شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

غيّروا، لا تتأقلموا!
"تسوّل" الفيول لا يمنع العتمة... هكذا ستكون فاتورة 8 ساعات من "كهرباء لبنان"

"تسوّل" الفيول لا يمنع العتمة... هكذا ستكون فاتورة 8 ساعات من "كهرباء لبنان"

حياة

الأربعاء 2 نوفمبر 202204:40 م

الدخول إلى قطاع الكهرباء في لبنان كالدخول في متاهة، ولعلّ أهم ما في القطاع هو "فشله" الفاضح، إذ يعاني لبنان منذ فترة من انقطاع كامل للتيار الكهربائي، تتخلّله ساعة أو ساعتان من التغذية في بعض الأيام، هذا في حال نجحت الدولة في استمالة عطف دولة صديقة من هنا، أو جارة من هناك. ومع ذلك، يستمر المعنيّون في القطاع بإطلاق الوعود في شأن تحسين الواقع القائم.

كثيرة هي الأسباب التي أوصلت لبنان إلى العتمة الشاملة، وواقع الحال اليوم يتحدث عن نفسه، إذ وبسبب الأزمة الاقتصادية، تغيب القدرة على شراء الفيول لعدم توافر الأموال، فيما تحاول السلطة المعنية البحث عن وسائل أخرى، ترقيعية في حدها الأقصى، تُضيء البلد ولو لساعات محدودة، ولمدة محدودة.

"شحادّو الفيول"

بعد أن أصبحت وزارة الطاقة عاجزةً عن شراء الفيول عبر الاستدانة من المصرف المركزي، بسبب الأزمة الاقتصادية التي يعيشها لبنان منذ العام 2019، وبعد المشكلات بين الدولة اللبنانية وشركة النفط الجزائرية "سوناطراك"، بسبب الفيول المغشوش والسمسرات التي كانت ترافق استيراد فيول الكهرباء طوال سنوات مضت منها، حاولت وزارة الطاقة البحث عن مورد جديد للفيول على شكل "مساعدات"، فوجدت ضالتها في العراق، بعد مساعٍ قادها مدير عام الأمن العام عباس إبراهيم، أفضت إلى موافقة العراق على تأمين مليون طن من الفيول على مدى عام، مقابل الحصول على ثمنها بالليرة اللبنانية ومقابل خدمات في مجالات معيّنة.

تأخرت وزارة الطاقة اللبنانية في إتمام واجباتها تجاه العراق، الأمر الذي أثار حفيظة مسؤولين عراقيين تحدثوا عن "سمسرات" وصفقات

في بداية القصة، تأخرت وزارة الطاقة اللبنانية في إتمام واجباتها تجاه العراق، الأمر الذي أثار حفيظة مسؤولين عراقيين تحدثوا عن "سمسرات" وصفقات، سرعان ما غاب الحديث عنها لأسباب مجهولة، وبعدها تبيّن أن الفيول العراقي غير مطابق للمواصفات المطلوبة في لبنان، ومن الضروري استبداله عبر إحدى الشركات العاملة في المجال، فكثرت حينها الشكوك حول صفقات لم يتمكن أحد من كشفها، لا سيما أن دخول "طرف ثالث" يعني سبيلاً لعقد سمسرات كثيرة.

في أيلول/ سبتمبر من العام الماضي، وصلت الشحنة الأولى من الفيول العراقي إلى لبنان، فأعطت الشبكة المعتمة ساعتين من التغذية الكهربائية، و4 ساعات في مناطق معيّنة، ففي لبنان لا مكان للعدالة في توزيع الطاقة، بالرغم من أن جداول مؤسسة كهرباء لبنان تُظهر أن كل المناطق سواسية من حيث الحصول على التغذية الكهربائية وهو ما لا ينعكس على أرض الواقع إطلاقاً.

استمر الفيول العراقي حتى الصيف الحالي، مع اختلاف تأثيراته بين فترة وأخرى، بسبب تأخير وصول الشحنات. عندها، برزت مسألة جديدة عنوانها "الفيول الإيراني"، بعد إعلان أمين عام حزب الله حسن نصر الله، أنه مستعد للتوسط لدى إيران لحصول لبنان على هبة من الفيول. وافق رئيس الحكومة اللبنانية نجيب ميقاتي، وتوجه في أيلول/ سبتمبر الماضي، وفد رسمي إلى طهران لبحث المسألة التي انتهت بحسب "الاتفاق" إلى حصول لبنان على 600 ألف طنّ من الفيول لمدة 5 أشهر مع وقف التنفيذ.

اليوم، بحسب معلومات رصيف22، لا يزال المشروع قائماً والتنفيذ قريب، إذ يتمّ إعداد الأوراق المطلوبة لبدء استيرداه، مع العلم بأنه كان يُفترض منذ الشهر الماضي، أن تصل الدفعة الأولى، إنما بطء الإجراءات في إيران، وما تواجهه طهران اليوم من أحداث داخلية، أخّرا الأمر بعض الشيء.

خدعة أم ماذا؟

خلال البحث عن مصدر للفيول، وإبان مرحلة وصول المازوت الإيراني إلى حزب الله في لبنان، برز في شهر آب/ أغسطس 2021، وعد أمريكي للمسؤولين اللبنانيين بمساعدتهم في الحصول على غاز مصري وكهرباء أردنية، عبر سوريا، بعد إعفائها من قانون قيصر المتعلق بالعقوبات عليها.

باشرت وزارة الطاقة اللبنانية زياراتها إلى مصر والأردن لبناء التفاهمات، وترميم خطوط النقل في الأراضي السورية، وأتمت كل واجباتها بحسب ما صرح مسؤولها أكثر من مرة، ليصطدم المشروع بموافقة البنك الدولي، وهنا تتجمد الأمور اليوم.

تجميد مشروع الغاز المصري حصل نتيجة أمرين: الأول سياسي يتعلق بالعلاقات الأمريكية-اللبنانية-السورية، والثاني يتعلق بالبنك الدولي الذي يضع شروطاً تتعلّق بالشفافية والتعرفة والتدقيق في الحسابات

بحسب المعلومات التي حصل عليها رصيف22، من الذين يعملون على الملف ويتابعونه، فإن التجميد حصل نتيجة أمرين: الأول سياسي يتعلق بالعلاقات الأمريكية-اللبنانية-السورية، والثاني يتعلق بالبنك الدولي الذي يشترط لتمويل المشروع النقاط التالية: تشكيل الهيئة الناظمة للكهرباء، ورفع التعرفة، وإجراء التدقيق المالي في حسابات مؤسسة كهرباء لبنان.

وتُشير المعلومات إلى أن النقطة الثالثة قابلة للتفاوض، إنما الأولى والثانية أساسيتان لتمويل المشروع، ويبدو أن وزارة الطاقة باتت قريبةً جداً من طرح تشكيل الهيئة الناظمة على طاولة البحث الجدي، ومشروع رفع التعرفة سيصبح نافذاً قبل بداية العام الجديد.

ما يؤكد هذه المعلومات، كلام نائب رئيس البنك الدولي لمنطقة الشرق الاوسط وشمال إفريقيا، فريد بلحاج، خلال زيارته لبنان قبل أيام، عندما قال رداً على سؤال عن تمويل البنك الدولي لملف استجرار الغاز والكهرباء من مصر والأردن، إن "هناك إصلاحات مهمةً يجب على الدولة اللبنانية اتخاذها، ونحن نسير مع الحكومة في هذه الإصلاحات، وعندما تصل إلى مستوى من التمكّن الذي يعطينا القدرة على النظر بإيجابية إلى إمكانية المضي قدماً في دعم هذا المجال، فنحن مستعدون للدعم".

خيار الاستدانة الدائم

لم يؤدِّ تسوّل الفيول إلى ساعات تغذية كبيرة، ولا يبدو أن الغاز المصري في طريقه إلى لبنان قريباً، لذلك كان البحث عن وسائل أخرى. ففي آذار/ مارس من العام الماضي، أقرَّت اللجان النيابية المشتركة في المجلس النيابي، اقتراح القانون المعجّل المكرر المتعلق بإعطاء مؤسسة كهرباء لبنان سلفة خزينة لشراء الفيول، بعد أن خُفّضت قيمة السلفة من 1،500 مليار ليرة، إلى 200 مليون دولار، أي إلى نحو 300 مليار ليرة (بحسب سعر صرف الدولار الرسمي)، وهي قيمة تكفي لشراء فيول يؤمّن الكهرباء المقنّنة لمدة لا تزيد عن الشهرين.

دُفعت الأموال ولم تشهد التغذية تحسناً، بل ازداد العجز عجزاً، وازداد التقنين تقنيناً، واليوم هناك تفكير جديد في وزارة الطاقة في شراء الفيول عبر تمويل من مصرف لبنان لمدة 6 أشهر.

 تُعدّ وزارة الطاقة والمياه دفتر شروط مناقصة شراء "فيول أويل"، لزوم تشغيل معامل كهرباء لبنان

وفي المعلومات التي حصلنا عليها، تُعدّ وزارة الطاقة والمياه دفتر شروط مناقصة شراء "فيول أويل"، لزوم تشغيل معامل كهرباء لبنان، تمهيداً لإطلاق المناقصة وتأمين الفيول لإنتاج 700 ميغاوات تؤمّن إلى جانب الفيول العراقي المتوقع وصوله قريباً، نحو 8 ساعات تغذية بالكهرباء، بعد نحو شهر ونصف الشهر، وذلك بعد اتفاق مع مصرف لبنان على تمويل هذه العملية بقيمة 100 مليون دولار شهرياً، لمدة ستة أشهر، على أن يكون ذلك مشروطاً برفع التعرفة لتؤمّن مؤسسة كهرباء لبنان بدل الفيول، عبر تحويل أموال الفواتير بالليرة إلى الدولار من خلال منصة صيرفة التابعة للمصرف المركزي.

رفع التعرفة وصعوباتها

في الفترة الأولى التي طُرحت فيها مسألة زيادة التعرفة، شكّل التساؤل حول ما سيتحقق أولاً: التعرفة أم زيادة التغذية؟ أزمةً للمعنيين، إذ رأت وزارة الطاقة أن لا إمكانية لزيادة ساعات التغذية قبل شراء الفيول، ولا إمكانية لشراء الفيول من دون توافر الأموال بعد رفع التعرفة، بينما رفضت القوى السياسية هذه المعادلة، مشددةً على أن "لا قبول برفع التعرفة قبل زيادة التغذية إلى ما بين 8 و10 ساعات يومياً".

وآخر هذه المواقف كانت لنائب أمين عام حزب الله، الشيخ نعيم قاسم، الذي قال الشهر الماضي: "لقد قرأنا وسمعنا أنه توجد نيّة لدى وزارة الطاقة في أن تزيد التعرفة قبل زيادة ساعات التغذية، وهذا مخالف لآخر قرار حكومي حول الكهرباء، والذي تحدث عن إمكانية إجراء تعديل التسعيرة عندما تعطي مؤسسة كهرباء لبنان من ثماني إلى عشر ساعات، أما الآن مع عدم إضافة الساعات المطلوبة، فحزب الله يرفض رفضاً قاطعاً أي زيادة على تسعيرة الكهرباء، وهو يقبل بنقاش التسعيرة عندما تتجاوز ساعات التغذية الثماني أو العشر ساعات للمواطنين، من أجل أن يكون هذا الكمّ من الكهرباء كافياً ليستغني المواطنون أكثر عن المولدات والتكاليف الأخرى التي يدفعونها".

مع بداية الشهر الجاري، أصبحت التعرفة الجديدة سارية المفعول، بالرغم من تهديد القوى السياسية بالويل والثبور وعظائم الامور، في حال بدأ العمل بالتعرفة الجديدة، قبل زيادة الإنتاج، لكن الفاتورة الأولى على السعر الجديد لن تصدر قبل شهر كانون الثاني/ يناير من العام المقبل، على أن تتضمن متوجبات شهري تشرين الثاني/ نوفمبر الحالي، وكانون الأول/ ديسمبر المقبل.

المنزل الذي يستهلك 300 كيلو وات في الشهر، سيدفع لكهرباء لبنان مليوناً و926 ألف ليرة لبنانية، ويدفع اليوم لأصحاب المولدات للكمية نفسها ما يزيد عن 6 ملايين ليرة، لكنه لن يتخلّى عنها وبالتالي سيدفع فاتورتين مقابل 16 ساعدة تغذية

تُشير مصادر مطلعة في مؤسسة كهرباء لبنان، إلى أن المصرف المركزي قرر أخذ المبادرة وتأمين الأموال لشراء الفيول، ومن ثم يُصار إلى رد الأموال بعد جباية الفواتير وفق التسعيرة الجديدة التي ستكون 10 سنتات لأول مئة كيلو وات من استهلاك الكهرباء، و27 سنتاً لكل كيلو وات بعد المئة، بالإضافة إلى تعرفة شهرية ثابتة، وهي 21 سنتاً أمريكياً لكلّ أمبير، على أن يكون سعر الدولار بحسب منصة صيرفة الصادرة عن مصرف لبنان.

التسعيرة الجديدة

بحسب سعر منصة صيرفة اليوم، البالغ 30،100 ليرة مقابل الدولار، فإن المنزل الذي يستهلك 300 كيلو وات في الشهر (وهو رقم مرتفع لن يستهلكه المواطن خلال شهر في حال كانت التغذية 8 ساعات يومياً، لكننا سنعدّ أن الكهرباء مؤمنة كالمولدات نحو 16 ساعةً يومياً)، سيدفع لكهرباء لبنان مليوناً و926 ألف ليرة لبنانية، تُضاف إليها نحو 3 دولارات، أي 90 ألف ليرة لاشتراك الـ15 أمبيراً، بينما يدفع اليوم لأصحاب المولدات للكمية نفسها ما يزيد عن 6 ملايين ليرة، مقابل 5 أمبيرات فقط.

قد تكون فاتورة "كهرباء الدولة" أوفر، لكن بحسب المصادر في المؤسسة، هناك صعوبات ستواجه هذه المسألة، تتعلق بالقدرة على الجباية، إذ معلوم أن هناك مناطق لا تدفع فاتورة الكهرباء، ومناطق أخرى يبلغ مستوى سرقة التيار الكهربائي فيها نحو 30 في المئة من الإنتاج، وكل هذه المشكلات ستؤدي حتماً إلى تسجيل خسائر في ميزانية مؤسسة الكهرباء.

كذلك هناك مشكلات إضافية هي أن الساعات الثمانية لا تكفي المنازل، لذلك ستكون البيوت ملزمةً بالاعتماد على المولد أيضاً، لتغطية ساعات القطع، وعندها يصبح المواطن أمام فاتورتين كبيرتين للكهرباء في ظل عدم وجود رقابة على أصحاب المولدات وفواتيرهم.

إذاً، يكاد يكون لبنان من الدول القليلة حول العالم التي لا تتوفر فيها الكهرباء في العام 2022، بالرغم من أنها صرفت على القطاع أكثر من 45 مليار دولار أمريكي، وهو رقم يسمح بإنتاج الكهرباء 24 على 24، للبنان ولنحو 10 دول بحجمه. فهل تصدق الوعود هذه المرة بتأمين الكهرباء، ولو لـ8 ساعات قبل نهاية العام الحالي؟

Website by WhiteBeard