شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

غيّروا، لا تتأقلموا!
المؤرخ التونسي عبد اللطيف الحناشي: "الإشكالية في التأريخ لـ’الخميس الأسود’ تكمن في غياب الأرشيف"

المؤرخ التونسي عبد اللطيف الحناشي: "الإشكالية في التأريخ لـ’الخميس الأسود’ تكمن في غياب الأرشيف"

سياسة نحن والتاريخ

الأربعاء 25 يناير 202304:40 م

تاريخ "26 كانون الثاني/ يناير 1978"، هو الأكثر دمويةً في تاريخ دولة الاستقلال، إذ قرّر فيه النظام مواجهة الشعب الأعزل المتظاهر، برصاص الأمن والعسكر وبحملة اعتقالات طالت العديد من المشاركين في الإضراب العام الذي كان قد دعا إليه الاتحاد العام التونسي للشغل آنذاك. حملة الاعتقالات أعقبتها انتهاكات جسيمة لحرمة الذات البشرية وسلسلة تعذيب وحشية للموقوفين في أقبية وزارة الداخلية، فيما سلط القضاء أقصى العقوبات على قيادات الاتحاد، بالسجن لعشر سنوات مع الأشغال الشاقة بتهم التخريب والقتل.

في الذكرى الخامسة والأربعين لأحداث "الخميس الأسود"، تأبى الذاكرة الشعبية التونسية نسيان المجزرة التي ارتُكبت في حق الشعب التونسي، والتي راح ضحيتها 52 قتيلاً و325 جريحاً، وفقاً للإحصائيات الرسمية، فيما تحدثت تقارير حقوقية عن وفاة نحو 400 شخص وسقوط آلاف الجرحى.

"طلاق دموي" بين الاتحاد والحزب الحاكم

على الرغم من العلاقة المتينة التي كانت تجمع اتحاد الشغل بالحزب الاشتراكي الدستوري الحاكم، والتي غذّتها المقاومة الموحّدة لدحر المستعمر الفرنسي، شهدت هذه العلاقة، سنوات السبعينيات، فتوراً وتصدعاً نتيجة النكسة الاقتصادية والاجتماعية التي عاشتها البلاد آنذاك والمطالب العمالية النقابية التي تحولت في أواخر سنة 1977، إلى سلسة من الإضرابات في العديد من مناطق البلاد، يُذكر منها إضراب عمال شركة النسيج في قصر هلال في تشرين الأول/ أكتوبر، وإضراب عمال المناجم في تشرين الثاني/ نوفمبر، وإضراب عمال شركة النقل في كانون الأول/ ديسمبر، وقد تعرّض الأمين العام لمنظمة الشغيلة الحبيب عاشور، تبعاً لذلك، لتهديدات بالتصفية الجسدية.

وصفت أحداث الخميس الأسود في تاريخ تونس بالطلاق الدموي بين النقابات ونظام الحبيب بورقيبة. ما هي تفاصيل هذه الانتفاضة التي أدت إلى مقتل وجرح العشرات ؟

وقدكانت النقطة الحاسمة التي أعلنت فك ارتباط الاتحاد بالحزب الحاكم، هي استقالة الحبيب عاشور من الديوان السياسي واللجنة المركزية للحزب وإعلان الهيئة الإدارية للاتحاد في 22 كانون الثاني/ يناير 1977، الإضراب العام من دون تحديد موعده، وانتقادها سياسة الحكومة القائمة على العنف والترهيب.


اختار النظام البورقيبي إخماد فتيلة المسيرات والمظاهرات، التي سرت كالنار في الهشيم، في جميع مدن البلاد، بحلول أمنية لا بالحوار فتمّت عسكرة وزارة الداخلية من خلال إقالة وزيرها الطاهر بالخوجة، لعدم ميله إلى الحل الأمني وتعويضه بوزير الدفاع عبد الله فرحات، كما انتشر الجيش لأول مرة في شوارع العاصمة، وفي ليلة 26 كانون الثاني/ يناير حوصرت مقرات الاتحاد العام التونسي للشغل من قبل الأمن والعسكر وما عُرفت بـ"ميليشيات الصياح"، نسبة إلى محمد الصياح مدير الحزب الحاكم.

شرارة الخميس الأسود

يرى المؤرخ الدكتور عبد اللطيف الحناشي، أن السبب العميق لأحداث 26 كانون الثاني/ يناير 1978، التي هزت البلاد التونسية آنذاك، هو الخلاف بين حكومة الهادي نويرة والاتحاد العام التونسي للشغل، والذي تعود جذوره إلى الاختلاف السياسي في صلب الحزب الاشتراكي الدستوري، خاصةً حول مشكلة خلافة بورقيبة.

وأضاف أن الأمين العام للاتحاد الحبيب عاشور، كان على علاقة مميزة مع الهادي نويرة، وكان محاميه في الفترة الاستعمارية حتى أنهما كانا صديقين على المستوى الشخصي، وأبرما عقداً اجتماعياً واتفقا على العديد من القضايا لكن العديد من العوامل الداخلية والخارجية أزّمت العلاقة بينهما.

يرى المؤرخ في حديثه إلى رصيف22، أن الظروف الإقليمية لعبت حينها دوراً في تأزيم الوضع خاصةً في العلاقة مع رئيس ليبيا معمر القذافي، وإجهاض الوحدة بين تونس وليبيا سنة 1974. وكان الهادي نويرة هو السبب الأساسي في إفشال العملية وهو ما جعل القذافي يتخذ موقفاً حاداً من تونس، وهو الذي تجمعه علاقة متينة بمهندس العمليّة وزير الخارجية محمد المصمودي، الذي كان بدوره على علاقة متينة بالحبيب عاشور. لهذا، يرى الباحث، أن قضية الخلافة هي المحرك الأساسي لأحداث الخميس الأسود، أما الوضعية الاقتصادية وقضية الأجور وعدم تلبية الحكومة لمطالب الاتحاد، فهي من بين الأسباب غير المباشرة التي أدت إليها.


مقال يتهم المضربين بالتخريب

أشار الحناشي إلى أن اتحاد الشغل شهد في تلك الفترة تطوراً لافتاً. ففي فترة السبعينات، توسعت الطبقة الوسطى وتخرّج العديد من التونسيين من الجامعات والتحقوا بالوظيفة كمعلمين وأساتذة وإداريين، ومن بينهم من شاركوا في أحداث 1968، وفي نضالات الحركة الطلابية وانتموا إلى الاتحاد العام التونسي للشغل وكانت أغلب التيارات الشبابية من اليسار فتجددت دماء الاتحاد. كما استقال العديد من الوزراء رفضاً للسياسة التي اعتمدها الهادي نويرة ضد الاتحاد، ما ضاعف الأزمة.

الحقيقة المقبورة

ساهم توخّي الخيار الأمني لمواجهة الاحتجاجات في احتدام الأزمة بين الطبقة الشغيلة والحكومة، فكان يوم الإضراب العام دامياً ومرعباً سقطت فيه مئات القتلى وآلاف الجرحى كما شن النظام حملة اعتقالات واسعة طالت بشكل خاص قيادات الاتحاد العام التونسي للشغل، فتعرضوا لشتى أنواع التعذيب، ومنهم من فارق الحياة على إثرها، على غرار مؤسس النقابة الجهوية للبنوك وشركات التأمين في سوسة حسين الكوكي، ومنهم من سُلّطت عليه عقوبات سجنية قاسية.

في الوقت الذي تحول فيه الإضراب إلى حالة شعبية عامة رافضة لسياسة النظام، دأبت الحكومة على تشويه الاحتجاجات، خاصةً الاتحاد وأعضاءه فكانت الصحف والوكالات الإخبارية تتناقل ما حدث على أنه أعمال شغب وتخريب

في الوقت الذي تحول فيه الإضراب إلى حالة شعبية عامة رافضة لسياسة النظام، دأبت الحكومة على تشويه الاحتجاجات، خاصةً الاتحاد وأعضاءه فكانت الصحف والوكالات الإخبارية تتناقل ما حدث على أنه أعمال شغب وتخريب، "حثّت عليها القيادة المنحرفة للاتحاد العام التونسي للشغل".

برغم مرور 45 سنةً على هذه الأحداث الموجعة، فإن العديد من الحقائق ظلت مقبورةً في دفاتر النظام، حتى أن مساعي هيئة "الحقيقة والكرامة" لإماطة اللثام عن خبايا الخميس الأسود عبر الاستماع إلى شهادات بعض الضحايا على غرار زهير بلخيرية، ظلت محتشمةً.

رأى عبد اللطيف الحناشي، أن الإشكال في التاريخ الراهن هو أن العديد من القضايا ما زالت بالنسبة إلى المؤرخ غير دقيقة على غرار أحداث ما بعد الاستقلال مع الحركة اليوسفية، والحركات السياسية السرّية الأخرى، سواء مع الماركسية والقومية أو في أواخر السبعينيات وبداية الثمانينيات مع التيارات الإسلامية وحزب التحرير والسلفيين التكفيريين والاتجاه الإسلامي، مشدداً على أنه لمعرفة ما مرّ في تاريخ تونس الذي يكتنفه بعض الغموض وجب الاطلاع على الأرشيفات التي تبيّن الحقائق بدقة، وهي أرشيفات وزارات الداخلية والعدل والدفاع وأرشيفات الحزب الحاكم في تلك الفترة، وهي غير متوفرة وللأسف تم بعد الثورة حرق العديد من وثائق أرشيف وزارة الداخلية والعديد من الوثائق الأخرى.


يوضح الحناشي أنه بالإضافة إلى المواد الأرشيفية، يعتمد المؤرخ على الشهادات الشخصية وهي متوفرة لكنها تستوجب مكافحةً، بما معناه أنه لا يصدق المؤرخ شهادةً واحدةً، بل يقوم بتقاطعات مع شهادات أخرى حتى يتثبت مدى حقيقة الروايات للأحداث، وهذا ما لم تتمكن هيئة الحقيقة والكرامة من تحقيقه لعدم توفر روح المهنية، مؤكداً أن هذه العملية لا يقوم بها غير المؤرخين، دون السياسيين، لأن المؤرخ يُفترض أن يكون موضوعياً ولا يطمس الحقائق إن توفرت ويقوم بمعالجتها بشكل علمي وتقني.

رأى عبد اللطيف الحناشي، أن الإشكال في التاريخ الراهن لتونس هو أن العديد من القضايا ما زالت بالنسبة إلى المؤرخ غير دقيقة على غرار أحداث ما بعد الاستقلال

أقرّ المتحدث بوجود تضارب في المعطيات ذات العلاقة بأحداث الخميس الأسود، وبأحداث قفصة سنة 1980، والمحاكمة الشعبية ضد اليوسفيين الذين تم تعذيبهم واغتيالهم، مبيّناً أن الحقيقة موجودة في أرشيف مؤسسات الدولة التي سبق ذكرها.

ويلاحظ أن أغلب من يقدّمون الشهادات يكونون متقدمين في العمر، وعادةً في هذه السن يحاول الشخص جعل نفسه بطلاً ويحيل كل الأحداث إلى شخصه حتى يبرز تضخم الأنا وهي مسألة إنسانية عادية لكن هنا يكمن دور المؤرخ في عملية تقاطع المعلومات للتدقيق فيها.

كما لفت عبد اللطيف الحناشي، إلى أن العديد من الأحداث تعرف الكثير من الغموض وليس بالإمكان كتابة تاريخ تونس بطريقة سليمة ودقيقة وصحيحة إلا بالإفراج عن الأرشيف، لكن هذا لا يعني أن كل ما كُتب خطأ فهناك جزء صحيح وجزء بُني على مقاربات تعامل فيها المؤرخون مع الأحداث بحذر.

وأعرب عن أمله في توفير المعطيات والأرشيفات ليعرف الجيل القادم ماذا حدث، وكيف، حتى لا تتكرر مثل هذه الأحداث، ولتفادي ظاهرة الإفلات من العقاب التي استفادت منها جماعة الحبيب بورقيبة وزين العابدين بن علي وجماعة ما بعد الثورة وهو ما يسبب تراكمات لدى الشعب تمثّل خطورةً على مستقبل البلاد.

هل كان الحل الأمني خيار بورقيبة؟

ساهمت أحداث الخميس الأسود الدامية في تشويه صورة زعيم البلاد الحبيب بورقيبة، واتُّهم نظامه باستعمال الرصاص الحي ضد الشعب الأعزل، فيما يعدّ البعض الآخر أن شخصيات نافذةً في الحزب الاشتراكي الدستوري كانت السبب في وحشية المعالجة الأمنية للإضراب وفي مقدمتهم الهادي نويرة ومحمد الصياح وعبد الله فرحات.

يقول الدكتور عبد اللطيف الحناشي: "الخلاف بين الهادي نويرة وبين الحبيب عاشور الذي كانت له علاقة متوترة مع الحبيب بورقيبة بعد عزله من منصبه في الاتحاد ثم إعادته إليه، جعل لكل منهما طرفاً مسانداً له، أما الطرف الثالث المهم فهو وسيلة بورقيبة (زوجة الرئيس بورقيبة)، التي كانت لديها مجموعة مساندة لها أيضاً. وعندما نربط هذا بانشقاق الحزب الدستوري بدءاً من سنة 1971، وخروج جماعة الاشتراكيين الديمقراطيين بقيادة أحمد المستيري الذين تربطهم علاقة مباشرة بوسيلة بورقيبة التي كانت تنادي بالإصلاحات، وكانوا معارضين بشدة لتوجهات الهادي نويرة، (الجملة هذه غير تامة المعنى أي عندما نربط... ماذا يحدث؟ ربما يجوز القول: نقترب من فهم ما حدث.). لكن الحبيب بورقيبة لم يكن يلعب دوراً أساسياً بسبب المرض، فمنذ سنة 1969، لم يعد قادراً على تسيير الدولة كما كان في السابق، ويمكن القول إن آخر خطاب كبير ألقاه كان سنة 1972، في عمارة "البالماريوم" في العاصمة. وفي فترة مرضه لعبت وسيلة بورقيبة الدور الأساسي في العملية السياسية، وهي التي ناهضت وحدة تونس وليبيا سنة 1974، وهذا ما يُسمّى الصراع في إطار الوحدة".

وشدد المؤرخ على أن من لعب الدّور الأساسي في أحداث الخميس الأسود، ليس زين العابدين بن علي، بل وزير الداخلية عبد الله فرحات والوزير الأول الهادي نويرة والوزير المعتمد لدى الوزير الأول محمد الصياح، وهي الشخصيات التي تمثّل القوة التي تمسك بزمام الحزب. وبما أن الهادي نويرة لا يحظى بمساندة قوية على اعتبار أن الحزب يعيش العديد من الخلافات في داخله حول مسألة الخلافة، تم جلب زين العابدين بن علي من الجيش وتعيينه مديراً عام للأمن الوطني، وهي المرة الأولى التي يحصل فيها عسكري على منصب سياسي في الدولة التونسية، وهو من قام بالعملية وقد كان مجيئه في حد ذاته علامةً من علامات "الشدة والقوة".

في رصيف22، نقرأ الماضي بانفتاح على الآراء المتنوعة، ونسعى دوماً إلى تقديم الحكاية من كل زواياها. شاركونا ما يدور في رؤوسكم حالياً. غيّروا، ولا تتأقلموا!

ماضينا كما يُقدَّم لنا ليس أحداثاً وَقَعَت في زمنٍ انقضى، بل هو مجموعة عناصر تجمّعت من أزمنة فائتة ولا تزال حيّةًً وتتحكم بحاضرنا وتعيقنا أحياناً عن التطلّع إلى مستقبل مختلف. نسعى باستمرار، كأكبر مؤسسة إعلامية مستقلة في المنطقة، إلى كسر حلقة هيمنة الأسلاف وتقديم تاريخنا وتراثنا بعين لا تخاف من نقد ما اختُلِق من روايات و"وقائع". لا تكونوا مجرد زوّار عاديين، وانزلوا عن الرصيف معنا، بل قودوا رحلتنا في إحداث الفرق. ساعدونا. اكتبوا قصصكم. أخبرونا بالذي يفوتنا. غيّروا، ولا تتأقلموا!

Website by WhiteBeard