النضال نفسه وفي النسوية نفسها، ناهيك عن الجمال الذي يود أن تعمّمه الشركات تحت إدارة "القوّاد الأبيض".

في أمكنة عديدة في أوروبا والعالم، نرى النساء الملونات يعملن حقاً، لكن في خدمة أطفال الرجال البيض الأثرياء، أو في تسهيل حياة نسائهن. لقد تمّ إدخال نساء الطبقة المتوسطة في سوق العمل، لكن عبر اضطهاد طبقة أدنى، في أعمال مجهدة ومنخفضة الأجر وغير محمية بعقود ولا بقوانين، لا يمكن أن نقول لهن: عملكن نتاج النسوية ونتاج نضالات البرجوازيات المتخمات، بل هو نتيجة الاستغلال ونتيجة الفارق الطبقي الهائل وسوء توزيع الثروة.

الذكورية ليست مجموع الذكوريين والأبوية ليست هي الآباء فقط، بقياس ماركسي بسيط، كما أن الرأسمالية ليست رجالاً فقط.

الذكورية ليست مجموع الذكوريين والأبوية ليست هي الآباء فقط، بقياس ماركسي بسيط، كما أن الرأسمالية ليست رجالاً فقط. البطرياركية مفهوم رأسمالي، استغلالي، يتفنن في التعاون مع منظومات أخرى، يجمع استغلال الجنسين، وما لم يتم تحرير البشرية جمعاء من الاستغلال فسيظل النضال النسوي ناقصاً، وستخرج النساء من استغلال الأب والزوج ورجال الدين إلى استغلال رب العمل والمدراء التنفيذيين، في تغيير بسيط للمطارح لا غير.

ما نود قوله هنا، إن المنفعة التي تجنيها المؤسسات الرأسمالية من النضال النسوي "البرجوازي" الصوري هذا، الشكلي والذي يمجّد صورة غير حقيقية عن النساء، جعلتها تدعمه بشدة، وجعل بعض النسويات والنسويين يقعن/ون فريسة للاستغلال بشكله الجديد، إذ تم فصل الصراع النسوي عن الصراع الطبقي، وهذا ما يجعل كل نضالات النسويات الرائدات، مجرد شعار جديد، تستطيع أن تستخدمه بيونسيه وتشرحه نانسي عجرم وتؤيده سوزان نجم الدين، على سبيل المثال، كتقليعة تربّحها هي ومؤسسات الإعلام الذكوري، وتخسّر النساء المناضلات في كل مكان آخر، ويخبرنا، ولينتبه جيداً من يعوّل عليها في كل مكان، أن مؤسسات على شكل بلاد، كالولايات المتحدة الأميركية، بنت طغيانها الاقتصادي على دماء الملايين من السكان الأصليين، ومن المهاجرين "الملونين"، يمكن أن تنتج، بطيب خاطر، مشروعاً إنسانياً، يمنح الحقوق لأصحابها ويضع النساء حيث يجب أن يكنّ.

لا يجوز أن يكون هناك نسوية عنصرية ولا نسوية إسلامية أو مسيحية، ولا نسوية لديها فوبيا المهاجرين. إن النسوية دون صراع طبقي هي مجرّد تدريب على شغل الكروشيه في المطبخ، ووجود "نسوية رأسمالية" تشبه أن نقرّب أفعى من وجهنا ونطلب منها أن تعصر البثرات.

إنضمّ/ي إنضمّ/ي

رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.



* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

قد لا توافق على كل كلمة ننشرها…

لكن رصيف22، هو صوت الشعوب المضطهدة، وصوت الشجعان والمغامرين. لا نخاف من كشف الحقيقة، مهما كانت قبيحةً، أو قاسيةً، أو غير مريحة. ليست لدينا أي أجندات سياسية أو اقتصادية. نحن هنا لنكون صوتكم الحرّ.

قد لا توافق على كل كلمة ننشرها، ولكنك بضمّك صوتك إلينا، ستكون جزءاً من التغيير الذي ترغب في رؤيته في العالم.

في "ناس رصيف"، لن تستمتع بموقعنا من دون إعلانات فحسب، بل سيكون لصوتك ورأيك الأولوية في فعالياتنا، وفي ورش العمل التي ننظمها، وفي النقاشات مع فريق التحرير، وستتمكن من المساهمة في تشكيل رؤيتنا للتغيير ومهمتنا لتحدّي الوضع الحالي.

شاركنا رحلتنا من خلال انضمامك إلى "ناسنا"، لنواجه الرقابة والترهيب السياسي والديني والمجتمعي، ونخوض في القضايا التي لا يجرؤ أحد على الخوض فيها.

Website by WhiteBeard