شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

غيّروا، لا تتأقلموا!
بو ناصر الطفّار وتصنيف "سفاري" بـ"العدائي"... "ليس ضرورياً أن يكون هناك سوط وسلاسل لنشعر بأننا عبيد"

بو ناصر الطفّار وتصنيف "سفاري" بـ"العدائي"... "ليس ضرورياً أن يكون هناك سوط وسلاسل لنشعر بأننا عبيد"

حياة نحن والتنوّع

الأربعاء 2 نوفمبر 202204:18 م

كثيراً ما تتحول مواقع التواصل إلى منصات تتيح للفنانين نشر فنهم وكسب متابعين جدد، خاصةً لأولئك الذين يعملون بشكل مستقل ولا تدعمهم شركة إنتاج، ويمثّل يوتيوب وسيلة دخل مهمةً لكنها مشروطة، وغالباً ما تكون شروطها سريةً تسمح بتحميل محتوى، ثم تحدّ من انتشاره.

قبل بضعة أسابيع، أطلق مغنّي الراب اللبناني، بو ناصر الطفّار، أغنية "سفاري"، من إنتاج "الأديب"، وهي رحلة "موسيقية" من 4 دقائق يحاول فيها سرد "فظائع الاستعمار والمستعمر"، والتي عدّها يوتيوب ذات "محتوى عدائي"، وحدّ من انتشارها وجعلها لا تصل إلا إلى فئة صغيرة من الناس الذين يتابعون قناته الخاصة.

يناقش بو ناصر، في هذه المقابلة، الصعوبات التي يواجهها الراب في العالم العربي، والحصار الرقمي والحقيقي على الفن السياسي.

س: لماذا اخترت الراب؟

ج: عن طريق الصدفة. استمعت إلى كاسيت عندما كان عمري 12 سنةً، واستهوتني اللغة حتى انتقلت من مستمع إلى مؤدٍّ. المولودون في بلد كلبنان، ومنطقة كبعلبك (البقاع-شرق لبنان)، دائماً يجدون مواضيع ليطرحوها، ويشعرون بارتباط بأي عمل ثوري أو أي عمل يعبّر عن غضب ما، لأنه يتشابه مع حياتهم اليومية. أطلقت الألبوم الأول مع جعفر الطفّار (مغنّي راب لبناني)، عام 2009، وكان عمري آنذاك 22 سنةً. كان تلقّي الألبوم هائلاً، لأنه كان أول ألبوم راب لبناني يحمل رسائل قاسيةً أُطلق بلهجتنا البعلبكية بلا خطوط حمر أو شركة إنتاج، وكان سياسياً في صلبه، ويشبه الراب الذي استمعت إليه في صغري. نلنا اهتماماً إعلامياً وقتها، كبعلبكيَّين يغنيان الراب. بدايةً، فرحت بوجودي على الشاشة، ثم نشأت عداوة بيني وبينها لأنني راكمت معرفةً عن معنى الإعلام التقليدي، وجاء الاهتمام كمجرد تصفيق للخطاب العشائري الذي استخدمناه وقتها، وكانت صورة نمطية عن البعلبكيين مع تعبير عن كره راديكالي للدولة وكل ما تمثله.

س: هل تندم على تكريس هذه الصورة النمطية؟

ج: لا، لأن عملي لم يكن مبنياً حولها، وحماسة الناس بدأت تظهر عندما تحولت أغنياتي إلى أداة محاسبة لقوى الأمر الواقع في بعلبك. ومع الوقت، راكمت وعياً وتجربةً تجلّيا في بداية الثورات العربية عندما تُرجم وعيي في سياق واضح للتعبير عن انحيازي إلى هذه الثورات أينما كانت، فأنا أدعم الحراك في لبنان، كما أدعمه في كل مكان آخر.

لم أتبنَّ الخطاب العنفي، ولم أدعُ إلى قتل من يقتلنا، ولن أنتج أغنيات في وجه من يقاتلني بالصواريخ. لذلك الانتفاضة كانت تجربةً هائلةً

في تلك الفترة، لم يعد خطابي يمثّل أحداً، ففنّي يعبّر عني فقط، وأنا المسؤول عن عملي الذي لا يعبّر عن ابن المنطقة. حتى لهجتي اختلفت كاختلاف وجهة نظري تجاه الأمور، مثلاً كالربط بين مجزرة في غزة وأخرى في حلب، لأن الإنسان نفسه يُقتل في الحالتين، وهذا ليس الخطاب السائد والمكرس في المنطقة، وتبنّي الخطاب الجديد أفادني في نقل صوت جديد من المنطقة. حتى أن هذه الأغاني ارتبطت بشكل وثيق بتحركات 17 تشرين الأول/ أكتوبر عام 2019، في لبنان.

س: كيف كانت تجربتك في 17 تشرين الأول/ أكتوبر؟

ج: الفترة التي سبقتها كانت صعبةً، لذلك هاجرت إلى تركيا. معظم اللبنانيين عاشوا فترةً صعبةً بعد الانتفاضة، لكن قسماً كبيراً منهم، وبينهم أنا، عاش هذه الفترة قبل الانتفاضة. في أغنية هيكسافوبيا، أعبّر عن هذا اليأس والتسليم للأمر الواقع أمام القوى المسيطرة، خصوصاً أنني لم أتبنَّ الخطاب العنفي، ولم أدعُ إلى قتل من يقتلنا، ولن أنتج أغنيات في وجه من يقاتلني بالصواريخ. لذلك الانتفاضة كانت تجربةً هائلةً، خاصةً لأن كل الأغاني التي أنتجتها ظهرت فجأةً في المظاهرات وكُتبت على الجدران.

س: كيف أثّر خروجك من لبنان على إنتاجك الموسيقي؟

ج: ساعدني كثيراً. لم أعد أنتظر ساعة الكهرباء أو الإنترنت في أثناء عملي، خاصةً أنني أحتاج إلى إرسال ملفات طويلة. لم يعد وقتي يضيع هدراً، وبنيت علاقات في مجالي، ما انعكس على نوعية عملي، فإنتاج الفيديوهات أصبح أكثر احترافيةً واستطعت أن أقوم بجولة موسيقية في أوروبا. كل ذلك كان حلماً في لبنان، حيث عملت كحمّال لتأمين إيجار البيت، أما الآن، فأنا متفرغ للعمل الإبداعي في الموسيقى والكتابة الصحافية والروائية والترجمة.

س: هل توافق على القول بافتقاد الراب قاعدةً جماهيريةً في لبنان؟

ج: بيعت تقريباً كل تذاكر الحفلات التي قمت بها في مختلف المناطق اللبنانية، وسيطر الراب على ساحات المظاهرات في الدرجة الأولى، بعد نفور المستمعين من الأغاني الثورية التقليدية ومغنّيها. يحدث ذلك في مصر وسوريا وتونس، لأن مقدّمي الأغاني الثورية التقليدية في غالبيتهم مقربون من النظام ويتمتعون بامتيازات معيّنة ويغنّون وفقاً لبروباغاندا معيّنة، أمّا الراب فقد تخطّى هذه الخطوط.

هناك كُثر لا يسمع صراخهم أحد، وأنا أستغل المنصة المتاحة لي لأوصل صوت أحدهم لا لأصبح مشهوراً وأحصي مشاهدات على يوتيوب. وأغنية سفاري كانت تأكيداً على هذا الخيار، لكن لذلك ثمناً باهظاً

في بعض الحفلات لم نكن قادرين على المشي لتعرّضنا للضرب خلال مظاهرة. لم يكن هناك فرق بين المسرح والمظاهرات. الناس تعرف ذلك وتعلقت بالراب بسبب ذلك. هناك قاعدة جماهيرية هائلة، وإلا من يستمع إلى الأغاني التي أنتجها؟ من واجبي أن أنتج فناً يشعر المستمعون إليه بأنه يعبّر عن فكرة لا يستطيعون التعبير عنها. هناك كُثر لا يسمع صراخهم أحد، وأنا أستغل المنصة المتاحة لي لأوصل صوت أحدهم لا لأصبح مشهوراً وأحصي مشاهدات على يوتيوب. وأغنية سفاري كانت تأكيداً على هذا الخيار، لكن لذلك ثمناً باهظاً. 

س: ما هو الثمن الذي يدفعه الفنان الذي يريد أن يوصل "صراخ الناس"؟

ج: هناك مغنّو راب عرب ومغنّو المهرجانات في مصر الذين ينجحون بطريقة ما ويحصدون المشاهدات بالملايين، أما أنا فأدفع ثمناً أكبر لأن عملية إنتاج الراب متعبة، ولأنني أُحضّر كل شيء بنفسي، كصورة الأغنية والنص والمحاسبة القانونية التي يمكن أن تطالني والمخاطرة بحياتي. عندما عشت في لبنان، أنتجت موسيقى للثورة السورية، مما عرّض حياتي وحياة عائلتي للخطر. عندما أغنّي لجورج عبد الله المسجون في فرنسا، أو أغنّي ضد الاحتلال الإسرائيلي في ألمانيا، أو ضد الرجل الأبيض، يُعدّ ذلك معادياً للسامية في قانونهم، مما يرتب عليّ عواقب عدة. الخيار المهني الذي أخذته ليس خياراً مراهقاً، بل له عواقب جمة على الصعيدين المهني والشخصي.

س: لماذا قد يغنّي أحدهم عن الاستعمار؟

ج: السؤال يجب أن يكون: "كيف لأحدهم ألا يغنّي عن الاستعمار؟"، فالاستعمار يرتبط بتاريخنا وحاضرنا ومستقبلنا. عندما أغنّي عن الاستعمار، لا أتضامن مع قضية لا تعنيني، لأن الاستعمار يأخذ أشكالاً عدة، منها تجارة العبيد ومنها دعم الأنظمة الديكتاتورية التي تحكمنا أو دعم الاحتلال الإسرائيلي. ليس ضرورياً أن يكون هناك سوط وسلاسل لنشعر بأننا عبيد لتلك القطعة من الكرة الأرضية. قبل بضعة أيام، قال جوزيف بوريل، إن أوروبا هي حديقة العالم وسائر العالم غابة. لم يقل ذلك في القرن العشرين، لأن الاستعمار موجود في كل لحظة.

س: لماذا اخترت أن تغنّي بلغة المستعمر أغنيةً مناهضةً للاستعمار؟

ج: لأسباب كثيرة، منها أن المستعمر لا يتعلّم لغةً غير لغته، بينما إذا لم يتعلّم عربيٌّ الإنكليزية أو الفرنسية يُعدّ متخلفاً، وإذا تعلّم هاتين اللغتين يقال عنه إنه مثقف، بينما إذا قال أوروبي كلمة "مرحبا"، يهرع كثيرون للتصفيق له. هذه عقدة دونية تنشأ من تأثرنا بخطاب المستعمر بالأفلام والموسيقى والبروباغندا. استعمال هذه اللغة وترجمة الأغنية مهمان ليفهم جاك (ترميز للرجل الأبيض)، الأغنية، لأنها موجهة إليه. وأخاطبه بكلمات حفّظني إياها، مثل Beauty and the Beast، وهو عنوان بشع فعلاً. نتربّى على أن هناك أميرةً وهناك وحشاً ونحن الوحوش.

 ليس ضرورياً أن يكون هناك سوط وسلاسل لنشعر بأننا عبيد لتلك القطعة من الكرة الأرضية. قبل بضعة أيام، قال جوزيف بوريل، إن أوروبا هي حديقة العالم وسائر العالم غابة

س: لماذا أسميت الأغنية "سفاري"؟

ج: هي كلمة عربية مشتقة من كلمة سفر، وتُستخدم في اللغة الإفريقية السواحلية. تطور معنى هذه الكلمة ليعني الرحلات في الأدغال. في هذه الأغنية، نحن نخوض السفاري بتاريخ العم جاك المتوحش والقذر. مثلاً، في الفيديو يطعم رجل أبيض شوكولا كيندر التي يُمنع بيعها في الولايات المتحدة لأطفال أفارقة، كنوع من التجربة. هذا الفيديو لا يُمنع على يوتيوب، بل يحصد المشاهدات، لكن عندما أسلّط الضوء عليه، يحدّ يوتيوب من مشاهدات أغنيتي.

س: كيف أثّر حظر يوتيوب على الأغنية؟

ج: أثّر سلباً وإيجاباً. قبل الحظر، وصلت الأغنية إلى جمهور جديد حاصدةً أكثر من 3،000 مشاهدة يومياً، مع أنني أضفت في أول الفيديو تحذيراً على تضمّن الفيديو محتوى حساساً، عدّه يوتيوب محتوى عدائياً. لا يقترح يوتيوب الفيديو بل يظهره مشوشاً ولا يصل إلى جمهور جديد بل يظهر فقط لمن لديه الرابط أو للمشتركين في قناتي. اليوم يحصد الفيديو ما لا يزيد عن 17 مشاهدةً يومياً. لكنه أعطى مصداقيةً للعمل، وتضامن كثيرون معي ونشروا الأغنية، وأكثر من 400 شخص شاركوا الأغنية على إنستغرام استنكاراً للحظر. حصلت على المشاهد العنيفة في الفيديو من مصادر مفتوحة لا حظر عليها، لأنها وُضعت في سياق دعائي، لكن يوتيوب يرفض جرائم الرجل الأبيض... إلا جرائم هتلر. الحقيقة عدائية وإفصاحنا عن جرائم الاستعمار عدائية كذلك.

س: كيف راكمت وعيك السياسي من خلال الراب؟

ج: جزء من هذا الوعي مبنيّ على الراب الذي كنت أستمع إليه، إذ إن معظمه كان سياسياً مرتبطاً بالتحركات المناهضة للعنصرية في الولايات المتحدة. وهو أيضاً مبنيّ على تجاربي الشخصية. دُعيت قبل بضعة أشهر للغناء في مهرجان "صوت" الداعم للقضية الفلسطينية الذي أقيم في ألمانيا، وكان من المفترض أن أكون موجوداً خلال شهر حزيران/ يونيو، وقدّمت على تأشيرة الدخول التي يجب أن تُمنح للفنان بعد 14 يوماً كحدٍّ أقصى، لكن السفارة أجّلت إعطائي جواز سفري وتأشيرة الدخول، ما أجبرني على تأجيل حجز التذاكر والفندق ودفعت ثمن التأجيل من جيبي الخاص. قبل العرض بساعتين، أعطتني السفارة جواز السفر المرفوض، ما أجبرني على إلغاء الرحلة. تضامن معي الجمهور في برلين المؤلف من أشخاص أجبرتهم بلادهم على المغادرة. المفارقة تكمن في أن ألمانيا تدعم المؤسسات الفنية والثقافية في لبنان، لكنها ترفض أن أغنّي في برلين. ماذا عساني أفعل عندما أُمنع من أداء أغنياتي في الخارج، وأُهدَّد في بلدي، ويمنع يوتيوب أغنياتي؟

لماذا يصعب تقبّل الآخر كما هو؟ شاركونا آلامكم (أو تجاربكم) إن كنتم قد تعرضتم لرفض ما، من أي نوع. شاركونا بما يدور في رؤوسكم حالياً. غيّروا، ولا تتأقلموا!.

نرفض أن نكون نسخاً مكررةً ومتشابهةً. مجتمعاتنا فسيفسائية وتحتضن جماعات كثيرةً متنوّعةً إثنياً ولغوياً ودينياً، ناهيك عن التنوّعات الكثيرة داخل كل واحدة من هذه الجماعات، ولذلك لا سبيل إلى الاستقرار من دون الانطلاق من احترام كل الثقافات والخصوصيات وتقبّل الآخر كما هو! لا تكونوا مجرد زوّار عاديين، وانزلوا عن الرصيف معنا، بل قودوا رحلتنا في إحداث الفرق. اكتبوا قصصكم، فكل تجربة جديرة بأن تُروى. أخبرونا بالذي يفوتنا. غيّروا، ولا تتأقلموا!

Website by WhiteBeard