أمي وأبي أيضاً لم يعتذرا إليّ

الثلاثاء 22 نوفمبر 202212:50 م

"آسف" هي كلمة واحدة قد تغير مسار حوار عدواني، أو مسار شجار مشتعل. كلمة لها قدرة على إغلاق أبواب من العداء قبل أن تُفتح من الأساس. ويمكنها أن تُخمد نيران الغضب المشتعلة في نفوسنا، ولكن هل تتذكر كم مرة سمعت تلك الكلمة في حياتك وكان الطرف الآخر يعنيها حرفياً؟
أصبحنا نستخدم كلمة "آسف" لأكثر من غرض غير غرضها الأصلي، وهو التعبير عن آسفنا وندمنا على فعل قمنا به وأضر بالآخرين، فالبعض يستخدمها على سبيل السخرية حين يواجه بفعل شائن ارتكبه، وعندما يُحاصر هذا الشخص بفعلته قد ينهي الحوار ساخراً بقوله: "طيب أنا آسف يا سيدي" بهدف إنهاء تلك اللحظة، ولكنه لا يعنيها بالفعل.

أما كلمة "آسف" التي تعبر عن الندم الحقيقي فهي ثقيلة على لسان الكثيرين.

آخرون الآن يستخدمون تلك الكلمة بمعناها الإنجليزي وهي أن تكون "آسفاً" لحال أحد ومتعاطفاً معه، ولكنك غير مسؤول بأي شكل من الأشكال عما حدث له كما تستخدم في أمريكا في أوقات الحزن، فيقال "I am sorry for you".
أما كلمة "آسف" التي تعبر عن الندم الحقيقي فهي ثقيلة على لسان الكثيرين، ومن خلال خبرات حياتي لم أتلق إلى الآن اعتذاراً حقيقياً من شخص أذاني. والأزمة الأكبر من وجهة نظري أنني لم أكن أنتظر هذا الأسف من الأساس. وتوقف الشخص عن إيذائي كان كافياً لأن أكون ممتنة له وأنا غير واعية بخطورة الأمر نفسياً علي.
لماذا لم أكن أنتظر الاعتذار؟ لأنني لم أتعوده منذ طفولتي. تلك هي الإجابة التي أدركتها مؤخراً من خلال تعاملي مع ابنة أخي التي تبلغ من العمر 10 سنوات، فعلى مدار تعاملنا منذ أن أصبحتْ واعية، أجد نفسي تلقائياً أعتذر لها إذا قمت بشيء خاطىء في حقها.
أعتذر من كل قلبي وأتأكد أنها تقبلت هذا الاعتذار. كنت أرى دائماً ردود أفعالها دافئة ومرحة فتهون علي الموقف، وبفطرتها الطفولية تحاول تخفيف الأمر علي حتى لا أشعر بالذنب، كي ننسى ما كنت أعتذر من أجله.
أتخيل لو كانت أمي أو أبي اعتذرا لي ولو مرة، مرة واحدة! كيف كان لتفكيري أن يتغيّر؟ كيف كان يمكن لاستحقاقي أن يختلف في جميع علاقاتي المؤذية – سواء صداقة أو حب - والتي لم أسمع فيها اعتذاراً واحداً من الطرف الآخر، رغم أني كنت أعتذر حين أخطئ.
والإجابة هي لأن هؤلاء أيضاً لم يعتذر آباؤهم إليهم، ولم يتعودوا الاعتذار للآخرين، ولكن أيضاً هذا لم يكن عذراً يبرر جمودهم، لأن أبي أيضاً لم يعتذر لي ولكن اخترت طريقاً مختلفاً لحياتي. اخترت أن أعتذر لطفلة، وأنا لم يعتذر الناضجون إلي. والنتيجة الآن أنها تعتذر بصدق لجدتها وأبيها وأمها ولي حين تدرك أنها أخطأت. تلك الطفلة لمجرد أنها سمعت اعتذاراً في موقف بسيط ولمحت الندم الحقيقي في نبرتي وفي طريقة إلقائي لكلمة "آسفة"، قد غيّر من قدرتها على الاعتراف بالخطأ.

أتخيل لو كانت أمي أو أبي اعتذرا لي ولو مرة، مرة واحدة! كيف كان لتفكيري أن يتغيّر؟

نحن نشعر أن آباءنا آلهة لأنهم هم يشعرون بذلك. الآباء لا يعتذرون ولا يخطئون... هكذا تربينا. وإن اخطأوا، فلا يجب الإشارة لهذا الخطأ وكأنه نوع من الكفر. ويكبر الطفل هو الآخر ويتحول لأب أو أم  ترى في نفسها إلهاً معصوماً من الخطأ أمام أبنائه. ونحن في النهاية جميعاً بشر ونخطئ، ولا نملك طوقاً للنجاة من ثُقل الإحساس بالذنب سوى الاعتذار لمن اخطأنا في حقه اعتذاراً بنية صافية.
فيما يخص الأجيال التي كبرت دون أن يعتذر أحد لها، فقد فات الأوان بالنسبة لمعظمهم أن يشجعوا آباءهم على الاعتذار لهم، ولكن أيضاً هم من عليهم كسر تلك "اللعنة" والتضحية عن طريق الاعتذار لأبنائهم. الأمر أشبه بالحفاظ على البيئة الآن وإنقاذها، ليس لنا، ولكن للأجيال القادمة.
إذا اعتذرت لأبنائك، فلن تسمع الاعتذار من آبائك، ولكنك ستخرج للحياة شخصاً قادراً على تحمل مسؤولية أخطائه ولا يرى في الاعتذار ضعفاً، فهو شاهد أعظم شخص في الكون من وجهة نظره وهو طفل، يعتذر له. وبالتالي، عندما يعتذر لك ابنك في يوم من الأيام لن يكون بسبب خوفه منك أو اضطراره لذلك، ولكن بسبب الندم. وكأمر بديهي، سيكون هذا الابن (أو هذه الابنة) قادراً على الاعتذار للآخرين ولآبائهم أيضاً.

نحن نشعر أن آباءنا آلهة لأنهم هم يشعرون بذلك. الآباء لا يعتذرون ولا يخطئون... هكذا تربينا. وإن اخطأوا، فلا يجب الإشارة لهذا الخطأ وكأنه نوع من الكفر

في رحلة علاجي النفسي، أخبرني الطبيب أن أموراً كثيرة قد تقل وطأتها على نفسي إذا اعتذرت أمي عنها وخاصة أن أبي متوفّى وقد فات أوان الاعتذار.
وعندما واجهت أمي، اعتذرت بالفعل، ولكنها اعتذرت لي بأنها "أنجبتني"، وهذا لأنها ترى أنني قد طلبت طلباً يقلل من قدرها، وهو أن تعتذر لي. وقتذاك، قالت: "أنا آسفة يا ستي!".

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard