من "الجهاد" إلى الحرب على "الجهاد"... من هو مسلم الشيشاني آخر ضحايا "تحرير الشام"؟

الثلاثاء 23 نوفمبر 202104:14 م

أواخر تشرين الأول/ أكتوبر الماضي، هاجمت قوات "هيئة تحرير الشام" تنظيم "جنود الشام" الذي يقوده مسلم الشيشاني، صاحب التاريخ الجهادي الذي يُوصف بين أوساط "المجاهدين الإسلاميين" بالكبير. وعلى الرغم من أن الشيشاني لا علاقة له بداعش، ولم ينخرط يوماً في أي خلاف بين الفصائل المختلفة، ولم يقم بشن هجمات على هيئة تحرير الشام، ولا توجد أي خلفية عدائية سابقة بينهما، فإن هذا يطرح تساؤلات عن الهدف الحقيقي من وراء هجوم أبو محمد الجولاني على جماعة الشيشاني، خصوصاً وأن الهجوم أتى في ظل التصعيد الروسي على إدلب.

في أواخر عام 2012، وصلت إلى سوريا بعض المجموعات الجهادية الصغيرة، وكان من بينها رجل ذو خبرةٍ كبيرةٍ في القتال، اسمه الحركي مسلم أبو وليد الشيشاني، واسمه الحقيقي مراد مارغوشفيلي، من مواليد عام 1972، وينحدر من القبائل الشيشانية التي تعيش في منطقة القوقاز.

اكتسب الشيشاني خبرةً عسكرية كبيرة من خلال مشاركته في الحربين الشيشانيتين الأولى والثانية، وقتاله في الصف الأول بجانب القائد الميداني السعودي ثامر السويلم الشهير بـ"خطاب"، وقد تأثر الشيشاني به كثيراً، وعدّ نفسه خليفته في سوريا، التي يقاتل فيها للقيم ذاتها التي قاتل من أجلها خطاب في الشيشان.

وبعد مقتل خطاب في العام 2002، اتُّهِم الشيشاني بالهجوم على القوات الروسية المنتشرة في إنغوشيا، وقُبض عليه بتهمة الإرهاب، واحتُجز في سجن روسي لمدة عامين ونصف، ثم تمت تبرئته فجأةً! وأُطلق سراحه في 2006، بعد حكمٍ من المحكمة العليا في إنغوشيا، ويشير البعض إلى أن الإفراج عن الشيشاني تم بسبب الصلات الوثيقة بينه وبين الأمن الجورجي، واختفى الشيشاني بعدها، إلى أن ظهر في سوريا عام 2012.

اكتسب الشيشاني خبرةً عسكرية كبيرة من خلال مشاركته في الحربين الشيشانيتين، وقتاله في الصف الأول بجانب القائد الميداني السعودي ثامر السويلم الشهير، وقد تأثر الشيشاني به كثيراً، وعدّ نفسه خليفته في سوريا

وبسبب خبرته في التخطيط للمعارك، خصوصاً في المناطق الجبلية الوعرة، فقد جعله ذلك مؤهلاً لتأسيس تنظيم "جنود الشام"، وقيادته، والذي وصل عدد مقاتليه في أفضل فتراته إلى 300 مقاتل، غالبيتهم من الشيشان، ولهم تاريخ ومشكلات مع روسيا من عشرات السنوات. ويحكي الشيشاني عن نفسه فيقول: "وصلت إلى سوريا في عام 2012، مع مجموعة صغيرة، وقررنا المشاركة في العمليات العسكرية، ودعم المجموعات التي تحتاج إلى مساعدتنا، وكان هدفي هو مساعدة الناس، وليس مجموعةً محددة، ولهذا السبب وصلت إلى هنا، وسرعان ما انضم إلينا أشخاص من جنسيات أخرى، ولهذا سمّينا مجموعتنا بجنود الشام".

وبمجرد وصول الشيشاني إلى سوريا في 2012، طلب منه بعض السوريين -كما يروي- أن يعلّمهم فنون القتال، وأعطوه أرضاً ليخصصها لتدريبهم، وبالفعل درّب الكثير من المجموعات. وانتقد الشيشاني ما أسماه ظاهرة طاعة القادة غير المؤهلين، ورأى أن "بعض البلدان تلعب لعبةً قذرةً في سوريا، وتزرع الانقسام بين الناس، لتستخدمهم كوقود للمدافع".

"وصلت إلى سوريا في عام 2012، مع مجموعة صغيرة، وقررنا المشاركة في العمليات العسكرية، ودعم المجموعات التي تحتاج إلى مساعدتنا، وسرعان ما انضم إلينا أشخاص من جنسيات أخرى، ولهذا سمّينا مجموعتنا بجنود الشام".

ومع ظهور نجم داعش في عام 2014، ظهرت بعض الخلافات داخل تنظيم "جنود الشام"، وانشقّ عنه بعض الأشخاص، أبرزهم أبو عمر الشيشاني الذي بايع منفرداً تنظيم داعش، وأصبح وزير الحرب فيه، إلى أن قُتل في العام 2016، بينما تولّى مسلم الشيشاني قيادة التنظيم، وقد رفض الانضمام إلى داعش، واصفاً إياه بالوحشية والبعد عن الإسلام، لكنه لم ينخرط في أي عمل ضده، واستقرّ مع تنظيمه على جبهات الساحل السوري، موضحاً أنه "جاء لمساعدة الشعب السوري".

دوره في سوريا

تتميز جماعة الشيشاني بالبعد عن الغلو، وسفك الدماء، أو الميل إلى التكفير مثل بعض الجماعات، فهم لا يحبون الاصطدام، وقد حيّدوا أنفسهم من بداية الحرب السورية، ولم يُعرف عنهم تدخلهم في أي صراع ضد أي فصيل، بل علي العكس، شاركت مجموعة الشيشاني في العديد من المعارك المهمة مع المعارضة السورية، ونسّقت معها، وكان لهم دور بارز في سيطرة قوات المعارضة على مناطق مهمة، منها مدينة كسب الواقعة على الساحل السوري، والمحاذية للحدود التركية، كما شاركوا في تحرير البرج 45 في اللاذقية، وبعدها شاركت المجموعة نفسها في معارك سجن حلب المركزي، وفي هجوم على مواقع النظام في منطقة عطيرة شمال اللاذقية، وخسرت عدداً كبيراً من عناصرها، وهو ما أكسبهم سمعةً جيدة.

ونتيجةً للخبرة التي اكتسبها الشيشاني من محاربة الروس، فقد رَابط مع تنظيمه في مناطق جبلية وعرة، تحديداً في شمال سوريا، في مناطق جبال التركمان في ريفَي اللاذقية وإدلب الغربي، واتخذ منها مقرات عسكرية له، وهي منطقة إستراتيجية مهمة تسمّى بـ"محور الكبانة"، ويطلق عليها البعض "عقدة النظام وروسيا". وتكمن أهميتها في كونها تُعدّ من أعلى المناطق في الساحل السوري، وتشرف جبالها بشكل مباشر على مناطق إستراتيجية مهمة، كسهل الغاب، وجسر الشغور، بالإضافة إلى قربها من قاعدة حميميم الروسية. 

 رَابط الشيشاني مع تنظيمه في مناطق جبلية وعرة، في مناطق جبال التركمان في ريفَي اللاذقية وإدلب الغربي، واتخذ منها مقرات عسكرية له، وهي منطقة استراتيجية يطلق عليها البعض "عقدة النظام وروسيا"

واستماتت جماعة الشيشاني على مدى سنوات في الحفاظ على المنطقة، ودافعت عنها بقوةٍ في وجه الروس، والمليشيات الإيرانية التي ما زالت تريدها بشدة، ولأهميتها تتعرض لقصف كثيف من الروس، ويتم التباحث والتفاوض عليها بشكل مستمر بين أنقرة وموسكو.

رسم المشهد "الجهادي"

حسب عباس شريفة، وهو باحث في مركز جسور للدراسات، فإنه بعد أن قامت "هيئة تحرير الشام" في مطلع العام 2017 -كانت تُسمى سابقاً "جبهة النصرة"- بإعادة هيكلة نفسها في ثوب جديد، بدأت تتجه إلى التحول من فصيل إلى شبه دولة، وقوّة واقعية تفرض هيمنتها لإعادة رسم المشهد الجهادي وفق منظورها. 

كذلك، غيّرت الهيئة من منهجها تجاه الخارج، وأصبحت تُعيد تعريف نفسها على أنها فصيل محلي غير مرتبط بتنظيم القاعدة، وبأنها الطرف الأقوى الذي يحارب التنظيمات الإرهابية، مثل داعش والقاعدة، وفي استطاعتها أن تقوم بمهمة أمنية مفيدة للدول الإقليمية والدولية، وهو ما أكده الباحث حسن أبو هنية، بقوله: "إن هيئة تحرير الشام تريد أن تقدّم نفسها في الوقت الحالي كحركة سورية معتدلة، لتتخلص من وسم الإرهاب". 

وبخلاف صراع الهيئة مع داعش، فقد بدأت صراعها مع التنظيمات الجهادية الأخرى، بحجة أنهم "خوارج وبغاة"، كتنظيم حرّاس الدين، وأنصار الإسلام، وأنصار التوحيد، وجنود الشام، ثم جند الله الذي ترك مؤخراً أماكن وجوده في جبل التركمان في ريف اللاذقية الشمالي لصالح الهيئة، كما حَجّمت وضيّقت على حركة أحرار الشام، وقضت قبلها على حركة نور الدين زنكي، وعلى غرفة عمليات فاثبتوا (تجمع للفصائل المهاجرة)،  وهو ما دعا سامي العريدي، الشرعي العام لتنظيم حراس الدين، إلى اتهام الهيئة بأنها السبب في خفوت نشاط الفصائل ضد النظام، عادّاً أن كل انتصار للهيئة ضد الفصائل، يتلوه انهزام لها على الجبهات أمام النظام.

بخلاف صراع الهيئة مع داعش، فقد بدأت صراعها مع التنظيمات الجهادية الأخرى، بحجة أنهم "خوارج وبغاة"، كتنظيم حرّاس الدين، وأنصار الإسلام، وأنصار التوحيد، وجنود الشام، ثم جند الله الذي ترك مؤخراً أماكن وجوده في جبل التركمان في ريف اللاذقية 

ويبدو أن "هيئة تحرير الشام" أحسنت الاستثمار في صراعها مع بعض الجماعات الجهادية، وحوّلته إلى مكاسب سياسية، وهو ما طرح تساؤلات عن هدفها الحقيقي من إخلاء المنطقة من الفصائل كلها.

والدور الذي تقوم به الهيئة الآن، مرضي عنه دولياً وإقليمياً، وهو ما أكده فراس فحام، الباحث السياسي السوري، قائلاً إنه يوحي بأنها تقدّم خدمات للفاعلين الدوليين. حتى أن جيمس جيفري، المبعوث الأمريكي إلى سوريا، قال إن "جزءاً من إستراتيجيتنا في شمال غرب سوريا كانت تنفّذه هيئة تحرير الشام".

وجاء الدور على جماعة الشيشاني، في سياق آلية متّبعة من الهيئة، تقضي بتفكيك الفصائل الصغيرة في المناطق الإستراتيجية، وإخلائها، والدفع بهم إلى خارجها، لتبقى مستفردةً بالساحة وحدها، وقد بنت جهازاً أمنياً قوياً، مكّنها من جمع المعلومات، وهو ما تتميز به على الفصائل كلها.

كيف بدأ الصراع؟

في شهر حزيران/ يونيو الماضي، استدعى مسؤول في هيئة تحرير الشام مسلم الشيشاني، وخيّره بين أمرين، إما أن يحل تنظيمه، ويسلّم السلاح، ويغادر إدلب، وإما أن يبايع الجولاني، وينضم إلى صفوفه. رفض الشيشاني عرض الهيئة، وبذل مساعي كثيرة من وساطات وبيانات لتفنيد اتهامات الهيئة ضده، والمحافظة على وجوده كفصيل مستقل، لكن باءت الجهود كلها بالفشل. 

وقال الشيشاني في بيانٍ له، إن "الجهاز الأمني في الهيئة قال له إن السلطة اليوم بيد الهيئة، ولن نترك أحداً لا يطيعنا، أو ليس تحت سلطاننا".

وعلى الرغم من عدم وجود أي خلافات سابقة بينهما، إلا أن تحرير الشام اتهمت التنظيم فجأةً بأنه من الخوارج، وعلى علاقة بداعش، كما اتهمت الشيشاني بحماية سريّة أنصار أبي بكر الصديق التي تتبنى العمليات ضد الجنود الأتراك في إدلب، وتلك تهم نفاها الشيشاني في أكثر من مرة، وقام بتسجيل رسالة صوتية وضّح فيها أن "الهيئة تتخذ من هذه الادعاءات الكاذبة شماعةً وذريعةً لتفكيك تنظيمه، واتهمها بالخداع، وبأنها حوّلت سلاحها من قتال النظام إلى قتال الفصائل".

لم يندمج الشيشاني في الهيئة، فردّت الأخيرة بإرسال أرتال ضخمة ضمت أكثر من مئة آلية مدرعة، ومدافع ثقيلة، بغية الهجوم على مواقعه، واضعةً إياه أمام الأمر الواقع: إما الانضمام، أو الابتعاد.

والشيشاني، كما يشهد له متابعوه، ذو سمعة جيدة بين الفصائل، لم يُعرف عنه أنه أقام حواجز، أو فرض إتاوات ضد أحد، وقد كرّر في مراتٍ عديدة أنه لا يريد أي قتالٍ في صفوف المسلمين، زاعماً أنه "جاء لنصرة المسلمين". وفي خلال الثماني سنوات السابقة، لم يقاتل أي فصيل، ولم يفتعل أي مشكلات، وهو ما جعله يتساءل أكثر من مرة: "ماذا فعلت؟ ولماذا تعمل هيئة تحرير الشام على خلق صراع غير موجود؟".

وعلّق أبو العبد أشداء، وهو قيادي سابق في تحرير الشام، على الأمر بقوله: "كل من في الساحة يعلم جهود مسلم الشيشاني، وفصيله، في المعارك والبطولات التي قدّموها، والانتصارات التي حققوها بصمت وسكينة، بعيداً عن الإعلام، وأن كثيراً من الفتوحات والبطولات التي تبنّتها فصائل كانت لمسلم الشيشاني، ومجموعاته، له يد بيضاء فيها".

لم يندمج الشيشاني في الهيئة، فردّت الأخيرة بإرسال أرتال ضخمة ضمت أكثر من مئة آلية مدرعة، ومدافع ثقيلة، بغية الهجوم على مواقعه، واضعةً إياه أمام الأمر الواقع: إما الانضمام، أو الابتعاد.  

لكن لماذا رفض الشيشاني الانضمام إلى الجولاني، وأصرّ على موقفه؟ تحدّث بنفسه قبل أكثر من سنتين، قائلاً إن هناك دولاً تسعى إلى توجيه المجاهدين نحو مصالحها، وأن كثيرين نصحوه بالاتحاد مع أقوى الجماعات وأقربها إلى الحق، ويعلّق الشيشاني بقوله: "الكثيرون منا أخذوا بهذه النصيحة، ولكنهم لم يستطيعوا أن يستمرّوا مع هذه الجماعات، بسبب الظلم الموجود فيها، فخرجوا منها".

يرى بعض المراقبين أن ترك الشيشاني لنقاطه في جبهة الساحل، سيؤثر سلباً عليها، وقد يسمح لقوات النظام باقتحامها، بعد أن فشلت مرات كثيرة

وعلى خلفية تلك التوترات، اضطر الشيشاني، المطلوب دولياً، إلى ترك موقعه العسكري بعد أن توصل إلى اتفاقية مع الهيئة قضت بخروجه، وبعدم انضمامه أو تشكليه أي فصيل عسكري خارج عن الهيئة، ولم يُرِد أن يدخل في أي اشتباكات، حقناً للدماء كما زعم، وخرج من نقاط الجبهة التي دافع عنها طوال السنوات السابقة، ومعه المهاجرون الشيشان الذين اختاروا الخروج معه، وبقي عدد قليل رفض الاتفاق الذي تم بين الشيشاني والهيئة، منهم شقيق الشيشاني، موسى، وقد اعتقلتهم الهيئة.

وخرجت بعض المظاهرات الغاضبة ضد ما قامت به "هيئة تحرير الشام"، وعلّق أحدهم بقوله: "كيف يهاجم الجولاني من أتى للدفاع عنا؟ ويرى بعض المراقبين أن ترك الشيشاني لنقاطه في جبهة الساحل، سيؤثر سلباً عليها، وقد يسمح لقوات النظام باقتحامها، بعد أن فشلت مرات كثيرة. ويذهب الإعلامي بلال عبد الكريم، المقرّب من الفصائل الجهادية، للقول إن هدف "هيئة تحرير الشام من إخلاء الفصائل من إدلب، هو التمهيد لإعادة سيناريو تسليم المناطق، كما حدث في ريفَي حلب الشمالي، وإدلب الجنوبي".

وفيما يُبرّر أنصار الهيئة موقفها بأنها تسد الذرائع في وجه روسيا، وتمنعها من اتخاذ التنظيمات الأجنبية ذريعةً لقصف المدن وتدميرها، فمن غير المؤكد أن يمنع ذلك روسيا من قصف المدن، وتدميرها.

ما الذي يريده الجولاني؟

حسب محمد سالم، وهو باحث في مركز الحوار السوري، فإن الشمال السوري اليوم قادم على تحولات تضعه كله تحت مظلةٍ واحدة لن يبقى فيها لأمثال الجماعات الصغيرة، كتنظيم الشيشاني وغيره، أي دور.

الجولاني بقضائه على تنظيم الشيشاني وغيره، يقوّي ورقة اعتماده، ويرسل رسالةً بأنه الوحيد القادر على ضبط المشهد، من خلال تفرّده بملف إدلب. وهناك من يشير إلى أن ما يقوم به حالياً يأتي في سياق تفاهماتٍ روسيةٍ تركية

وهذه المظلّة تقتضي وجود قوة مركزية موحّدة، تتحكم بقرار الحرب والسلم، وتبسط سيطرتها على الفصائل كافة، وهو ما يسعى إليه الجولاني، وقد بات مقتنعاً بضرورة تفكيك الفصائل، وتفريقها، لذلك يقوم الآن بحملات استباقية تنهي وجود أي فصيل قد يُشكّل عائقاً أمامه، خصوصاً الفصائل الأجنبية التي استقرّت في جبهة ريف اللاذقية على مدار العشر سنوات الماضية. وهناك عدد من الفصائل الصغيرة، كتنظيم الشيشاني، ولا يبدو أن مصيرهم سيختلف عن مصيره.

والجولاني بقضائه على تنظيم الشيشاني وغيره، يقوّي ورقة اعتماده، ويرسل رسالةً بأنه الوحيد القادر على ضبط المشهد، من خلال تفرّده بملف إدلب. وهناك من يشير إلى أن ما يقوم به حالياً في إدلب، يأتي في سياق تفاهماتٍ روسيةٍ تركية، وروسيا مستفيدة من إبعاد الشيشاني وجماعته من المناطق التي دافعوا عنها.

اليوم، فكّك الجولاني التنظيم الذي كانت روسيا تسعى إلى القضاء عليه، ولبّى رغبة تركيا في إبعاد الفصائل الجهادية من غير السوريين، إلى مناطق أخرى. وهو ما عدّه البعض مغازلةً منه لروسيا. 

هناك حالة قلق كبيرة من المجتمع الدولي تجاه ظاهرة المهاجرين في سوريا، وفي الفترة الأخيرة ظهرت العديد من الحملات ضدهم، ولا شك أنهم الحلقة الأضعف في هذا الصراع، وخياراتهم محدودة، فلا يوجد مكان آمن يذهبون إليه في هذا الوضع المتأزم، خصوصاً مع معارضة الولايات المتحدة لمشروع قرار في مجلس الأمن يقضي بتأهيل المقاتلين الأجانب، وإعادة دمجهم اجتماعياً.

 استفاد الجولاني من رفض بعض فصائل المعارضة استقبال المهاجرين، واحتضنهم في البداية، وحقق من خلالهم قوةً وكسباً، قبل أن يصبحوا اليوم بغاةً وخوارج، وقام بسجن عشرات المقاتلين منهم في سجون الهيئة

وقد استفاد الجولاني من رفض بعض فصائل المعارضة استقبال المهاجرين، واحتضنهم في البداية، وحقق من خلالهم قوةً وكسباً، قبل أن يصبحوا اليوم بغاةً وخوارج، فمنذ أكثر من سنتين وهو يجمع بيانات عن المهاجرين، وقام بسجن عشرات المقاتلين منهم في سجون الهيئة، وفكّك بعض الفصائل الجهادية من غير السوريين، وهي اتهامات توجّه إليه من داخل الصف الجهادي، وآخرها ما ورد في آخر بيان للأردني سامي العريدي، إذ أوضح في "سبب اختفائه عن الساحة، وهو هروبه من ملاحقة أمنيي هيئة تحرير الشام، وجواسيس التحالف الدولي على حد سواء".

ويبدو أن عمل الجولاني على ملف تبديد المخاوف الدولية تجاه المهاجرين، يعطيه اليوم فرصةً لإعادة تقديم نفسه معارضاً سورياً معتدلاً، يحمل الرؤية الدولية نفسها، وشريكاً في محاربة التطرف والإرهاب، على أمل أن يؤدي ذلك إلى إزالة تصنيفه وفصيله من على قوائم الإرهاب.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard