شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

غيّروا، لا تتأقلموا!
صفحة من رواية "دوائر العميان" لمصطفى موسى

صفحة من رواية "دوائر العميان" لمصطفى موسى

ثقافة

السبت 21 يناير 202304:46 م

أزيلال

ساعات الصباح هي الأشدّ نقاءً. تقوم الروائح من سباتها، تدفئ الشمس الرمال فيصبح للندى رائحةٌ لا يشمّها حبّاب المهموم. يهتزّ صعودًا وهبوطًا على سنام الجمل، أشعث أغبر نحيف. يُهيّأ لمن يراه أنّه جثّة خارجة من القبر. عيناه كسيرتان محزونتان، وقد تهدّل جفناه من تعب رؤية صفار الصحراء ووهج الشمس. انتبه حين رأى من بعيد ما بدا له بيوتًا متراصّة على تلال مدرّجة، جدرانها من حجارة حمراء. أراد الإسراع بمطيّته لكنّها لم تستجب، فالإجهاد أصاب كليهما. حين وصل إلى التلال وجد نفسه في ساحة كبيرة. سوق تعجّ بأناسٍ سود وبيض وحُمر البشرة. هبط وسحب إباض البعير، ثمّ بحث عن بئٍر ليشرب. سأل أحدهم لكنّ الرجل لم يفهم شيئًا فأجابه بلغةٍ أخرى. حار حبّاب في الوجوه والأماكن. سار في الطرقات، فرأى جماعة من النساء يحملن قِرَب الماء. تتبعهنّ فوجد بئرًا. اقترب ليملأ الدلو لكنّ يدًا غليظة أمسكت به.

– ميتوليم، ميتوليم .

ارتعب حبّاب، خشي من الكلمات الغريبة. فربّما كانت سحرًا أو لعنة، بادره الرجل ضاحكًا مرّة أخرى:

– السلام، السلام يا أخي.

– عليكم السلام.

كانت اللهجات حوله مختلفة، أمازيغية وعربية ولغات الباتو والهوسا.

– ماء.

– ادفع.

– أدفع مقابل شربة ماء!

تعجّب حبّاب كما تعجّب الرجل. علم صاحب البئر أنّ محدّثه غريبٌ في سوق أزيلال.

– تدفع لكلّ شيءٍ هنا، للطعام والشراب وللنوم وللـ...

غمز الرجل بطرف عينه وحكّ ساخرًا ما بين فخذيه. لم يجد حبّاب ما يقايض به الرجل سوى حزام وسطه. كان من جلد البقر المطعّم بحلقات النحاس. كفّت المقايضة الماء له فقط من دون بعيره، أشفق على مطيّته لكن ما بيده حيلة. دار في السوق فسمع مطارق الحدادة، تتبّع الصوت فوصل إلى كوخ حدّادٍ على وجهه ندبة وكانت شحمة أذنه مقطوعة. باعه خنجره ثمّ عاد إلى صاحب البئر. أعطاه عملتين واحتفظ بالسبع. شرب الجمل حتّى امتلأ بطنه وتكوّر. كانت السوق عظيمة وفيها باعة القماش والعاج والحليّ، خشب الأبنوس والجلد الملوّن. وأكثر ما أدهشه تلك الحيوانات الغريبة، نعام وأبقار وغنم. أمّا عن أدوات الحرب فكان الكلّ يشتريها، الرجال والصِبية. لم يدر لِما، لكنّه شعر بشيء غير مريح في المكان.

صدرت رواية "دوائر العميان" لمصطفى موسى  عن دار نوفل-هاشيت أنطوان، نقرأ فيها تاريخ بين ثلاث دول: مصر المحروسة بإرثها الأزهري الكبير، والمغرب الشاهد العملاق على الصحراء، و مالي التي كان لها في استعادة هذا التاريخ

في ركن آخر من السوق كان الغبار عاليًا. اقترب فرأى خيام القوافل منصوبةً على مدّ البصر. حاول الاقتراب أكثر والسؤال، فصدّه حرسٌ شداد غلاظ. سألوه بكلّ اللغات حتى سمع العربية.

– ماذا تريد؟

تلعثم ولم يدر بما يجيب. دفعه أحدهم في صدره فردّ عليه منكسرًا:

– أبحث عن قافلةٍ من مصر المحروسة.

لا توجد قوافل أتت من مصر الآن، معادها بعد سبعة أشهر.

نكس رأسه ودار في دائرة واسعة ملتفًّا حول مضارب الخيام. وجد معسكرًا أكبر وأعظم، لا نساء فيه. الكلّ رجال بأسلحة ودروع. يتدرّب البعض والقِلّة تشاهد وتختار من يصلح للقتال، وآخرون يدوّنون في الرقع الجلدية الأسماء.

– أتبيع سيفك؟

انتبه إلى صوت رجل طويل القامة يدور حوله، له وجه غريب وندوب غائرة بأثرٍ من مرض جدري قديم. كان وجهه كعشّ النمل، وكان يتفحّصه من الأسفل للأعلى.

– لا سيف معي.

ضحك الرجل فبانت أسنانه الصفراء القليلة.

– أنت لست من تلك البلاد.

– نعم، أنا من واحة شال.

– خيّبك الله، وما الذي أتى بك إلى هنا؟ أفي تجارة؟

– لا، في رحلة إلى تمبكتو.

صمت حبّاب لكن بعد فوات الأوان. تفحّصه الرجل ثانيةً وكانت نظرات الريبة بادية على محيّاه، اقترب منه فشعر بأنفاسه على وجهه، قال بِوُدٍّ مفقود في كلماته:

– وما مرادك في تمبكتو؟ للحرب؟

– لا، أبحث عن شيخ كان في قافلة من مصر.

نادى على الرجل صوتٌ من بعيد، فتحدّث بسرعة إلى حبّاب.

– ثلاث قطع ذهبية مقابل سيفك. إن رغبت في الحرب فتعالَ إليّ غدًا، وستدخل تمبكتو على فرس مع جيش الهكار منتصرًا، ومن تبحث عنه ستملكه إن شئت عبدًا.

عبس وجه حبّاب فبان الرفض.

– ويلٌ للمعاندين.

نطق وجه عشّ النمل وأعقب ذلك بضحكة مجلجلة، ثمّ أسرع إلى جماعة مثله. وعاد حبّاب إلى صخب سوق أزيلال. بدأت الساحة تنفضّ بعد العصر، فهدأت الحركة ولملم كلّ بائع بضاعته. وقبل الغروب وكأنّ الأرض انشقت وابتلعت من عليها، وقف وحيدًا. دار في الطرقات فبدت موحشةً مظلمة. ومن بعيد في أعلى الوادي وجد أضواء المشاعل، تعكس ظلالًا للبيوت المتراصّة في درجات متفاوتة. صعد ببطء يجرّ مطيّته. كانت الطرق خاوية من الناس، لكنّ أصواتهم من خلف الأبواب زاعقة. حركة في كلّ بيت. لم يدر الغريب ما يفعل، فواصل التجوال إلى أن وجد بوّابةً مفتوحة، وسمع أصواتًا متداخلة كما هي الروائح. روائح بخور ومُسْكِر، عَقَل الجمل. دخل الباب، فوجد نساءً ورجالًا يتضاحكون وسمع غناءً شجيًّا. لأوّل مرّة يرى ماخورًا. سمع عنه من أهل الواحة قديمًا، عندما يحكي العجائز عن رحلاتهم في صِباهم. خرج كما دخل بسرعة، ثمّ استلقى بجوار بعيره مستندًا إلى بطنه وغفا.

ساعات الصباح هي الأشدّ نقاءً. تقوم الروائح من سباتها، تدفئ الشمس الرمال فيصبح للندى رائحةٌ لا يشمّها حبّاب المهموم. يهتزّ صعودًا وهبوطًا على سنام الجمل، أشعث أغبر نحيف. يُهيّأ لمن يراه أنّه جثّة خارجة من القبر..

ما حدث لحبّاب في اليقظة يراوده في حلم متكرّر كلّ ليلة. يجاهد كي يستيقظ، لكنّ الحلم لا يتركه إلّا بعد أن يسفح عرقًا غزيرًا، وينتفض مذعورًا باكيًا لموت جدعان. يرى في منامه أمطارًا غزيرة قصيرة في الليل، فيجلب الفجر الصقيع بعد المطر، وتحوّل الريح ندى الماء الذي ما زال على ملابس المسافرين إلى جليد. صقيعٌ غادِر يتسلّل إلى عظام النائمين. خطوتان تفصلان بين جسدَي حبّاب وجدعان، ما من نفس ولا غطيط خفيف أو حركة للصدر عند الشهيق. صمتٌ فقط. البرد القارس يبّس مفاصلهما الرافضة لأوامر الدماغ بالحركة، إلّا من دوران إنسان عينَي حبّاب. قاوم غشاوة وخدرًا يزحف على الجسد، تبدّلت الأشياء حوله وصارت بشكل مختلف. تعلّق بأفق الصحراء، بدا له يتأرجح صعودًا وهبوطًا، ثمّ يميل الأفق يسارًا ويمينًا. أمسك حبّاب كلّ ما في بدنه من قوّة ليبقى منتبهًا مستيقظًا. نبش عقله بحثًا عن وجه، عن اسم، عن كلمة ينطق بها لسانه، كي يهمس بأيّ شيء يثبت أنّه على قيد الحياة فعجز. كابد ألمًا وكأنّه تحت حجارة جبل.

انتبه من حلمه المزعج على يدٍ خشنةٍ تهزّه هزًّا. فتح عينيه وأوّل ما رأى كان وجه امرأة، عريضة ملحمة البدن، طويلة القدّ ملتحفة حائكًا محبوكًا حول جسدها، وكانت ثمّة دمالج فضّية في ذراعيها. كان وجهها مدوّر الملامح، وكانت خمرية البشرة وشعرها مسترسل ناعم فاحم. شعر حبّاب بالتيه، لم يدر لبرهة بالمكان. فرك عينيه وبحثت قدماه عن الخفّ. ودون كلمة منه تبسّمت المرأة قائلة:

– استرح في الداخل، فالليل قوّاد.

علت ضحكتها وهي تغمز له بطرف عينها. نهض صامتًا مشدوهًا، وحين وطئت قدمه عتبة الباب أوقفته بإشارة من يدها.

– ادفع.

ومن دون أن ينطق وضع في يدها عملة ممّا بقي معه، فأشارت إلى ركن في القاعة الواسعة. كان الرجال ممدّدين على الحصير. أزعجت الروائح المختلطة أنفه. كان مكانًا واسعًا مغلقًا على من فيه. تنوّع الناس كما الروائح، التي لم تكن رائحة عرق آدميين فقط، بل روث حيوانات، وبخور وماء آسن وياسمين. أطلّت من ذاكرته رائحة الإبل في موسم التزاوج. وسط زحمة الخلق رأى رجل الحرب صاحب وجه عشّ النمل. وقد لمعت عيناه بنظرة ساخرة جريئة، ثمّ غاص بوجهه مرّة أخرى بين نهدَي امرأة يلتحفها. وفي مساحة تكفي بدن رجل سمين تمدّد حبّاب. لكنّ النوم جافاه في مكان لم يعتد عليه. أرّقته ضحكات ماجنة بها شهوة. فجأةً عمّ الصمت. انتبه حبّاب ورفع رأسه، فوجد الجميع متحلّقين حول رجل الحرب، وبصدره يعتصر امرأةً تسأله بصوت ناعمٍ حادّ:

– احكِ لنا يا عبدوكة عن المرأة والدرويش.

– ماذا؟ المرأة!

اتّسعت عيناه وبدا وميض الشهوة عليهما. ضحكة صاخبة مزعجة خرجت من جوف صدره.

– إنّهنّ جنس ملاعين، لعنتهنّ في حِرّهنّ.

تنهّد عبدوكة ثمّ تمطّى كمن سيحكي نبأً عظيمًا.

– كنت مريدًا لشيخ طريقة وما أكثر الطرُق في صحرائنا. كان يختلف إلى داري هناك في باتنة، صلاحه وتقواه منعاني من حجب امرأتي عنه. أرادت أخذ أوراد طريقته فأذنت لها، وحَفِظت ما أعطاها شيخي، فبان الزهد عليها وأسرَفت في العبادة. أتعلمين ما حدث بعد ذلك؟

اعتدل في جلسته، مال يمينًا، ثمّ يسارًا، ثمّ طوى ساقيه تحت مقعدته، وزال ما على وجهه من إشارة. بدا صوته كأنّه يخرج من جُحر.

– فرّت من داري ولحقت بالشيخ. أدركتها وسألتها عن سبب الفرار، أجابتني بأنّها لا تقوى على قيد الزواج. فالانقطاع للعبادة والصوم وقيام الليل أولى من ملذّات الدنيا.

مال يسارًا ثمّ ضرط. تنهّد ثمّ اعتدل وأكمل:

– صدّقتها، وسألتها البقاء بين يديّ من دون أن أطلقها. ولتفعل ما تراه لآخرتها. بكت وأبكتني من خشيتها لعقاب الله على تقصير رعايتها لي. توَسّلَت بحُرمة شيخي الدرويش فطلّقتها، وقبل أن تنهي عدّة طلاقها تزوّجها الشيخ.

كلّما أوغل عبدوكة في الحكي احتقن وجه رجلٍ في ركن قصيّ. رجل قصير القامة ثقيل البدن، به ندبة في وجنته، مفقود شحمة الأذن اليمنى. لم يشعر حبّاب بالجندب الأسود المتسلّق كتفه، فقد كان مشدوهًا بما يسمع، وكان صوت الراوي مجدوحًا بالسخرية، ورأسه منتصبًا وهو يخبر الجميع أنّه قتلها وأصاب الدرويش.

– أصبت الدرويش وهو يَشْغر بامرأتي على الفراش. هرب الجبان فلم تملك وقتًا لإنزال رجليها والسكّين يمرّ على رقبتها.

عمّ سكون الفضول. انتفض بعد برهة حبّاب حين شعر بالجندب يتسلّل إلى عنقه، فجرحت الصمتَ ضحكةُ عبدوكة. ضرب كفًّا بكفٍّ لاهثًا ضاحكًا، ثمّ انقلب على ظهره والمرأة في صدره. عمّ الهرج وعاد الصخب من جديد. نهض حبّاب مغادرًا، وخرج يعبّ من هواء الليل البارد لعلّه يفيق. استند إلى بطن مطيّته، تقلّب وكأنّ على الأرض جمرًا. أخرج قبضة شعير فانتبه إلى امرأة تخرج من قاعة الضيافة، وبصوتٍ مسموع ضحكت. أتاها صوته من خلفها:

– أتضحكين لنفسك؟

التفتت فكان ظلّ رجل يطعم جمله الذي بدا ناحلًا من جوع، وقبل أن تجيبه تمتمت بالتعاويذ:

– من أنت؟

– حبّاب.

بان وجهه ونهض قبالتها، تأمّلها وهي تحدّق فيه. وجهها يشعّ بجرأة السؤال:

– أتخفي سرًّا يا حبّاب؟

ابتسمت فانفرجت شفتاها عن أسنانها البيضاء، فبادلها الابتسام.

– ادفعي.

– أدفع لتحكي! تعلّمت سريعًا يا ابن الريح.

– ما حكاية ابن الريح هذه؟

– ادفع فتعرف.

...

الغلاف الخلفي للكتاب

يصير يعقوب قاضيًا للقضاة في دولة المنسا القويّة، لكنّه يبقى شيخًا مثيرًا للجدل. يستيقظ ضميره عندما يصل إليه حبّاب، القادم لقتله في الأساس، بعد رحلة شاقّة امتدّت على أعوامٍ خمسة، في لهيب الصحراء. خلال هذه السنوات، سحرته مرمدة، لكنّه ظَلّ يحنّ إلى زوجته. بعد تيهٍ طويل، عابرًا في أحداثٍ تشكّل مجتمعةً تاريخًا لشمال أفريقيا ووسطها بأسرها، يعود إلى منزله بجسدٍ منهك، وقلبٍ مثقلٍ بعنف القبائل والنزاع في ما بينها، ولا يعود منتصرًا. 

كلّ هذا من الماضي البعيد، ولكنّه حاضرٌ بقوّة في زمننا، إذ تحدّد فصول الرواية التاريخية المستندة إلى مجموعة كبيرة من المراجع والمصادر، العلاقة بين دولٍ قديمة، قبل أن تكون دولًا، فترسم العلاقة التاريخية بين القوافل التائهة في الصحراء الأفريقية. هكذا، تتقاطع العلاقة في سردٍ مُحكم، بين ثلاث دول اليوم: «مصر المحروسة» بإرثها الأزهري الكبير، والمغرب الشاهد العملاق على الصحراء، بالإضافة إلى مالي التي كان لنجاة جزء وافر من آثارها دورٌ في استعادة هذا التاريخ.

...

مصطفى موسى: روائي وقاصّ مصري، كتب مقالات متفرّقة في مجلّة «العربي» الكويتية ومجلّة «تراث» الإماراتية، بالإضافة إلى جريدة «القاهرة» المصرية. حصل على المركز الأوّل للقصّة القصيرة من مركز «مساواة» لحقوق الإنسان (2012)، كما وصلت روايته «السنغالي» إلى القائمة القصيرة لجائزة ساويرس الأدبية في دورتها الثانية عشرة (2016)..

...

جميع الحقوق محفوظة لـنوفل-دمغة الناشر هاشيت أنطوان ©

..

الرواية متوافرة في أفرع نوفل-هاشيت أنطوان في لبنان، والعالم، وعلى نيل وفرات.

Website by WhiteBeard