شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

غيّروا، لا تتأقلموا!
سأقصّ شَعري من أجلك، ولكن...

سأقصّ شَعري من أجلك، ولكن...

رأي

الأربعاء 30 نوفمبر 202204:02 م

عمري سبع وثلاثين عاماً، وبالتحديد منذ سنّ العشرين، لم يغادرني اندفاعُ مواجهة الحكومة المستبدة. قليلاً ما يمرّ يومٌ على الإيرانيين منذ منتصف قرن الأخير دون أزمة. لذلك هاشتاغ "حياة طبيعية" هو أحد الهاشتاغات المكررة عندنا، ويُلفظ بحسرة. بلغنا سنّ الرشد في أزمة، أحببنا في أزمة، ذهبنا إلى العمل في أزمة، بتنا عاطلين عن العمل في أزمة، وكنا دائماً في "لحظة حساسة" ويجب أن نخرس.

بيد أنه في السنوات الأخيرة باتت الأزمات أكثر شدة، مسافة المصائب التي نجربها باتت أقل. ليس ثمة وقت للملمة الذات للنظر في المرآة مرتاح البال دون ملاحظة احمرار العين وتورمها.

بيد أنّ هذه المرة الأمر يختلف قليلاً. لقد سمع العالم صوتَنا. بالطبع هكذا يقال! فنحن من شدّة الاضطراب ننسحق، ولا نعرف كم سُمعت أصواتنا. يتحدث العالم كلُّه عن شعار "المرأة، الحياة، الحرية". يسعدنا ذلك، على الأقل لدقائق قصيرة. ولكن كان العالم دائماً في حالة "وضعية"، يطلق عليه بالإنكليزي: "gesture"؛ نوع من التظاهر والتنافس، في الدلالة على التعاطف مع ضحايا ظهروا في مقاطع مصورة قد انتشرت.

يعيد الكثير من المشاهير هذه الأيام شعاراتنا. شاهدتُ مقطع فيديو لفنانات فرنسيات تقصّ كلّ واحدة منهن شعرَها، وثمة جملٌ تشرح أسباب القصّ، وترجعه إلى قتل مهسا أميني على يد شرطة الحجاب، ونهوض الحركة النسوية في الشرق الأوسط.

بلغنا سنّ الرشد في أزمة، أحببنا في أزمة، ذهبنا إلى العمل في أزمة، بتنا عاطلين عن العمل في أزمة، وكنا دائماً في "لحظة حساسة" ويجب أن نخرس

شاهدت المقطع. جولييت بينوش هي حبيبتنا نحن الإيرانيين، ولأنها شاركت في أفلام المخرج كِيارستَمي، فباتت وكأنها أقرب لنا من الآخرين. قصت شعرها، وقالت أمام الكاميرا وهي تقصّه: "من أجل الحرية"، وعلى وجهها ابتسامة ساحرة ماكرة. ماريون كوتيار وإيزابيل أدجاني وإيزابيل أوبير، أيضاً.

أبتلع غيضي. أضحك.

أول ما يخطر على بالي: "ليتني كنتُ واحدةً منهن".

أعدنا مشاهدة المقطع مع صديقتي إلهام، وضحكنا سوية. قالت إلهام: "كم هنّ سعيدات! إحساس الرضا واضح على وجوههن! (تضحك)، ولأنّ لدينا حيوات معقدة، فأنا مشمئزة".

تأكّدتُ أنّ لا أحد يمكنه سماع صوت ضربات الهراوات الواقعة على أرواحنا بوضوح. مثل كلّ شيء في عالمنا المعاصر، صورتنا وصوتنا ضبابيان ومشوشان وغير واضحين.

أنا أحترم هذا التعاطف، بيد أني الآن أعرف أنه لا يمكننا أن نتوقع من العالم غير التعاطف. ليس التعاطف سوى "وضعية". الوضعية التي تضيع بين حياتنا اليومية. يكفي أن نخرج بين فترة وأخرى، ونظهر أنفسنا، لنصل إلى الذروة الجنسية، حتى لو كانت الذروة الجنسية هذه مصطنعة.

تأكّدتُ أنّ لا أحد يمكنه سماع صوت ضربات الهراوات الواقعة على أرواحنا بوضوح. مثل كلّ شيء في عالمنا المعاصر، صورتنا وصوتنا ضبابيان ومشوشان وغير واضحين.

"وبما أننا الآن قد جلسنا أمام مائدة الإفطار، أخرجي هاتفك. صورينا. دعيني أقطف جزءاً من شعري، من أجل حرية نساء إيران. هل تصدقين؟ قُتلت فتاة في الـ22 عاماً من أجل حجابها! يا خوفي من هؤلاء المتشددين! بالمناسبة! ما هي آخر الأخبار؟ هل توصلتِ إلى اتفاق مع ذلك المخرج ابن القحبة أم لا؟ كم هو شهي هذا الكرواسان المحشوّ...".

كأني جورج فلويد، رجل أسود البشرة، قتل تحت أحذية مرتدي الثياب الأمريكية الموحدة. كان رأسي تحت حذاء الجندي وأنا أصرخ: "لا أستطيع التنفس". يضعون لي هاشتاغاً، ويعبرون من جواري.

"عزيزي جورج فلويد، أنا أحيّي فيك شجاعتك. قاوم. أنت قوي. أذكرك في ركضي الصباحي، أو حين أرفع الأثقالَ في الصالة الرياضية أو حين أتناقش مع زوجي حول عطل نهاية الأسبوع. أذكر أياماً وأشهرَ وأعواماً كان فيها رأسك تحت الحذاء، ولا يمكنك التنفس.

شاهدتُ مقاطعك. كم أنت قوي! كم أنت شجاع! تتحمل ضربات مهولة. مرحى لك. في آخر مرة مررت فيها من جانبك، ألقيت عليّ نظرة مختلفة، كأنك كنتَ تنتظر أن أقترب وأدفع صاحب الحذاء أو أن أصرخ فيه وأضربه. طيب! تعرف أنه لا يمكنني فعل ذلك. هل تريد الحقيقة؟ ألمك ليس ألمي، وليس لديّ فرصة لتسكين ألمٍ ليس ألمي. الحياة قصيرة ولا يُرجى شيء مني. سأكتب لك هاشتاغاً متمنية أن تتحرر رقبتك. لا تنتظر مني أكثر من ذلك. أنا شريكة في ألمك، وأقبّل رقبتك المتورمة وظهرك وحياتك المتورمتين، وبالتأكيد أنني سأقصّ جزءاً من شعري لذكراك خوفاً من أن تشعر بالوحدة".

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

Website by WhiteBeard