مخيم الركبان الحدودي... العودة إلى الموت في مناطق النظام أو انتظاره تحت أعين "التحالف"

الاثنين 21 نوفمبر 202203:40 م

يعيش العم أبو طراد الحمصي، في غرفة طينية داخل مخيم الركبان، عند مثلث الحدود السورية الأردنية العراقية، والذي تقطن فيه الآلاف من أمثال "أبو طراد"، على مساحة 5 كيلومترات في صحراء مترامية الأطراف، وقاحلة، تغيب عنها مظاهر الحياة.

"في كل شتاء أتوقع سقوط الغرفة على رأسي، وفي هذا الشتاء كذلك، فمياه الأمطار تحوّل جدرانها الطينية إلى جدران رطبة متراخية طرية، هذا غير البرد القارس الذي ينخر عظام أولادي والذي لا سبيل إلى مواجهته إلا بالبطانيات، فمن أين لي بمليون و300 ألف ليرة سورية ثمن سعر طنّ من الحطب، أي أكثر من 250 دولاراً أمريكياً؟"، يروي الخمسيني بحرقة وأسى لرصيف22.

يعيش أبو طراد مع عائلته في المخيم المنسي، ظروفاً إنسانيةً مأساويةً، إذ تغيب عنه أولويات الحياة من طبابة وطعام صحي ومياه نظيفة، فضلاً عن فقر مدقع يحيط بقاطنيه ويجعل المواد الغذائية حلماً لهم نظراً إلى ارتفاع أسعارها، ما يدفع العديد منهم إلى المخاطرة بحيواتهم والعودة إلى مناطقهم حيث سيطرة النظام والميليشيات الموالية له.

يكمل الخمسيني حديثه: "كثيراً ما أفكر في افتداء عائلتي بنفسي، والعودة إلى بيتي. سيعتقلني النظام، لكن مهما كان ستعيش أسرتي حياةً أفضل من هنا، لكن حتى لو قررت المغادرة سيمنعني أولادي وزوجتي التي تكرر دائماً على مسمعي: نعيش معاً أو نموت معاً. العديد من العائلات التي كانت موجودةً معنا في المخيم، قررت المغادرة، لكن قوات النظام اعتقلت كل أفرادها الذكور البالغين عند أول حاجز أمني".

نشرت "وكالة سانا"، تقريراً مصوراً يظهر فيه عدد من مغادري مخيم الركبان، وهم يتحدثون عن قيام "جيش سوريا الحرة" بمنع خروجهم طوعاً

تزوير الحقائق؟

في التاسع من تشرين الثاني/ نوفمبر الجاري، نشرت "وكالة سانا" الناطقة باسم الحكومة السورية، تقريراً مصوراً يظهر فيه عدد من مغادري مخيم الركبان عند المثلث الحدودي السوري الأردني العراقي، وهم يتحدثون عن قيام "جيش سوريا الحرة" (جيش مغاوير الثورة سابقاً)، بمنع خروجهم طوعاً إلى مناطق النظام في حال عدم دفعهم إتاوات مالية ضخمة، بالإضافة إلى فرض التجنيد القسري على الشبان للانضمام إلى صفوفه العاملة تحت قيادة قاعدة التنف الأمريكية، وظهر في التقرير أحد الأشخاص الواصلين حديثاً إلى مراكز الإيواء، وهو يؤكد أن المخيم يعيش حالة فلتان نتيجة انتشار المخدرات ومحال بيع وتجارة الأسلحة.

للوقوف على ذلك، تواصل رصيف22، مع رئيس المجلس المحلي للمخيم محمد درباس الخالدي، الذي يؤكد على أن "كل من يخرج باتجاه مناطق النظام، هو مجبر على تقديم شهادات كما يريد النظام، وهذا معروف منذ بداية الثورة، فالجميع يعلم بتهديدات النظام وطرق إجباره المدنيين على قول ما تريده مخابراته وفروعه الأمنية".

يسخر الخالدي من مزاعم وجود المخدرات والأسلحة داخل المخيم، ويقول: "أي سلاح وأي مخدرات يتحدث عنها النظام؟ الناس هنا لا تجد ما تأكل"، لافتاً إلى "دخول كميات قليلة جداً ولا تُذكر أبداً من السلاح، منذ سنتين عبر المخيم باتجاه العراق والأردن، وبتسهيل من فصيل تابع لجيش العشائر العامل في درعا، إلا أن هذه الكميات توقفت بعد تفكيك الفصيل وملاحقة جيش المغاوير لهذه العمليات التي تُعدّ على الأصابع".

وعن التجنيد القسري من "جيش سوريا الحرة"، يرى الخالدي أن "الإقبال من الشبان على الانضمام إلى الجيش كبير جداً ومن تلقاء أنفسهم، فالرواتب تصل إلى ما بين 400 و500 دولار، وهذا ما يساعد أسر المنضمين على مواجهة ظروف المعيشة القاسية، كما أن كثيراً من الشباب المنضمين يؤمنون بأن جيش سوريا الحرة سيكون نواة جيش وطني واسع في سوريا المستقبل، والاعتماد سيكون عليه بعد تطبيق قرار جنيف الذي يقضي بتشكيل هيئه حكم انتقالي".

احتياجات تفوق المساعدات

يعيش مخيم الركبان، الذي يضم أكثر من 7،500 مدني، حالة انعزال تامة، ضمن منطقة 55 في أقصى الجنوب السوري، والتي تُعرف بأنها امتداد الحماد السوري (قسم من البادية)، وهو محاصر من قوات النظام والميليشيات الإيرانية الموالية شمالاً، ومن الأردن جنوباً، والعراق شرقاً، ويتميز بصحراويته القاحلة وابتعاده عن أي مظهر للحياة، كما تُعدّ المنطقة منطقة حماية قاعدة التنف العسكرية التي تسيطر عليها قوات التحالف الأمريكي بحدود 55 كيلومتراً، وصولاً إلى منطقة السبع بيار ومقهى الشحيمي ومنطقة العيانية، وتتمركز بالقرب منه قوات سوريا الحرة، التي تحاول قدر المستطاع تقديم المساعدة للأعداد الكبيرة في المخيم.

الإقبال من الشبان على الانضمام إلى الجيش كبير جداً ومن تلقاء أنفسهم، فالرواتب تصل إلى ما بين 400 و500 دولار، وهذا ما يساعد أسر المنضمين على مواجهة ظروف المعيشة القاسية

يقول عبد الرزاق الخضر، الناطق الرسمي باسم جيش سوريا الحرة، لرصيف22، إن "قواتنا تقوم بتقديم خدمات متنوعة، لكن الإمكانات محدودة والمخيم بحاجة إلى منظمات دولية وإنسانية تتدخل بشكل عاجل. استطعنا دعم مادة الخبز، المادة الأهم للمدنيين، وتخفيض سعرها إلى 1،500 ليرة سورية، بعد أن كانت بـ3،500 ليرة (الدولار الواحد يوازي نحو 5،200 ليرة)، بالإضافة إلى تسييرنا صهريجاً لتوزيع المياه المقطرة، وتوزيع 100 برميل من المياه على أهالي المخيم، بمقدار 100 ليتر لكل عائلة".

بحسب الخضر، فإن أغلب الحالات المغادرة للمخيم هي من الحالات المرضية المزمنة والتي بحاجة إلى المشافي والعناية الطبية والأدوية اللازمة، نافياً منع أي عائلة من الخروج أو إجبار أحد على البقاء، فـ"المدنيون لهم الحرية الكاملة بالبقاء أو المغادرة، ونقوم بتسجيل أسماء المغادرين بهدف تحصيل الديون والحقوق التي في ذمتهم إن وُجدت، وهذا الأمر تم بناءً على طلب المدنيين وأصحاب المحال، ثم نقوم بتسيير رحلاتهم إلى حاجز جليغم التابع للنظام بهدف حمايتهم".

ويردّ الخضر على اتهامات النظام ضدهم بتسهيل تجارة المخدرات والتجنيد القسري للشبان، بالقول: "كل اتهامات النظام باطلة، فقوات سوريا الحرة تضرب بيد من حديد، وتلاحق جميع المتورطين في تجارة المخدرات والسلاح، إذ لا توجد مثل هذه الظواهر ضمن المخيم، لأن عقوبتها قاسية جداً، هذا من جهة، ومن جهة أخرى لا نجبر أحداً على الانضمام إلى صفوفنا، بل على العكس تماماً، الجميع يرغبون في الانضمام إلينا ونقبل بين الحين والآخر في دوراتنا عدداً من المدنيين ممن استوفوا شروط الانضمام التي نضعها".

العودة القاتلة

في الثالث من الشهر الجاري، كانت "الشبكة السورية لحقوق الإنسان"، قد وثّقت وفاة ضحيتين بعد عودتهما من مخيم الركبان إلى مسقط رأسيهما في مدينة القريتين شرق محافظة حمص، مؤكدةً أن قوات النظام اعتقلتهما إثر مداهمة منزلهما في 5 شباط/ فبراير 2021، وأن ذويهما قد علموا بوفاة الضحيتين في داخل مراكز الاحتجاز التابعة لقوات النظام في مدينة دمشق، من دون أن تسلمهما، ما يرجّح بشكل كبير أنه تم التخلص من جثتيهما.

وثقت "الشبكة السورية لحقوق الإنسان"، وفاة ضحيتين بعد عودتهما من مخيم الركبان إلى مسقط رأسيهما في مدينة القريتين شرق محافظة حمص

كذلك، توفي الشاب علي الشافعي، في سجن صيدنايا في ريف دمشق، في تشرين الأول/ أكتوبر الفائت، بعد عام من اعتقاله في مسقط رأسه في تدمر، عقب عودته من مخيم الركبان، وأخبر النظام عائلة الشافعي بوفاة ابنهم، طالباً منهم القدوم لتسلّم هويته وشهادة الوفاة من دون توضيح أسباب الوفاة.

وتغيب الإحصائيات الرسمية عن العائلات العائدة من مخيم الركبان، والتي اعتقلها نظام الأسد، إلا أنه وفق معلومات قدمها المجلس المحلي لمخيم الركبان، لرصيف22، فإن 13 شخصاً موثقين بالاسم وتاريخ الاعتقال، ينحدرون من محافظة حمص، اعتقلهم نظام الأسد بعد عودتهم، 4 منهم ماتوا في المعتقلات، فيما بقي مصير الآخرين مجهولاً حتى تاريخ كتابة هذا التقرير.

وكانت "الرابطة السورية لكرامة المواطن" (حركة مجتمعية حقوقية)، قد نشرت أوائل العام 2020، تقريراً أشارت فيه إلى أن نظام الأسد اعتقل 174 في ملاجئ النازحين في حمص بعد عودتهم من مخيم الركبان، وشملت الاعتقالات وقتها رجالاً وشباناً تتراوح أعمارهم ما بين 18 و24 عاماً، سبق أن تلقّوا ضمانات روسيةً نيابةً عن نظام الأسد.

تفكيك المخيم

تسعى روسيا عبر مركز مصالحتها الكائن في قاعدة حميميم في ريف اللاذقية، للدخول إلى المخيم بهدف إجراء مصالحات للقاطنين هناك، مستغلةً الوضع الإنساني الصعب الذي يشهده المخيم، وحالة الصمت من الأمم المتحدة والمنظمات الإنسانية، إلا أن المجلس المحلي للمخيم يرفض بشكل قاطع دخول القوات الروسية بأي شكل من الأشكال، إذ أصدر بياناً في 11 تشرين الثاني/ نوفمبر الجاري، أعلن فيه رفضه تصريح نائب رئيس المركز الروسي للمصالحة في سوريا أوليغ إيفوروف، بأن القوات الأمريكية تدعم فصيل جيش سوريا الحرة في محاصرة المدنيين واستخدامهم دروعاً بشريةً وفرض إتاوات على الخارجين منه في اتجاه مناطق سيطرة النظام.

وردّ البيان على تلك المزاعم، بأن "من يقوم بمحاصرة المدنيين وقطع الإمدادات عنهم من مواد غذائية وأدوية هو النظام والميليشيات الإيرانية والروسية المهيمنة على الحدود الإدارية لمنطقة 55 كم منذ سنوات، رافضاً أي قرار أممي لتفكيكه قبل تطبيق قرار الأمم المتحدة 2254، أو الحل السياسي للأزمة السورية.

ويرى الناشط محمد الفضيل، الذي يعيش في المخيم، أن "أسوأ الظروف المعيشية على الإطلاق تمر على قاطني المخيم، إذ ما تزال الميليشيات الإيرانية والنظام السوري والروسي تحاصر المخيم منذ سنوات عدة وتمنع دخول المواد الغذائية والطبية والمساعدات الإنسانية، ما أدى إلى نقص حاد في المواد الطبية وارتفاع أسعار المواد الغذائية والخضروات والمحروقات وغيرها، بالإضافة إلى عدم توفر فرص العمل في المخيم وعدم وجود مياه صالحة للشرب سوى المياه الموردة من داخل الأراضي الأردنية، والتي تسبب الأمراض الداخلية لجسم الانسان لاحتوائها على مادة الكلور بنسبة عالية".

يقدَّر عدد النازحين الذين غادروا المخيم إلى مناطق سيطرة النظام منذ منتصف عام 2022، بـ115 عائلةً، منهم المرضى وذوو الإعاقة، بالرغم من معرفتهم ويقينهم بأن مصيرهم هو الاعتقال التعسفي والتصفية والتعذيب

وبحسب الفضيل، يقدَّر عدد النازحين الذين غادروا المخيم إلى مناطق سيطرة النظام منذ منتصف عام 2022، بـ115 عائلةً، أي ما يقارب الـ575 نازحاً، بينهم نساء وأطفال وكبار في السن، ومنهم المرضى وذوو الإعاقة، بالرغم من معرفتهم ويقينهم بأن مصيرهم هو الاعتقال التعسفي والتصفية والتعذيب من أجهزة المخابرات السورية، وأن تسوية أوضاعهم في مراكز المصالحة حبر على ورق، إلا أن الظروف التي يعيشها المخيم من جوع ومرض وفقر وعدم القدرة على تأمين قوت اليوم، هي ما يدفعهم لاتخاذ هذا القرار".

الملف نحو التسييس

يعمل النظام على استغلال ملف مخيم الركبان إعلامياً، من خلال إجبار الأشخاص المغادرين وهم داخل مراكز الإيواء على تقديم شهادات تشوّه صورة المخيم والنازحين، بهدف الضغط على المجتمع الدولي من أجل تفكيكه، كون المخيم موجوداً ضمن منطقة 55 كم، التابعة للتحالف الدولي، وكون المنطقة الحدودية مهمةً جداً للنظام السوري والروسي في حال تم تفكيك المخيم.

يشير الفضيل إلى أن النظام يبحث عن ثغرات سياسية من أجل تشويه صورة المخيم، والضغط لإعادة المهجرين وتسوية أوضاعهم، وما يرافق ذلك من وجود قوات التحالف الدولي على الأراضي السورية يعدّه النظام غير قانوني.

لا يقدّم التحالف الدولي في قاعدة التنف أي مساعدات للمدنيين ويرد على عشرات الطلبات بأن وجودهم عسكري فقط من أجل محاربة تتظيم داعش

من جهة أخرى، فإن النظام يشيع بأن جيش سوريا الحرة يجنّد الشباب في مخيم الركبان إجبارياً، والحقيقة أن جيش سوريا الحرة يقوم بطلب عساكر للالتحاق بصفوفه كل 6 أشهر، وبعدد محدود لا يتجاوز 75 عسكرياً، في حين أن عدد المتقدمين يصل إلى 200 طلب، ويضيف الفضيل: "الفصيل يقدّم ما يستطيع لمساعدة النازحين إذ يقدّم عبر نقطة طبية، شام الطبي، كافة الخدمات الطبية والصحية والإسعافات الأولية لمعالجة المرضى بالقدر المستطاع، بالإضافة إلى دعم المجال التعليمي في المخيم".

في موازاة ذلك، فإن التحالف الدولي في قاعدة التنف لا يقدّم أي مساعدات للمدنيين في المنطقة، وقد سبق أن قدّم الأهالي هناك عشرات الطلبات للتحالف من أجل مساعدة النازحين في منطقة 55 كم ومخيم الركبان، ولكن من دون استجابة، إذ كانت ردودهم بأن وجودهم عسكري فقط من أجل محاربة تتظيم داعش، ولا يقومون بالتدخل في الشؤون المدنية، يختم فضيل حديثه.

وكان "المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان"، قد دعا عبر بيان له في نيسان/ إبريل الفائت، جميع الأطراف المعنية إلى التحرك العاجل لتقديم الدعم الإغاثي للنازحين السوريين في مخيم الركبان، في ظل اشتداد الأزمة الإنسانية ونفاد المواد الأساسية، التي يسببها حصار قوات النظام السوري للمخيم ومنعها إدخال المواد الأساسية والمستلزمات المعيشية من جهة، وإغلاق الجانب الأردني للحدود وامتناع قوات التحالف الدولي التي تسيطر على منطقة الـ"55" كم، التي يقع المخيم ضمن نفوذها، عن تقديم أي مساعدة إنسانية للنازحين، من جهة أخرى.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard