شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

غيّروا، لا تتأقلموا!
رحلة إيليا زريق... من عكّا إلى العالم

رحلة إيليا زريق... من عكّا إلى العالم

84 عامًا قضاها عالم الاجتماع والأنثروبولوجيا الفلسطينيّ، د. إيليا زريق، باحثًا بأدواته الفكريّة والمعرفيّة في كينونة إسرائيل - كاحتلال - وببنيتها الأصليّة ككيانٍ كولونيالي قائم على أنقاض الإنسان الفلسطيني بمكوّنات حياته المُختلفة. ما جعله قادرًا على تقديم دراسات وأبحاث ومساهمات أظهرَ من خلالها خصائص وتناقضات الحركة الصهيونية الاستعمارية، بالإضافة إلى أسباب إخفاق الفلسطينيين المُتكرر في مواجهتها ومنع تقدّمها، مدفوعًا برغبةٍ عارمة في رفع مستوى الوعي الثقافي والمعرفي عند الإنسان الفلسطيني والعربي.

من عكّا، بدأ د. زريق رحلة علمية طويلة كانت فلسطين زاده فيها، ولاحقًا حصلَ على شهادة الماجستير من جامعة "سيمون فريزر" بكندا، وعلى شهادة الدكتوراة من جامعة "إسكس" في المملكة المتحدة البريطانية، ومع مهارته الفكرية والبحثية، كان د.زريق من أوائل الأساتذة في "معهد الدوحة للدراسات العليا"، وكان له دورًا بارزًا في تأسيسه بعدما أصبحَ عضوًا في مجلس الأمناء الأول بالمعهد. بالإضافة إلى ذلك، عملَ زائرًا بـ "المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات" في العاصمة القطرية الدوحة، واستطاعَ شغل منصب مُهم في جامعة كوينز بكندا، فقد كان أستاذًا لعلم الاجتماع فيها.

ولعلّ الجانب الأهم في عمل د.زريق على المستوى الفلسطيني الداخلي، كان مشاركته في المفاوضات المتعددة الأطراف عن الجانب الفلسطيني بعد مؤتمر مدريد، بالإضافة إلى عمله مع مؤسسة الدراسات الفلسطينية، لاسيما بعد عودته إلى فلسطين في تسعينيات القرن الماضي، فقد ساهمَ في الإنتاج الفكري للمؤسسة من خلال كُتبه ودراساته، وقد أهلته مسيرته الحافلة للحصول على "جائزة فلسطين" في علم الاجتماع، وجائزة "جامعة كوينز" في مجال البحث العلمي، وعمله كمستشار لليونسكو وللأمم المتحدة وغيرها من الجهات البارزة عالمياً، ليستطيع عبر رحلته هذه أن يشقّ طريقاً طويلاً.

منذ كتابه الأوّل الذي نشره عام 1979 تحت عنوان "الفلسطينيون في إسرائيل: دراسة في الاستعمار الداخلي"، وصفَ د. زريق إسرائيل بـ "الاستعمار" ما عرّضه لانتقادات عنيفة من قبل الباحثين والدارسين الأوروبيين، ولكنّه أصرّ في كتاباته التالية على استخدام هذا التّوصيف الذي اعتمدَ عليه لتحليل السياسات والوسائل الإسرائيلية المُستخدمة ضدّ الشعب الفلسطيني، بالاعتماد على عناصر عديدة كان منها: الأرض، السّكان، الأمن القومي.

منذ كتابه الأوّل الذي نشره عام 1979 تحت عنوان "الفلسطينيون في إسرائيل: دراسة في الاستعمار الداخلي"، وصفَ د. زريق إسرائيل بـ "الاستعمار" ما عرّضه لانتقادات عنيفة من قبل الباحثين والدارسين الأوروبيين

بذل د. زريق في كُتبه ودراساته جهداً كبيراً لتفكيك مفهوم الاستعمار الاستيطاني الصهيوني وإبراز اختلافه وخصوصيته مقارنةً بغيره من المشاريع الاستعمارية التاريخية، من خلال تسليط الضوء على "سوسيولوجيا المجتمعات الكولونيالية وأنماط المراقبة" وأوجه التشابه بينها في ظل سعي كل منها لاقتلاع الشعوب الأصلية جغرافياً وسياسياً وديموغرافياً. كما أشار د.زريق في كتاباته إلى تعذّر تحويل المشروع الصهيوني لدولة على أرض فلسطين، وهذا في ظل تعامل المشروع الصهيوني مع الشعب الفلسطيني بعنف دائم وعدم مراعاته لحقوق الإنسان المنصوص عليها عالمياً، بالإضافة إلى اقتصاره حق المواطنة على أتباع الديانة اليهودية حول العالم. لذلك، رأى أنّ الصراع بين المستوطنين – السكان غير الأصليين – والشعب الفلسطيني – السكان الأصليين- سيظلّ قائماً إلى الأبد، لاسيما مع اعتماد الاستعمار الصهيوني على حروب التطهير العرقي ضدّ الشعب الفلسطيني منذ بدايته وحتى اليوم.

التأمّل في آليات المجتمع العربي

لم يتوقّف اهتمام د. زريق عند حدود فلسطين، بل امتدَ ليشملَ تقديمه تقييمًا نقديًا للعلوم الاجتماعية في الوطن العربي، ومن الأمثلة على ذلك، دراسته :"قضايا في تطوّر العلوم الاجتماعية في العالم العربي"، التي نُشرت في كانون الثاني/2020م، حيثُ ركزَ فيها على العلوم الاجتماعية العربية وتقييمها في العصر الحالي، مع تسليطه الضوء على الضعف المنهجي في التجربة العربية نظرًا للاتكال المفرط على المفاهيم والمصطلحات الغربية، ومساهمته في تحليل الضعف العربي بمجال العلوم الاجتماعية، معتمدًا على الواقع وقلّة الأعمال المُقدّمة، حيثُ أرجعَ أسباب هذا الضعف لسياسات الحُكّام وتسلّطهم في الدول العربية، مع تأكيده على محورية وأهمية الدراسات والأبحاث الاجتماعية في اتخاذ قرارت الدول وتوجهاتها المستقبلية. بالإضافة إلى إشادته بجهود الكثير من الباحثين العرب الذين قدموا إسهامات بارزة في مجال علم الاجتماع، وتركوا أثرًا مهمًا في تجربة علم الاجتماع العربية.

بذل د. زريق في كُتبه ودراساته جهداً كبيراً لتفكيك مفهوم الاستعمار الاستيطاني الصهيوني وإبراز اختلافه وخصوصيته مقارنةً بغيره من المشاريع الاستعمارية التاريخية

قدّم د. زريق، مجموعة كبيرة من المؤلفات باللغتين العربية والإنجليزية، سواء كانت كُتباً أو دراسات أو أوراق بحثية أو مقالات علمية، كما أنّه قدّم محاضرات في الكثير من الدول، وقد ساعده هذا في الوصول إلى شريحة كبيرة من الباحثين والمفكرين والعلماء، واعتلائه لمكانة مميزة كواحد من أبرز الوجوه في علم الاجتماع على المستوى العربي والدولي، وفيما يلي مجموعة من الكُتب التي صدرت له: كتاب "اللاجئون الفلسطينيون والعملية السلمية" سنة 1996. كتاب "الملاحقة والسيطرة في إسرائيل/ فلسطين: السكان، الأرض، والقوة" سنة 2011. كتاب "المشروع الاستعماري الإسرائيلي في فلسطين: المطاردة الوحشية" سنة 2015. كتاب "المراقبة وحفظ الأمن على الصعيد العالمي: الحدود والأمن والهوية" سنة 2021.

النّعي الذي لم ينتهِ

درس د. زريق في عمله المُجتمع الفلسطيني الواقع تحت الاستعمار الاستيطاني الصهيوني، فقد قدّمَ تحليلات ودراسات تركت أثراً في علم الاجتماع، وقد اعتبره الكثيرون واحداً من أبرز وأهم علماء الاجتماع في الوقت الحالي، كما نعته المؤسسات الرسمية والشخصيات الاعتبارية في فلسطين وخارجها، فكتبَ المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات في نعيه واصفاً الدكتور زريق: "بالنسبة إلى أصدقائه وزملائه وتلاميذه، كان إيليا هو العالم الإنسان، عرفوا عنه تواضعه ودماثة خلقه، كما عرفوا عنه علمه وجدّه في البحث وعنايته بتلاميذه".

وفي دلالةٍ على الأثر الكبير الذي تركه د. زريق، كتبَ عميد وأستاذ النزاعات الدولية في معهد الدوحة للدراسات العليا د. إبراهيم فريحات، قائلاً: "سيبقى علمك يساهم في تكوين علماء اجتماع عرب .. وستفتقد فلسطين ابنها البار الذي لم يبخل عليها يومًا بعلمه .. فقضى وقته مشتبكاً ضد منظري الاستعمار الكوليونيالي على الساحة الدولية". أما المؤرخ والأكاديمي الفلسطيني د. نور مصالحة، فقد كتبَ في نعيه للدكتور زريق قائلاً: "كانت أعمال إيليا الأكاديمية واسعة النطاق - لكن التزامه تجاه فلسطين كان ثابتاً ومحورياً في العديد من منشوراته ومشاريعه البحثية". ولم يتوقّف المفكرون والباحثون الفلسطينيون والعرب عن رفع أيديهم بكلماتٍ قليلة مودّعين د. إيليا زريق، الذي مشى في شارع العودة إلى فلسطين ولكنّ للعمرِ أحكامه.

من غير المعقول أن كثيرين منّا لا يزالون يطالبون بأبسط حقوقهم. شاركونا ما يدور في رؤوسكم حالياً. غيّروا، ولا تتأقلموا.

قد تبدو هذه الحقيقة ضرباً من الخيال، ولكن هناك من لا يزال يطالب بحقوقه الأساسية، كالحق في التعليم، والحق في تلقّي العلاج، والحق في العمل، والحق في الحب حتّى، وأحياناً الحق في الحياة. عليكم نعوّل. لا تكونوا مجرد زوّار عاديين، وانزلوا عن الرصيف معنا، بل قودوا رحلتنا في إحداث الفرق. اكتبوا قصصكم. أخبرونا بالذي يفوتنا. غيّروا، ولا تتأقلموا.

Website by WhiteBeard