شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

اشترك/ ي وشارك/ ي!
بلال وتوكس يرويان عن

بلال وتوكس يرويان عن "صداقة انتهت"... وتجربتهما مع "تحرير الشام" وفي سوريا

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

سياسة نحن والتطرف

السبت 24 ديسمبر 202210:07 ص
Read in English:

The politics of survival: Two journalists recount their experience with "Tahrir al-Sham" in Syria

ليس من المستغرب أن يكون بلال عبد الكريم، الصحافي الأمريكي الذي يعيش في سوريا منذ عام 2012، كوميدياً في حياة أخرى، ومن المحتمل أن يكون ميله إلى الاعتماد على التشبيهات والنكات والفكاهة السريعة والتعامل المرح، قد أثبت أنه مفيد في شقّ طريقه عبر مشهد شمال سوريا الفوضوي الذي تسيطر عليه الجماعات المسلحة.

وعلى الرغم من أنه شخصية مثيرة للجدل إلى حد ما، إلا أن منتقدي بلال يكنّون مستوى معيّناً من الاحترام له، ويرون أنه بعد عشر سنوات من الحرب لا يزال على قيد الحياة، ولا يزال يغطي الأحداث ويقدّم تقاريره.

في الواقع، شخصية بلال وخبراته (ذكاء الشوارع) -كما قال لنا توقير "توكس" شريف (من أصول باكستانية ويحمل الجنسية البريطانية والملقب بأبي حسام البريطاني)، وهو صديق مقرب من بلال وزميله- قد سمحت للأخير بالنجاة من التحديات المستمرة التي قد يواجهها المرء في شمال سوريا.

بلال وتوكس، هما اثنان من آلاف الأجانب الذين توافدوا إلى سوريا بعد اندلاع الثورة السورية في عام 2011. وعلى عكس الغالبية العظمى من المهاجرين، لم يشاركوا مباشرةً في النزاع، وبدلاً من ذلك، عمل بلال صحافياً وتوكس عامل إغاثة.

بالنسبة للبعض، هما رجلان شجاعان عرّضا نفسيهما للخطر من أجل مساعدة ضحايا الحرب الوحشية الأبرياء، وبالنسبة للآخرين، هما إرهابيان، أو على أقل تقدير، هما إرهابيان داعمان لجماعات إرهابية.

والسبب في أن بلال وتوكس يبرزان كثيراً مقارنةً بالمهاجرين الآخرين، إلى جانب حضورهما النشط "نسبياً"، على وسائل التواصل الاجتماعي، هو موقفهما من هيئة تحرير الشام، المعروفة سابقاً بجبهة النصرة وأقوى جماعة مسلحة في سوريا.

وفي حين وقف مهاجرون آخرون، مثل عبد الصمد داغول وشاجول إسلام وإبراهيم بن مسعود، وهم ناشطون في شمال سوريا في الإغاثة والصحافة، إلى جانب هيئة تحرير الشام، قام بلال وتوكس بالتحدث ضدها.

بالنسبة للبعض، هما رجلان شجاعان عرّضا نفسيهما للخطر من أجل مساعدة ضحايا الحرب الوحشية الأبرياء، وبالنسبة للآخرين، هما إرهابيان

وعلى الرغم من وجود عنصر أيديولوجي يفسر سبب اختيار بعض المهاجرين البقاء مع هيئة تحرير الشام، وأن يتحدث آخرون، مثل بلال وتوكس، ضدها، إلا أن القضية في النهاية تتعلّق بالبقاء.

الحرب الطويلة

كان ريفا إدلب وحلب من أول المناطق في سوريا التي شهدت سيطرة الجماعات المسلحة على أجزاء كبيرة من الأراضي السورية في صيف عام 2012. في تلك الأيام، كانت الفصائل والجماعات المسلحة غير منظمة وغير مجهزة، وربما تمكنت فقط من تحقيق تقدم في تلك المناطق، بسبب قربها من تركيا والازدراء العام بين السكان، للنظام السوري في عهد بشار الأسد.

ومن بين المئات -إن لم تكن الآلاف- من الجماعات المسلحة التي نشأت في ذلك الوقت، برزت اثنتان، جبهة النصرة وأحرار الشام، وهما حركتان سعتا إلى استبدال الحكومة السورية بسلطة إسلامية تتّبع مبادئ الشريعة الإسلامية.

كانت جبهة النصرة نتاجاً لتنظيم الدولة الإسلامية المتحالفة مع تنظيم القاعدة (والتي ستصبح في ما بعد الدولة الإسلامية في العراق وسوريا، أو داعش). وسرعان ما أصبحت جبهة النصرة، بقيادة "أبو محمد الجولاني"، أحد المحاربين القدامى في حرب العراق، مجموعةً بارزةً بين المعارضة المسلحة، إذ كان مقاتلوها الأفضل تسليحاً والأفضل تدريباً، وكان لديهم تمويل أقوى.

في المقابل، كانت أحرار الشام قوةً قتاليةً أكثر محليةً، يقودها جهاديون تم إطلاق سراحهم من سجون النظام السوري بعد وقت قصير من اندلاع الثورة السورية. وفي الواقع، كانت أحرار الشام هي التي استضافت بلال في البداية، عندما وصل إلى سوريا للمرة الأولى عام 2012، والتقى بأحد الأعضاء المؤسسين للجماعة، حسان عبود، الذي صار أميرها لاحقاً قبل أن يتم اغتياله عام 2014.

بين عام 2012 تاريخ وصول بلال إلى سوريا، وعام 2015، دخل الآلاف من المقاتلين الأجانب البلاد بأعداد كبيرة للقتال من جميع الجهات، مع انضمام العديد منهم إلى داعش بعد استيلائها على شرق سوريا وشمال العراق في عام 2014.

في هذا الوقت أيضاً، سافر كل من توكس وشاجول إسلام وعبد الصمد داغول إلى سوريا. في البداية، بدا هؤلاء المهاجرون ودودين للغاية مع بعضهم البعض، وراحوا يظهرون بانتظام على قنوات يوتيوب ووسائل التواصل الاجتماعي الخاصة ببعضهم البعض. فجميعهم كانوا من منتقدي داعش وأعمالها المروعة، بينما كانوا أيضاً من أشد المؤيدين للمعارضة المسلحة والثورة السورية عموماً، كما دعموا تنامي الطابع الإسلامي للثورة.

بعد سنوات قليلة من تغطية الحرب، أنشأ بلال عمليته الإعلامية الخاصة، "أخبار على الأرض (OGN)"، والتي لا تزال نشطةً. وفي صيف عام 2016 ، شق بلال وعبد الصمد، اللذان كانا يعملان آنذاك في OGN، طريقهما إلى حلب بعد هجوم لمجموعة مسلحة بهدف كسر حصار النظام على النصف الشرقي من المدينة الذي يسيطر عليه المتمردون.

أصبحت قصص العذيب في سجون هيئة تحرير الشام تصل إليّ أكثر وأكثر، لذلك بدأت بالتحدث معهم حول هذا الموضوع، وكان هذا في عام 2016، أو حتى قبل ذلك، فهل استمعوا إلى بلال المقرّب منهم حينها؟

ومع ذلك، تمكن النظام من إعادة فرض الحصار مع وجود بلال وعبد الصمد محاصرَين في الداخل. وبعد أربعة أشهر من الهجمات المستمرة، براً وجواً، تمكن الرجلان من إخلاء شرق حلب مع الفارين من مقاتلي المعارضة الذين أبرموا صفقةً مع روسيا.

التعذيب والصداقات المحطمة

بعد عامين آخرين من تغطية الحرب في إدلب، بدأت خلافات بلال مع هيئة تحرير الشام تطفو فوق السطح في عام 2019، وبعد سجن الشاب مروان العمقي وتعذيبه من قبل الهيئة، في نيسان/ أبريل من العام نفسه، أجرى بلال مقابلةً مع والدة العمقي، التي زعمت بأن هيئة تحرير الشام عذبت ابنها حتى الموت.

وأكد بلال أنه وجّه انتقادات خاصةً حول بعض ممارسات هيئة تحرير الشام قبل عام 2019، لكن لم تكن لديه الأدلة اللازمة للإدلاء ببيان علني، وقال لرصيف22: "منذ عام 2014، بدأت أسمع عن أشياء مثل وجود تعذيب في سجون هيئة تحرير الشام، أو جبهة النصرة كما كانت تُعرف في تلك الأيام: ‘فعلوا هذا وفعلوا ذاك’. أسمع الكثير من الأشياء عن الكثير من الناس، لكن ليس لدي أي شيء ملموس، ولا شيء ثابتاً، لأنهم كانوا وقتها يتنافسون على الشرعية الإسلامية، وتالياً كانت الأمور مخفيةً أكثر في تلك الأيام".

وتابع: "مع مرور الوقت، أصبحت تلك القصص تصل إليّ أكثر وأكثر، لذلك بدأت بالتحدث معهم حول هذا الموضوع، وكان هذا في عام 2016، أو حتى قبل ذلك: ‘شباب، عليكم أن تأخذوا الأمور برويّة مع السجناء، ولا يمكنكم العمل بهذه الطريقة’، وهكذا دواليك".

وأضاف بلال أنه لن يظهر أحد أمام الكاميرا لتوجيه الاتهامات المذكورة، وبصفته صحافياً، لا يمكنه المضيّ قدماً في هذه الادعاءات ما لم يكن لديه دليل قوي.

في هذا الوقت أيضاً، توقف عبد الصمد عن العمل لدىOGN ، وكان آخر ظهور له فيها في 15 آذار/ مارس عام 2019، قبل شهر واحد فقط من نشر بلال مقابلته مع والدة العمقي.

وقال بلال: "كنت أنا وعبد الصمد داغول في حصار حلب، وحتى بعد انتهاء حصار حلب، كنا لا نزال صديقين جيدين، وقال باختصار إنه لن يستمر مع OGN بعد الآن، وانتهى به الأمر إلى العمل في وكالة الأناضول... ولم أكن منزعجاً، على الشخص أن يفعل ما عليه أن يفعل، وكنا لا نزال على وفاق".

وأوضح: "عندما أصبحت كل هذه الأشياء واضحةً كلياً بشأن التعذيب والاحتجاز إلى أجلٍ غير مسمى وبعد تخلّي هيئة تحرير الشام عن أراضٍ من دون القتال من أجلها، جلست في منزل عبد الصمد داغول، وناقشت الأمر معه، وقلت له: 'أخي، لا يمكنك الاستمرار في دعم هؤلاء الناس'".

ثم، في وقت لاحق، في عام 2020، ألقت هيئة تحرير الشام القبض على توكس، وسجنته، وتعرض -بحسب روايته- للتعذيب على أيدي أعضاء هيئة تحرير الشام.

"الآن، عندما تم القبض على توقير ‘توكس’ شريف وأجريت المقابلة، اتصل بي بعدها، وأخبرني بأنني كذبت، وأنني قد قلت بعض الأكاذيب. قلت له: 'حسناً، لا بأس، هذا عادل بما يكفي، فقط أخبرني أين، في رأيك، كذبت؟ ويمكنني إما الاعتذار عنه، أو شرحه، أو ما إلى ذلك'، ولكن لم يرد"، يقول بلال.

في أثناء احتجاز توكس، ادعى شاجول إسلام بأن توكس كان يعامَل معاملةً جيدةً، مما أدى إلى إصدار بلال تقريراً يتهم الطبيب بالكذب. وبعد فترة قصيرة، تم أيضاً سجن بلال نفسه من قبل هيئة تحرير الشام، ثم تم إطلاق سراح الرجلين في نهاية المطاف وإجبارهما على مغادرة إدلب إلى شمال حلب التي بحلول ذلك الوقت كانت قد أصبحت تحت سيطرة تركيا والقوة الموالية لها، الجيش الوطني السوري.

وقال جيروم دريفون، وهو محلل بارز لشؤون الجهاد في الصراعات الحديثة في "مجموعة الأزمات الدولية"، إن بلال وضع نفسه في مسار تصادمي مع هيئة تحرير الشام، من نواحٍ كثيرة، نظراً إلى أسلوبه الشخصي في الصحافة وطبيعته الصريحة.

وأوضح في حديثه إلى رصيف22، أن "بلال يضع نفسه في موقف صعب، بسبب طبيعة عمله؛ بدأ بتغطية جميع أنواع القضايا، الداخلية والخارجية. لدى هيئة تحرير الشام طريقة معيّنة للتصرف، ولديها ممارسات استبدادية، وفي مرحلة ما، أدرك أنه كان عليه تغطية ذلك".

بعد عامين آخرين من تغطية الحرب في إدلب، بدأت خلافات بلال مع هيئة تحرير الشام تطفو فوق السطح في عام 2019

وشرح دريفون أنه في نهاية المطاف يمكن للمرء أن يتفاوض مع هيئة تحرير الشام، وسيقدّمون تنازلات، لكنهم يفضلون القيام بالأشياء خلف الأبواب المغلقة بدلاً من القيام بها علناً. وقال: "الحقيقة هي أنه يمكنك التفاوض مع الهيئة بشأن العديد من الأمور، حتى عندما يتم احتجاز الناس وأشياء من هذا القبيل، كما أن الهيئة تقدّم تنازلات ولكن في السرّ".

ومن المثير للاهتمام، أنه في وقت سابق من هذا العام، اعترف عبد الصمد في بث مباشر في 12 شباط/ فبراير، بأن توكس قد "تعرّض لسوء المعاملة" في أثناء احتجازه لدى هيئة تحرير الشام، لكنها لم تكن مسألةً منهجيةً.

وأضاف عبد الصمد إلى الادّعاء بأنه بعد أن اشتكى توكس من تعرضه للتعذيب، قامت هيئة تحرير الشام باعتقال معذّبه، وهو رجل يقول عبد الصمد إنه يُدعى 'سراقة'، ثم سُمح لتوكس بمشاهدة 'سراقة' وهو يُجلَد كعقاب على إساءة معاملته.

إلا أن توكس أخبر رصيف22، بأن هذا غير صحيح ولم يحدث أبداً.

قرارات صعبة

ومن اللافت إلى حد ما، أن عبد الصمد داغول وشاجول إسلام لم يستجيبا عندما طلبنا إجراء مقابلة. في الأصل، بدا أن قرارهما بدعم هيئة تحرير الشام حتى بعد اعتقال أصدقائهم، وفي حالة توكس تعرّضه للتعذيب من قبل المجموعة، كان أيديولوجياً بحتاً.

ومع ذلك، بعد التحدث إلى بلال وتوكس، أصبح من الواضح أن الأيديولوجيا كانت عنصراً واحداً فقط، وربما ثانوياً، لهذا الاختيار.

بعد تحول جبهة النصرة إلى هيئة تحرير الشام، ركزت الجماعة بشكل متزايد على إنشاء سلطتها الإقليمية الخاصة، والتي أصبحت في نهاية المطاف "حكومة الإنقاذ السورية". كما بدأت الجماعة بقمع المعارضة، سواء من الجماعات المسلحة الأخرى أو الأفراد. وأصبح من الواضح في نهاية المطاف أنه لكي يعيش المرء في إدلب، وخاصةً بالنسبة للمهاجرين، يجب عليه أن يتبع خط هيئة تحرير الشام.

في هذا السياق، قال دريفون: "تتمتع هيئة تحرير الشام الآن بسيطرة جيدة. لقد أخضعت جميع الأجانب الآخرين، والأجانب الوحيدين الذين بقوا، هم الأجانب الذين يتفقون مع هيئة تحرير الشام، وإلا كانوا قد أُجبروا على المغادرة أو اضطروا إلى التزام الصمت أو تم اعتقالهم. لا توجد معارضة للهيئة. لم يعد مسموحاً بها بعد الآن".

وتابع: "إنه خيار صعب: إما أن تلتزم الصمت بشأن ما تفعله هيئة تحرير الشام وتركز فقط على الصراع، أو تخرج ضدها، ولكن بعد ذلك سوف تهاجمك، وهناك يتعلق الأمر بالبقاء على قيد الحياة".

من وجهة نظرهم، يعتقدون أن هيئة تحرير الشام على حق، وقد قرروا الوقوف إلى جانبهم، وهو أمر مثير للسخرية، ربما لأنهم خائفون... يروي توكس عن الذين لم يهتمّوا لتعذيبه

على الرغم من أن الواضح أنه من المستحيل معرفة دوافع عبد الصمد وشاجول إسلام، إلا أنه من المحتمل أن يكون الأمر متعلقاً بعنصرين: رؤية هيئة تحرير الشام على أنها أهون الشرّين، والرغبة في البقاء والحفاظ على حياتها في إدلب، بدلاً من العيش في المنفى مثل بلال وتوكس.

هنا، أوضح توكس لرصيف22، في شأن ما قالوه عنه في أثناء سجنه وتعرضه للتعذيب: "عندما تم اعتقالي، لم أكن على علم بالموقف الذي اتّخذوه، وحاولوا إخفاء كل شيء. لكن هذا ما يحدث للناس الذين ينحازون إلى جانب. من وجهة نظرهم، يعتقدون أن هيئة تحرير الشام على حق، وقد قرروا الوقوف إلى جانبهم، وهو أمر مثير للسخرية، ربما لأنهم خائفون".

وتابع توكس أيضاً ليقول إنهم ربما رأوا أن هيئة تحرير الشام هي أهون الشرّين، وفي نهاية المطاف، نظراً إلى أن هيئة تحرير الشام أفضل من النظام، فلا ينبغي انتقادها.

في ما يتعلق بالعنصر الأيديولوجي لخلافهم، أخبرنا توكس بأن الأمر حقاً يتعلق بالتعذيب وسحق أي معارضة. وقال: "إننا نعتقد أن التعذيب حرام في الإسلام، ونعتقد أنه غير إنساني. إنهم لسبب ما يعتقدون أنه يمكنك تعذيب الناس، وهنا يكمن الخلاف الرئيسي".

حاولنا الضغط أكثر وسؤال توكس وبلال حول سبب تحدثهما عن هيئة تحرير الشام وقتها، بدلاً من الوقت الذي ارتكبت فيه المجموعة جرائم خطيرةً أخرى في وقت سابق من النزاع.

بالنسبة لبلال، قال إنه تحدث إليهم على انفراد، ولم يتحرك ضدهم إلا عندما كانت لديه أدلة كافية.

بالنسبة لتوكس، كان ذلك عندما اعتقلوه، لأنه كان يعرف على وجه اليقين أن التعذيب كان يُستخدم في سجون هيئة تحرير الشام.

أخبرنا توكس: "في عملي، كعامل إغاثة، أحتاج إلى أن أكون أكثر دبلوماسيةً في الأشياء التي أقوم بها. لم أكن صريحاً جداً ضد المجموعات داخلياً".

مثل بلال وتوكس، كان على عبد الصمد وشاجول إسلام أن يختارا: هل سيتبعان الخط ويحافظان على حياتهما في إدلب، أم لا؟

في الشهر الماضي، دخلت هيئة تحرير الشام عفرين، وهي منطقة تقع شمال إدلب، ثم شرعت في التقدم نحو مدينة أعزاز

مستقبل إدلب وشمال حلب

في الشهر الماضي، دخلت هيئة تحرير الشام عفرين، وهي منطقة تقع شمال إدلب، ثم شرعت في التقدم نحو مدينة أعزاز الرئيسية، التي يقيم فيها بلال. وكانت ذريعة التقدم هي الاقتتال الداخلي بين فصائل الجيش الوطني السوري، والذي بدأ عندما هاجم الفيلق الثالث فرقة الحمزة في مدينة الباب، بعد أن اغتالت فرقة الحمزة الناشط البارز محمد أبو غنوم وزوجته الحامل.

واجه الفيلق الثالث، الذي تسيطر عليه الجبهة الشامية وجيش الإسلام، فرقة الحمزة وحليفيها الرئيسيين، فرقة لواء السلطان سليمان شاه وأحرار الشام.

وقررت هيئة تحرير الشام التدخل إلى جانب فرقة الحمزة، وانتقلت بسرعة إلى مدينة عفرين قبل أن تواجه مقاومةً شديدةً من الفيلق الثالث في كفر جنة.

ومن المثير للاهتمام أن سياسة المهاجرين كانت قد تنبأت في الواقع بهذه السلسلة من الاشتباكات قبل عام تقريباً من وقوعها.

وفي تشرين الأول/ أكتوبر 2021، تحركت هيئة تحرير الشام لطرد مسلم الشيشاني وحلفائه من جبال التركمان وجسر الشغور الغربي. فأصدر الشيشاني، الذي كان مقرباً من بلال، بياناً عبر OGN، قبل أن يغادر مخبأه إلى شمال حلب في النهاية.

وأوضح دريفون أن هذا كان مجرد مثال آخر على قيام هيئة تحرير الشام بتعزيز سيطرتها على المناطق التي تقع ضمن ولايتها. وقال: "الصورة الأكبر هي، في نهاية المطاف، هيئة تحرير الشام، وإنشاء نظام عسكري جديد. المشكلة هي أن أشخاصاً مثل الشيشاني وغيره، لم يفهموا أن الحرب قد تغيرت".

بعد ذلك، في بث مباشر في 5 شباط/ فبراير مع عبد الصمد إبراهيم بن مسعود، ذكر إبراهيم أن هيئة تحرير الشام ستحاول في النهاية توحيد المعارضة في شمال حلب. وفي وقت لاحق، ألمح عبد الصمد مرةً أخرى إلى أن هيئة تحرير الشام ربما تسعى إلى السيطرة على شمال حلب، لكنها لم تكن أولويةً قصوى.

"هناك أهداف مستقبلية، لتوحيد جميع المناطق بشكل أساسي، ولكن هذا صعب سياسياً، لأن تركيا منخرطة تماماً في تلك المناطق. وفي تلك المناطق، تركيا لها الكلمة الأخيرة. لذا، فقط إذا سمحت تركيا لهيئة تحرير الشام، فستكون هذه هي الطريقة الوحيدة لتدخل هيئة تحرير الشام إلى تلك المناطق، أو ستضطر إلى القتال وتالياً الخروج بشكل أساسي من الجيش الوطني السوري، مما قد يتسبب في إراقة دماء أخرى بين المسلمين... لذلك، لا أعتقد أن هذا هو هدف هيئة تحرير الشام في الوقت الحالي"، كما أوضح عبد الصمد في منتصف شباط/ فبراير.

في ذلك الوقت، كانت هناك مخاوف جدية من أن النظام السوري وروسيا كانا على وشك بدء هجوم للسيطرة على منطقة جبل الزاوية في إدلب، والتي تقع في الجزء الجنوبي من أراضي هيئة تحرير الشام. ومع ذلك، بعد بضعة أسابيع فقط، غزت روسيا أوكرانيا، ولم تحدث مثل هذه العملية.

ضاع النضال من أجل مبادئ الثورة في مكان ما، وأصبح الأشخاص الذين يناضلون من أجل تلك المبادئ الفعلية يُنظر إليهم الآن على أنهم ديناصورات، وأشخاص غير واقعيين... يروي الأمريكي الذي لا يريد مغادرة سوريا

وفي ما يتعلق باشتباكات الشهر الماضي، واصل بلال وتوكس الوقوف ضد تقدم هيئة تحرير الشام، وتغطية الاحتجاجات التي وقعت في أعزاز ضد هذا التحرك. في الواقع، تعرّض توكس للتهديد عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

فقد أوضح توكس أن "من يهدد على تويتر، هم مجرد متصيّدون (trolls)، لكن الأشخاص الذين كانوا يرسلون رسائل إلي على تيليغرام Telegram ، أفترض أنهم أشخاص يعرفونني، لكن من الواضح أنهم أخفوا هويتهم ليظلوا مجهولين أيضاً. لقد كان لدينا تواصل مستمر معهم، وخاصةً أعضاء هيئة تحرير الشام [الناطقين باللغة الإنكليزية] أيضاً".

ولحسن حظ بلال وتوكس، تدخّل الجيش التركي ومنع هيئة تحرير الشام من الاستيلاء على أعزاز. وكان هناك الكثير من الجدل حول ما إذا كانت الحكومة التركية قد أعطت الضوء الأخضر لعملية هيئة تحرير الشام، لكن بلال وتوكس وجيروم دريفون أشاروا إلى أن هذا لم يكن على الأرجح هو الحال.

وأوضح دريفون: "لا أعتقد أن تركيا تريد أن تذهب هيئة تحرير الشام إلى هناك، لأن هناك مسألة تصنيف إرهابي، وليس من الممكن لتركيا أن توافق على ذلك ببساطة".

والآن، وبعد شهر من الإدراك المتأخر، يبدو أن تركيا لم تعطِ الضوء الأخضر بشكل صريح لكي تتقدم هيئة تحرير الشام، لكنها أيضاً لم تتدخل بالسرعة التي كان بإمكانها القيام به. وفي الواقع، ربما تكون تركيا قد رأت في تقدم هيئة تحرير الشام وسيلةً للضغط على فصائل الجيش الوطني السوري لتشكيل قيادة موحدة أكثر.

وأخيراً، سألنا بلال عن شعوره تجاه أحرار الشام، المجموعة التي استضافته في البداية عندما وصل إلى سوريا للمرة الأولى، ووقفت إلى جانب هيئة تحرير الشام ضد الفيلق الثالث. فقال: "لقد بدأ وضع البقاء على قيد الحياة بين الكثير من الناس يصبح هو المطلوب، وضاع النضال من أجل مبادئ الثورة في مكان ما، وأصبح الأشخاص الذين يناضلون من أجل تلك المبادئ الفعلية يُنظر إليهم الآن على أنهم ديناصورات، وأشخاص غير واقعيين". 

في الواقع، كثر ممن حاربوا من أجل المُثُل العليا للثورة السورية ماتوا قبل فترة طويلة، أو هم في المنفى. لم يعد الجيش السوري الحر، الذي كان أول مجموعة رئيسية تتشكل ضد النظام، يتمتع بأي نفوذ. والعديد من الناشطين الأوائل الذين طالبوا بالعدالة والحرية، ماتوا أو هم في السجن أو في المنفى. وحدهم المتهكمون، مثل بشار الأسد وأبو محمد الجولاني، نجوا. وفي كلتا الحالتين يستمر عمل بلال وتوكس مع استمرار الحرب المدمرة في سوريا.

إنضمّ/ي إنضمّ/ي

رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

ثورتنا على الموروث القديم

الإعلام التقليديّ محكومٌ بالعادات الرثّة والأعراف الاجتماعيّة القامعة للحريّات، لكنّ اطمئنّ/ ي، فنحن في رصيف22 نقف مع كلّ إنسانٍ حتى يتمتع بحقوقه كاملةً.

Website by WhiteBeard