شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

غيّروا، لا تتأقلموا!
الكتابة تحت الأثر التدميري للنظام

الكتابة تحت الأثر التدميري للنظام

رأي نحن والحريات العامة

الجمعة 20 يناير 202309:25 ص

إحدى مآثر الثورة السورية أنها فتحت الباب مرة واحدة وإلى الأبد للكتابة بكثافة عن النظام السوري، أو لنقده وإعمال النظر في آثاره التدميرية على سوريا وأبنائها، والحال أن الكتابات النقدية لأي نظام كان تتوالد مع توالده ولكن مع نظام كالنظام السوري لا تتاح الفرصة للنقد إلا من خارج البلاد.

أشار الفيلسوف الألماني مارتن هايدغر مرّة إلى أننا لا نفكر إلا تحت تأثير ما، وهذا ينطبق على الكتابة، بحيث نستطيع أن نقول إننا لا نكتب أيضاً إلا تحت تأثير ما. ولكن تحت أي تأثير نكتب عندما نكتب عن النظام السوري؟

إشكالية الأثر شاسعة وصعبة ومعقدة إلى حد لا يمكن لأحد أن يستنفد القول فيها، ونحن لن نستطيع هنا إلا أن نضيء على جزء صغير يندرج تحت الآثار التي خلّفها النظام.

تدمير المدن

منذ بداية الثورة، أعلن النظام شعار "الأسد أو نحرق البلد" موضحاً أن رأس الهرم فيه أكثر أهمية من البلاد وما فيها، وما فعله أثناء الثورة أثبت ذلك بشكل قاطع، إذ لم يتوانَ عن تدمير المدن السورية بما فيها حلب، العاصمة الصناعية الاقتصادية التي تتضمن أكبر رؤوس للأموال بالاشتراك مع دمشق.

صار العالم كله يعرف صور خراب المدن السورية، أما أبناء المدن فحملوا من جراء ذلك الخراب حزناً وبؤساً لا يطاقان، فالمدينة من ضمن ما تمثله، تمثل أفقاً للصداقة ومساحة للتعدد والانتماء وخزّاناً للذاكرة. هذا كله ترك أثراً كبيراً في الكتابة عند جميع مَن كتبوا عن المدن السورية، نستطيع أن نتلمسه بيسر غالباً في نصوصهم. صارت الكتابة عن هذه المدن، بطريقة أو بأخرى، كتابة عن هول تدمير المدن، وهذه الكتابات، على اختلاف أساليبها، كثيراً ما احتوت على رثاء أو تقريظ للمدن وعلى ما تمثله في نفوس الأفراد والجماعات المنتمية إليها.

تدمير الدولة

ثمة خلط مفاهيمي يقع فيه بعض الناس، وهو الخلط بين النظام والدولة، إذ يتكلم أحدهم عن النظام معتقداً أنه يتكلم عن الدولة أو بالعكس، والحال أن الدولة السورية التي يسبق وجودها وجود النظام البعثي هي إحدى الأشياء التي دمّرها النظام.

"أبناء المدن السورية حملوا من جراء تدميرها وخرابها حزناً وبؤساً لا يطاقان، فالمدينة من ضمن ما تمثله، تمثل أفقاً للصداقة ومساحة للتعدد والانتماء وخزّاناً للذاكرة"

مما يثير الحنق أن النمط الذي اختاره البعث عبر مراحله المتعاقبة في حكم الدولة هو الدولة الأمنية، وهذه لا أسف إذا انهار طابعها الأمني، إلا أن المؤسف هو حرمان السوريين من الدولة الديموقراطية التي كان احتمال الوصول إليها وارداً قبل الحكم البعثي. الدولة الأمنية حرمت السوريين من هذا الحلم وأجّلت مشروع المواطنة إلى أجل غير معلوم، وهذا ترك أثراً كبيراً ملحوظاً في النصوص التي كُتبت عن الدولة السورية.

كثير من هذه النصوص حللت ونقدت بنية دولة البعث الأمنية، والثابت أن ما قام به النظام الأسدي من تدمير لمشاريع أو خيارات بناء الدولة غير الأمنية ترك أثراً طويل العمر، ونستطيع القول بصيغة أخرى إن الكتابة عن الدولة الأمنية الأسدية هي كتابة عن تدمير مشاريع الدولة الديموقراطية أيضاً وعن مؤسسات الدولة المنهارة، وعن تاريخ دولة لم تحفظ كرامة أبنائها ولا حقوقهم.

تدمير النفوس

طال الأثر التدميري للنظام جميع مفاصل الحياة في سوريا، إلا أن واحدة من أخطر نتائجه، وربما هي الأخطر، كانت تدمير نفوس السوريين، فأن يشاهد ويعيش السوري تحت وطأة النظام يعني أن يتعرض لتدمير نفسي بالغ الأثر. ليس تدمير الدولة والمدن السورية في أحد وجوهه إلا صورة أخرى من صور التدمير النفسي الذي لحق بالسوريين.

"الدولة الديموقراطية كان احتمال الوصول إليها وارداً قبل الحكم البعثي. الدولة الأمنية حرمت السوريين من هذا الحلم وأجّلت مشروع المواطنة إلى أجل غير معلوم"

قال فيكتور هوغو مرة إن النفس أكبر من العالم، بالتالي فإن التدمير للنفس يبدو تدميراً للعالم أيضاً، فللنفس عالمها، بل عوالمها، وأثر تدمير هذه العوالم يبدو بشكل لا يخفى على العين في جميع النصوص التي كتبت تحت عنوان النفس لدى السوريين، أي أن كتابة السوريين عن أنفسهم أصبحت في أحد أبرز أشكالها بسبب سياسة النظام التدميرية كتابة عن التدمير النفسي الذي أصابهم، وبطبيعة الحال فإن الكتابة عن التدمير النفسي تعني من ضمن ما تعني الكتابة عن قتل الآمال والطموحات والأحلام على المستوى الفردي والجماعي، إلا أن مصادر النفس السورية المتعددة الضاربة في التاريخ تبقى عصيّة على التدمير النهائي والحق أن النظام حاول بكل الطرق أن يدمر حتى الماضي السوري وليس فقط الحاضر والمستقبل.

احذر: المطالبة بالإصلاح ستودي بكم خلف القضبان. هكذا هو الحال في بلادنا وهو حال نرفضه. شاركونا في أن نكون النسخ التي نسعى أن نكونها ضمن مجتمعاتنا، أن نتجرأ على البوح، وعلى العمل، وعلى إحداث الفرق من دون أن نرتعب من العواقب. شاركونا بما يدور في رؤوسكم حالياً. غيّروا، ولا تتأقلموا!

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

شكل حياتنا اليومية ستتغيّر، وتفاصيل ما نعيشه كل يوم ستختلف، لو كنّا لا نساوم على قضايا الحريات. "ثقافة المساومة" هذه هي ما يساعد الحكام على حرماننا من حريات وحقوق كثيرة، ولذلك نرفضها، ونكرّس يومياً جهوداً للتعبير عن رفضنا لها، والدعوة إلى التكاتف لانتزاع ما لنا من قبضة المتسلّطين. لا تكونوا مجرد زوّار عاديين، وانزلوا عن الرصيف معنا، بل قودوا رحلتنا في إحداث الفرق. اكتبوا قصصكم. أخبرونا بالذي يفوتنا. غيّروا، ولا تتأقلموا!

Website by WhiteBeard