شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

غيّروا، لا تتأقلموا!
"اكتب التقرير بأخيك قبل الغريب"... يا حبيب

"اكتب التقرير بأخيك قبل الغريب"... يا حبيب

في بريطانيا حديقة هايد بارك واحدة، هي منصةٌ مفتوحة ومتاحة للجميع ليقول البريطاني فيها ما يشاء بحق من يشاء في الوقت الذي يشاء، بصوتٍ عالٍ وعلى رؤوس الأشهاد، وبحضور الكاميرات والمراسلين إن أرادوا، فالقول لا يضير سعادة الحكومة هناك، ولا يهدد الأمن القومي للتاج، ولا يوهن نفسية الأمة البريطانية.

أما هنا، والمقصود هو هذا الشرق "الراقي، المنفتح، والمتطور"، فيوجد من الهايد بارك بعدد المحكومين، فلدى كلٍ منا "هايد باركه" الخاصة، قلّما يشاركها مع أحد، ويحبسها في كهوف دماغه العميقة، ويسوّرها بأسلاكٍ شائكة، ويصفّ فرقةً من الحرس حولها، ومكبّر صوت داخلياً يهدّد بلا كلل: "إياك، احذر، انتبه، اخرس، الويل لك إن قلتها، حلم إبليس في الجنة... إلخ".

لا يتوقف الدماغ عن ممارسة زندقته أو هرطقته السياسية في هذه الحديقة، ولا تتوقف شرطة الدماغ عن نصب الحواجز وقطع الطريق بينها وبين اللسان أو القلم، أو لوحة المفاتيح على جهاز حاسوب محصّن بكل أنواع الأمان، فالمرء بأصغريه، قلبه ولوحة مفاتيحه في عصر الديجيتال.

واحتياطاً من حالات سهو الحرس، التي تودي إلى التهلكة، فالعمر"مش بعزقة" كما يقول المصريون، صرت ألوّن ما أكتب منذ الجملة الأولى بالأحمر، كي لا تسوّل لي نفسي الأمّارةُ ببدعة حرية التعبير، أن ألامسَ الخطوط الحمراء، وتعلمون يا سادة أن الخطوط الحمراء كثيرة، مستقيمة ومنحنية وبقياساتٍ متعددة يبلغ عرضُ بعضها من حلب الشهباء إلى حماه أبي الفداء، ويمنع الاقتراب منها أو التصوير أو النظر في بعض الحالات.

قد تتسرب بعض حكايات الحديقة خارجها بسبب الازدحام والنزعة المضطرمة إلى تجاوز الحدود، وحين يحصل ذلك يقفز من لوحة المفاتيح حرف الضاد ويلطمني على جبيني

ومع كل تلك الموانع، فقد تتسرب بعض حكايات الحديقة خارجها بسبب الازدحام والنزعة المضطرمة إلى تجاوز الحدود، وحين يحصل ذلك يقفز من لوحة المفاتيح حرف الضاد ويلطمني على جبيني ويعود إلى مكانه. أتحسّس" البعكورة" فأمحو وأصحّح. يوسوس لي شيطان النقد فتنسلّ من تحت حرف الألف عصاً تلوّح، فأجفل ثم أعدّل. أتذكر قصة "الملك العاري"، فيتراءى لي أن حرف الميم تحول إلى "كلبشة" تداعب معصميَّ، فأحرّك يديَّ يميناً ويساراً لأزيل الوهم، ثم أتراجع عمّا كتبت.

لكن الأكثر رعباً حين تخطر لي تسمية شيءٍ ما باسمه، فتشفّط على الشاشة أمامي سيارة "بيجو ستايشن"، فألغي الفكرة من أساسها، وأغلق الحاسوب على وجه السرعة ثم أذهب متعوّذاً من الوسواس الخناس، مهرولاً إلى مشاهدة القناة الأولى، أو الإخبارية، أو المذيع المشتعل حماسةً على الشاشة الوطنية. أعود بعدها لكي أصدر أمراً للحرس أن يخبّئوا صوتي الداخلي خلف جذع شجرة، أو "يلحشوا" فكرتي الطائشة تحت مقعد الحديقة، حديقة الهايد بارك خاصتي، وحين تذكرت احتمال أن يصل نشاط عفيشة الحطب إلى الحديقة ليسرقوا الشجرة والمقعد، فيغدو الكلام عارياً مكشوفاً تلتقطه آذان العسس وأعينهم التي لن يأكلها الدود، رجوتهم أن يرموها في قنينة كراش فارغة لدى أحد أكشاك بيع المياه الغازية والعلكة والصحف الوطنية، طبعاً لن تستغربوا أن في هايد باركنا العميق أكشاكاً وبسطات. هل تريدون الحديقة بلا أمن؟ يا لوقاحتنا.

وهكذا يخرج الكلام مشذّباً مهذّباً، لطيفاً، ظريفاً، نظيفاً، معقّماً بكحولٍ شرعيّ جرى تقطيره فوق نار الكتب الصفراء والسوداء، أو مُفلتراً بثلاثة خطابات لثلاثة مرشحين إلى مجلس الشعب، مجلوخاً، مخروطاً بمكنة "نحنا الدولة ولاك".

الهايد بارك مكتومة الصوت خاصتنا، تولد معنا، فطرةً أصيلةً، منذ غسان وقحطان، نفاخر بها البريطانيين الذين استحدثوا متأخرين هذا الاختراع في لندن. أجل، ألم تسطع شمسُ العرب على الغرب؟

يثرثر البريطانيون في الهايد بارك، ثم يعودون إلى بيوتهم آمنين، ونعود نحن إلى بيت خالتنا إن التقط العسس الوطني قولنا

في الهايد بارك البريطانية يصرخون ويثرثرون ليصل كلامهم إلى "الجهات المختصة" البريطانية، والهايد بارك عندنا ابتكرناها كي لا يصل. فبعض ما نقول يخرّش آذان الجهات المختصة بنا، ويثير حفيظتها الوطنية، ويشوّش مسيرها الكفاحي العنيد. هم لا يستمتعون إلّا على مقام العجم، ونحن لدينا نزعة قوية لإزعاج طمأنينتهم بالثرثرة على مقام الصبا، والدنيا مقامات غير موسيقية يجهد الحاكمون لإبقائها وإضفاء القداسة عليها.

يثرثر البريطانيون في الهايد بارك، ثم يعودون إلى بيوتهم آمنين، آملين أن أحداً ما ممن يقبعون في الأعلى سيهتم بثرثرتهم، ونعود نحن إلى بيت خالتنا إن التقط العسس الوطني قولنا، فقط في شرق المتوسط بيت الخالة هو مركز تدريب عالي الكفاءة، أين منه بيوت العمّات والجدّات! تعطى فيه "كورسات" مكثفة عن أصول المواطَنة الصالحة وقواعدها، مع نفحةٍ لطيفة من سعير سَقَر.

بقي أن نشير إلى الفروع الصغيرة المُحدَثة والمطورَة للهايد بارك خاصتنا، والتي يلجأ إليها بعض المحكومين في هذا البلد الأمين وأشباهه في الحكم المكين؛ الحمّام، حيث يهمس لنفسه بما يشتهي، والجدران الداخلية لدورات المياه العامة يخطّ عليها بيتاً أو يزيد من معلقته الهجائية، التي لا بد من كتابتها كي لا تبقى بجوفه وتقتله كمداً، فالتصريح للزوجة أو الابن لم يعد آمناً في ظل نظرية "اكتب التقارير بأخيك قبل الغريب"... يا حبيب.

مستمرون في كسر الصمت الذي ورثه بعضنا من الآباء حتى ظنّ أن للحيطان آذاناً بالفعل... نحن في حاجةٍ إلى مساعدتكم. شاركونا في أن نكون النسخ التي نسعى أن نكونها ضمن مجتمعاتنا العربية. شاركونا بما يدور في رؤوسكم حالياً. غيّروا، ولا تتأقلموا.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

نرفض تحويلنا إلى كائنات خائفة يسهل حكمها. لذلك كنّا وسنبقى موقعاً يرفع الصوت ضد كل قمع لحرية التعبير ويحتضن كل الأفكار "الممنوعة" و"المحرّمة". لا تكونوا مجرد زوّار عاديين، وانزلوا عن الرصيف معنا، بل قودوا مسيرتنا!/ رحلتنا في إحداث الفرق. اكتبوا قصصكم. أخبرونا بالذي يفوتنا. غيّروا، ولا تتأقلموا!

Website by WhiteBeard