شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

ادعم/ ي الصحافة الحرّة!
ليالي الميلاد ما بين الشانزليزيه الباريسي والقصّاع الدمشقي

ليالي الميلاد ما بين الشانزليزيه الباريسي والقصّاع الدمشقي

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

مدونة نحن والمهاجرون العرب

الخميس 22 ديسمبر 202203:02 م

لا أتذكر أنني كنت يوماً أحب الشتاء، فهو يبعث البرد في أطرافي وفي عقلي الخمول، ويدفعني إلى انتظار قدوم الربيع وسطوع الشمس. عندما وصلت إلى فرنسا، كنت أكرر على مسامع أصدقائي عبارتي المفضلة: "أنا أعمل على الطاقة الشمسية، إن غام الطقس لا تسألوني اللقاء".

أستثني في ذاكرتي منذ الصغر شهر الميلاد، فرغم البرد الشديد كانت أعياد الميلاد وما زالت مرتبطة لدي بالدفء والسعادة.

"أنا أعمل على الطاقة الشمسية، إن غام الطقس لا تسألوني اللقاء"

وصلت إلى فرنسا قبل موسم الأعياد مباشرة، وكانت أولى الذكريات الجميلة التي حدثت هنا هو ذهابي برفقة أخي وزوجي إلى سوق الميلاد الباريسي الشهير. يمتاز مشوار السوق بأننا نمشي كثيراً فوق طاقتنا، ونأكل أكثر مما نستطيع خالطين الحلو بالمالح والحار بالبارد، وبأننا نشتري ما لا حاجة لنا به من باب الفضول والحماسة.

سوق الميلاد عبارة عن خيم صغيرة متلاصقة، تحتل شارع الشانزيليزيه الشهير، تنتشر في هذه الخيم صناعات تقترح على المستوقين هدايا لموسم الميلاد مختلفة الأشكال، ويتنافس صناعها في جعلها جذابة وملفتة، مما يحول هذه الخيام إلى مهرجان من الألوان الفاقعة والملفتة، كما يدعو الباعة المتسوقين إلى تجريب ما يقدمونه ولا سيما على شكل ألعاب وحزازير. وتنتشر خيم أخرى قائمة على طعام قادم من أنحاء أوروبا وتقاليدها الميلادية، وتنتشر أطايب الحلويات الفرنسية التي يتألق صناعها بمهاراتهم المدهشة.

سوق الميلاد في مدينة "تروا" الفرنسية، تصوير إيناس حقي

تدريجياً اكتشفت أن الاحتفالات الكبرى بالميلاد مرتبطة بميزانيات بلديات المدن، وأن المدن الأوفر حظاً اقتصادياً هي التي تستمتع بالاحتفال في الشارع، فيما تقتصر الاحتفالات في البلديات الأفقر بزينة شجرة الميلاد أمام البلدية وبعض الأضواء التي تنشر هنا وهناك.

تدريجياً اكتشفت أن الاحتفالات الكبرى بالميلاد مرتبطة بميزانيات بلديات المدن، وأن المدن الأوفر حظاً اقتصادياً هي التي تستمتع بالاحتفال في الشارع.

عندما انتقلت إلى مدينة أبعد عن باريس، سعدت لأن المدينة الجديدة تحتفل بالأعياد احتفالاً كبيراً، إذ تنصب في وسط المدينة فقاعات شفافة كبيرة مضيئة وتمتلئ الفقاعات بمجسمات احتفالية كبيرة لبابا نويل وزلاجته، بالإضافة إلى شجر الميلاد الذي ينتثر في المدينة وعلى مسار نهر السين الذي يقطع المدينة حاملاً الفرح والضوء إلى باريس.

أتجاوز في هذه الفترة من العام قراري بمقاطعة العالم الخارجي في فصل الشتاء، وأقنع بلبس الطبقات السميكة من الملابس والقفازات والقبعات الصوفية، وأقضي وقتي في الشارع محتفلة مع الناس بطفولة مستعادة، تمر كسحابة عابرة في ضحك الأطفال الذي تفيض به المدينة. أنظر إلى أطفال مدينتي السعداء وأفراحهم الصغيرة بكستناء مشوية وشوكولا ساخنة وأتذكر معنى العيد عندما كنت في عمرهم.

كان عيد الميلاد مرتبطاً بذهني بطفولتي بسهرة مع الأصدقاء تتم كل عام في منزل صديقة الأسرة فيكتوريا، والدة الفنانة مي سكاف، والتي كان يحلو لنا أن نناديها ماما فيكي، يجتمع الأصدقاء وبنات ماما فيكي مي ولمى وبقية العائلة، وتمتد سفرة طويلة، تحتوي دائماً الأكل الشرقي، يلنجي وإيتش وكبة وأطايب أخرى. نلعب ونرقص ونحتفل كل عام، في انتظار قدوم بابا نويل الذي يترك هداياه لنا كل مرة في مكان من البيت دون أن نستطيع أن نراه.

كان عيد الميلاد مرتبطاً بذهني بسهرة مع الأصدقاء تتم كل عام في منزل صديقة الأسرة فيكتوريا، والدة الفنانة مي سكاف، والتي كان يحلو لنا أن نناديها ماما فيكي

في ليلة من ليالي الميلاد أتذكر أننا كنا أنا وأخي نرقص مع مجموعة الأطفال في صالون البيت، وسهينا عن مراقبة السماء التي ينزل منها بابا نويل بزلاجته ليترك لنا الهدايا، وبين أغنيتين قالت لنا مي: "انظروا، لقد أتي بابا نويل وترك الهدايا على الشرفة، فيما كنتم ترقصون".

سوق الميلاد في مدينة "بروفان" الفرنسية، تصوير إيناس حقي

التفتنا بكل لهفة وكانت الشرفة ممتلئة بالهدايا التي لفها الأقزام بحرص وكتبوا عليها اسم كل منا. رحلت ماما فيكي ورحلت لمى ومي، ولكن بقيت ذكريات تلك السهرات الدافئة وظل بيت ماما فيكي مرتبطاً إلى الأبد بالسعادة والدهشة، وظلت تلك أسرتي التي أحن إليها وإلى ذلك الشعور الدافئ الذي يرافق وجودنا معاً.

في دمشق، كانت فترة أعياد الميلاد مرتبطة بمنطقة القصاع، حيث تتزين الشوارع بالأضواء والألوان، وتعمر المحلات بملابس الأعياد، ويعم جو من الفرح المسروق من حياة المدينة المتعبة والمثقلة بالهموم، تبتسم الوجوه المكفهرة لفترة في بقعة من المدينة، ويرتفع مؤقتاً ذلك الشعور الضاغط الذي يرافق حياة المدينة اليومية، وتتخفف دمشق للحظة مسروقة من ثقل حكم يمزقها باستمرار ويطحن أناسها الطيبين، وإن كانت "سياحة الواجهات" هي الأشيع بسبب الضغط الاقتصادي الدائم الذي يعيشه الناس، إذ يندر عدد المشترين بالمقارنة مع أعداد القادمين الذين يشاهدون الأجواء الاحتفالية ويراقبون واجهات الزجاجية للمحلات دون أن يشتروا.

كان كورال جوقة الفرح يقدم في كل عام حفلة موسيقية، يغني فيها أفراد الكورال أغاني الميلاد، أتذكر أنني كنت أحضر تلك الحفلات لأن بعض أصدقائي كانوا يغنون مع الكورال وكان الميلاد حينها مرتبطاً بالموسيقى والأغاني.

كنت أدرس الباليه في المعهد العالي للفنون المسرحية، وفي العام الثاني، أخبرتنا المدرسة الروسية أننا سنشارك في حفلة كورال جوقة الفرح برقصة على أغنية ستغنيها سونيا بيطار، كانت سعادتي كبيرة بالمشاركة للمرة الأولى في حفلة للكورال دون أن أكون بين المتابعين وإنما من داخل الكواليس، أتذكر إعجابي الشديد بالتنظيم واللطف الذي ساد أجواء التحضير للحفل، وأنني في ليلة العرض كما في كل العروض التي شاركت فيها في الشام، أشعر أنني شاركت في بث قليل من الفرح والمتعة في قلوب أولئك الذين قدموا لمتابعتنا.

يبدو لي اليوم أنني لا أستطيع تذكر الماضي بوضوح، وأنه يختلط دوماً بشعوري بأن السعادة في سوريا كانت دائماً مؤقتة وقصيرة الأمد.

يبدو لي اليوم أنني لا أستطيع تذكر الماضي بوضوح، وأنه يختلط دوماً بشعوري بأن السعادة في سوريا كانت دائماً مؤقتة وقصيرة الأمد، لم يكفنا الوقت كي نشبع منها كما لم نكتف من وجود ماما فيكي ولمى ومي في حياتنا، وأن القسوة كانت ترافق هذه المناسبات السعيدة، قد يكون ذلك أثر القهر والإبعاد القسري الذي نعيشه، وقد يكون مرتبطاً بشعوري الدائم أن الناس عموماً هنا أسعد وأكثر تخففاً من الهموم، ولكن السنوات الماضية بما حملته معها من إغلاق مرافق لوباء كورونا من جهة، ومن أزمات اقتصادية وتضخم انعكس على كل جوانب الحياة اليومية للمواطنين من جهة أخرى، جعلتني أراقب المحتفلين هذا العام في مدينتي لأشعر فجأة أن تلك الغمامة الثقيلة التي كانت تغطي كل أشكال الأفراح السورية قد أرخت بظلالها على الاحتفالات هنا أيضاً. أنظر حولي بقلق، أفكر بأن القادم قد يكون اسوأ، ثم أحاول طرد أشباح قصتنا السورية الأليمة وأن أستمتع للحظة مسروقة بالفرح وإن كان مؤقتاً. 

إنضمّ/ي إنضمّ/ي

رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.



* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

قد لا توافق على كل كلمة ننشرها…

لكن رصيف22، هو صوت الشعوب المضطهدة، وصوت الشجعان والمغامرين. لا نخاف من كشف الحقيقة، مهما كانت قبيحةً، أو قاسيةً، أو غير مريحة. ليست لدينا أي أجندات سياسية أو اقتصادية. نحن هنا لنكون صوتكم الحرّ.

قد لا توافق على كل كلمة ننشرها، ولكنك بضمّك صوتك إلينا، ستكون جزءاً من التغيير الذي ترغب في رؤيته في العالم.

في "ناس رصيف"، لن تستمتع بموقعنا من دون إعلانات فحسب، بل سيكون لصوتك ورأيك الأولوية في فعالياتنا، وفي ورش العمل التي ننظمها، وفي النقاشات مع فريق التحرير، وستتمكن من المساهمة في تشكيل رؤيتنا للتغيير ومهمتنا لتحدّي الوضع الحالي.

شاركنا رحلتنا من خلال انضمامك إلى "ناسنا"، لنواجه الرقابة والترهيب السياسي والديني والمجتمعي، ونخوض في القضايا التي لا يجرؤ أحد على الخوض فيها.

Website by WhiteBeard