شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

غيّروا، لا تتأقلموا!
أسرار مؤامرة لوزان غير الموجودة... أسطورة العام 2023

أسرار مؤامرة لوزان غير الموجودة... أسطورة العام 2023

رأي نحن والخطاب الديني

الخميس 12 يناير 202301:25 م

مثل الجميع، تثيرني قصص المؤامرات، ويبهجني كشف الستر عن الأسرار. ومثل الجميع أيضاً، تلذذتُ خلال السنوات الماضية بمقال هنا وتحليل هناك، يستخدم اقتراب العام 2023 تفسيراً لكل خبايا الشرق الأوسط، وأداةَ تنبّؤٍ لمآلاته. يفضح خطّة سريّة، يدسُّ يده في قاع الكيس ليخرج الأحجية التي صُمِّم الشرق وفق دهاليزها (بالطبع سيكون الفعل مبنياً للمجهول).

تم إعطاء هذا الموعد بُعداً طقوسياً، يشبه علامات الأحداث الكونية الكبرى. ففيه سيكون قد مضى 100 عام على معاهدة لوزان، وستنفكُّ جميع العقد والقيود التي وضعتها، وسيصبح بإمكان تركيا التنقيب عن النفط ثانية، بعد أن مُنعت عنه مائة عام، وستستعيد الموصل، وتضيف منبج واعزاز وإدلب إلى أورفة وأضنة ومرعش، ربما ستعين قائم قام في ليبيا، وتفرض الجزية على مصر بعد أن تعيد ـ ربما ـ توحيدها مع السودان. قد تنبش بعض القبور في اليونان، وتبني بعض المقامات في قبرص، وسيصبح من حقها أن تفعل الكثير الكثير من الأشياء التي لا يعلمها إلّا الله.

إنها تنتظر هذه اللحظة منذ قرن، وتخطط لها بصمت، مستغلةً غفلةَ بقية العالم، وانشغاله بشؤون الدنيا الفانية. اللهم باستثناء القوى الكبرى التي تشاركها التخطيط السري.  

تم إعطاء اقتراب العام 2023 بُعداً طقوسياً، يشبه علامات الأحداث الكونية الكبرى. ففيه سيكون قد مضى 100 عام على معاهدة لوزان، وستنفك جميع العقد والقيود التي وضعتها.

دولٌ ستزول، دول ستتقسّم، حقول نفط ستنفجر، طوائف ستجبر على تغيير عقائدها، عائلات ستهجّر من قراها، خرائط سترتَجّ، وجيوش تتحرك.

لا أعرف كيف بدأ الأمر، ومن الذي كشف لنا خيوط هذه المؤامرة، ولكن لا بد أن محللاً سياسياً قد سمع مسؤولاً تركياً ينوح تحسّراً على الظلم الذي حاقَ بأمته في عام 1923، أو شاهد الرئيس التركي نفسه يلوح بيده في اجتماع شعبي ما، قبيل انتخابات ما، مهدّداً بإجبار العالم على إعادة النظر في شروطها المجحفة، مستخدماً لغةً شعبوية تليق بالمناسبة لا بالموضوع.

والأرجح، أن هذا المحلل كان سورياً أو عراقياً (يااه لو كان لبنانياً ثمانيآذارياً)، التقط اللحظة، وبنى عليها تفسير كل شيء، مستخدماً أدوات العقل الشرقي كلها: لماذا الآن؟ انظروا إلى التوقيت، هل هي صدفة؟ ولماذا في هذه المنطقة بالذات؟ هل تمت زيادة صادرات بسكويت أوريو بشكل بريء؟ لاحظوا كم ارتفعت أوقية الذهب في العام الذي سبق نهاية صلاحية الاتفاقية، والتأرجح المريب لسعر صرف اليورو أمام الدولار. هل انتبه أحد إلى أن أول توقيع من جهة اليسار على الاتفاقية هو توقيع السير هوراس مونتاجو رامبولد. وفي حال انتبه، فهل فهم علاقة ذلك باستعجال بريطانيا الخروج من الاتحاد الأوربي قبيل نهاية لوزان؟ وبالطبع سيكون غاز المتوسط في مقدمة أو مؤخرة كل تحليل، فهو الكنز الذي يجب إبقاء مغارته مغلقة حتى يحين الموعد المقدس.

كي لا أبالغ، وأبدو متحاملاً أو متهكمّاً، فبصراحة لم أسمع أحداً حتى الآن يربط بين اقتراب عام 2023، وبين إلغاء الحكم لهدف ميسي الثاني على فرنسا (آآه، لم يلغه. بات الأمر أوضح إذاً). ولم أرَ أية دلالات في حدث المرأة البلغارية حمراء الشعر (أقصد صوفيا ذاتها) التي أنجبت في الدقائق الأخيرة من عام 2022 طفلة حمراء الشعر وأسمتها صوفيا أيضاً.  

مثل الجميع، تثيرني قصص المؤامرات، ويبهجني كشف الستر عن الأسرار. ومثل الجميع أيضاً، تلذذتُ خلال السنوات الماضية بمقال هنا وتحليل هناك، يستخدم اقتراب العام 2023 تفسيراً لكل خبايا الشرق الأوسط، وأداةَ تنبّؤٍ لمآلاته

عني شخصياً، فقد بدأت اليوم الأول من العام الجديد بشكل لائق: استيقظت في السابعة، صنعت فنجان قهوة، فتحت ملف النص الكامل للمعاهدة (بترجمة المعهد المصري للدراسات). بدأ قلبي يدق، وأنا أهمّ بالدخول إلى اجتماع المحفل الغامض. شعرت أني ألجُ غرفةً ذات جدران خشبية وإضاءة صفراء خافتة تغطي الربع الأسفل من الغرفة المهيبة، كدت أشعر بوجود الرجال العجائز الجالسين فيها، دون أن أنجح برؤية ملامح وجوههم، بسبب ارتفاع مستوى الإضاءة المدروس بخبث.

مع توالي الصفحات كانت إضاءة الغرفة ترتفع، الخشب يزول، الرجال يغادرون، دقات قلبي تخفت. الإثارة والترقب يتلاشيا ليحل محلهما الإحباط والملل.

عند الصفحة 65 قلت لنفسي بضجر: يا للبؤس، مجرد واحدة أخرى من آلاف الاتفاقيات التي يوقعها المهزومون في نهايات الحروب: تثبيت لاتفاقيات سابقة لترسيم الحدود، مواعيد (من قبيل ثلاثة وستة أشهر) لإنهاء ترسيم الحدود من الجهة الأخرى، التزامات متنوعة بالتعرفات الجمركية والبرق والبريد، وعود بحماية حقوق المسيحين الأرثوذكس في تركيا، وحماية حقوق المسلمين في اليونان، مُهل وإجراءات لمغادرة الرعايا الموجودين في دول أخرى، جدولة للديون السابقة، توضيح لمصير عقود التأمين، التزام تركيا باتفاقية 3 نوفمبر 1881 بشأن التدابير الاحترازية ضد حشرة فيلوكسرا، واتفاقية 7 يونيو 1905 بشأن إنشاء معهد زراعي في روما، واتفاقية برن لحظر استخدام الفوسفور الأبيض في صناعة أعواد الثقاب.    

بدأت اليوم الأول من العام الجديد بشكل لائق: استيقظت في السابعة، صنعت فنجان قهوة، فتحت ملف النص الكامل للاتفاقية (بترجمة المعهد المصري للدراسات).

مع توالي الصفحات كانت إضاءة الغرفة ترتفع، الخشب يزول، الرجال يغادرون، دقات قلبي تخفت. الإثارة والترقب يتلاشيا ليحل محلهما الإحباط والملل.

المادة الوحيدة التي أعتقد أنه يمكن المراجعة بشأنها، هي الفقرة 6 من المادة 100، حيث تلتزم تركيا باتفاقية 4 مايو 1910 بشأن محاربة المطبوعات البذيئة، فكل الدول الإحدى عشرة الموقعة على الاتفاقية أوقفت حربها على المطبوعات البذيئة منذ زمن طويل.

إذاً، لا تاريخ صلاحية للاتفاقية، ولا ذكر للنفط ولا للتنقيب عنه، ولا قيود على سيطرة تركيا على المضائق والبحار، ولا واحدة من تلك القنابل المطمورة التي تستحق نسج مؤامرة.

دولة خسرت الحرب العالمية الأولى، فتقلصت، وتخلت عن المساحات الواسعة التي كانت تتبع لها، وانكفأت على ذاتها لتعيد صياغة نفسها من جديد بروح جديدة، ووقّعت مع المنتصرين اتفاقية تشبه بيان ولادة الجمهورية التركية، والذي سيتضمن بالضرورة بيان وفاة السلطنة السابقة. حصلت على اعترافهم باستقلالها، مقابل اعترافها باستقلال دول أخرى كانت تعتبرها جزءاً منها.

حصل هذا كثيراً عبر التاريخ، وسيحصل دائماً، كما سيبقى في كل أمّة من تدفعه الحميّة القومية للمطالبة بأقصى ما وصل إليه إرث الأجداد، فكلنا يعرف عرباً يريدون استعادة الأندلس، وطليان يريدون تجديد أمجاد روما، وسوريين لم يستوعبوا بعد كيف أصبح لبنان دولة مستقلة، ولبنانيين متحسرين على الهوية غير الفينيقية التي ألصقت بهم غصباً، وروس يرون في بوتين فرصة نادرة لاستعادة بطرس الأكبر، فهل نستكثر على تركي، حتى لو كان رئيس جمهورية أو رئيس تحرير صحيفة، أن يحلم ويتوهم كما يشاء؟

الأرجح أن قضية مثل الموصل أو قبرص لها رأس مدبب سيظل ينخز في خاصرة الروح القومية التركية، ولو مرّت مئة سنة، فالموصل أول مدينة عربية دخلتها القوات العثمانية 1516، وهي آخر مدينة خسرتها، في آخر يوم من الحرب العالمية الأولى، واكتشف البريطانيون النفط فيها بعد وقت قصير من تخلي تركيا عنها بموجب الاتفاقية.

أما قبرص فقد كانت الدولة العثمانية قد أجّرتها (نعم أجّرتها لقاء بدل سنوي) منذ عام 1887، وضمتها المستأجرة (بريطانيا) بعد هزيمة المؤجر، وثبّتت معاهدة لوزان كل ذلك.  

يمكن أن نقرأ لباحث عربي (إسلامي) بين الفينة والفينة بحثاً ترد فيه عبارات "غير بحثية" من قبيل "وكان من نتائج معاهدة لوزان المشؤومة: إعلان علمانية الدولة بعد أن كانت خلافة إسلامية مباركة"  

صحيح أننا يمكن أن نقرأ لباحث عربي (إسلامي) بين الفينة والفينة بحثاً ترد فيه عبارات "غير بحثية" من قبيل "وكان من نتائج معاهدة لوزان المشؤومة: إعلان علمانية الدولة بعد أن كانت خلافة إسلامية مباركة"، ولكن هذا لا يلغي حقنا في القول باللغة العربية نفسها: من طبيعة الأشياء أن يؤدي تغير ميزان القوى لتغيير المعاهدات والاتفاقيات والدساتير، ولكن هذا ليس شؤماً ولا بركة، لا تتعلق بحركة النجوم، وبالتالي لا تصلح للتبصّر بالمصائر.

وستنتهي معاهدة لوزان، كما سينتهي ميثاق الأمم المتحدة، وقانون التسلل في كرة القدم، حين تتراكم التغيرات الكمية إلى الدرجة الكافية لفرض شروط جديدة.

ومع كل أسف، لا تصلح معاهدة لوزان لإشباع هذه الرغبة العميقة الغريبة لدينا بالعثور على خطة سرية، مؤامرة نعلّق عليها فشلنا وحُمق حكّامنا.

هل يمكن لأفكارٍ تخطّى عمر بعضها الألف سنة، أن تتحكم بمجرى حياتنا اليوم؟ بالطبع لا. شاركونا ما يدور في رؤوسكم حالياً. غيّروا، ولا تتأقلموا!.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

لا يزال الماضي يحكمنا ويمنعنا من التقدّم، ولا يزال فقهاء عصرنا ينسخون من أفكارٍ بعضها فاق عمره الألف سنة، من دون التفكير في العلاقة بين النص الديني والواقع المعيش، وهو ما نسعى يومياً إلى تحدّيه، عبر احتضان الأفكار التجديدية الساعية إلى بناء عقد اجتماعي جديد يحدد دور الدين في الحياة ويحرره من السلطة السياسية. لا تكونوا مجرد زوّار عاديين، وانزلوا عن الرصيف معنا، بل قودوا رحلتنا في إحداث الفرق. اكتبوا قصصكم. أخبرونا بالذي يفوتنا. غيّروا، ولا تتأقلموا!.

Website by WhiteBeard