العلويون والشيعة... ما باعَدَته العقيدة قرّبته السياسة

العلويون والشيعة... ما باعَدَته العقيدة قرّبته السياسة

سياسة نحن والتنوّع

الخميس 20 أبريل 202307:37 ص

يعتقد البعض أنّ العلويين فخذ من الشيعة الاثني عشرية، وربما ساهم التحالف بين النظامين الإيراني والسوري حديثاً في انتشار هذا الاعتقاد. ولكن في الواقع، يبتعد العلويون عن الاثني عشريين، إذ غاصوا في العرفانية ونسجوا مذهبهم على أساس الباطن المقدس للنص القرآني، وبالتالي فإن الخلاف العقائدي بين المذهبين كبير... ولكن ما فرّقته العقيدة جمعته السياسة عبر تحالفات قديمة وحديثة.

في التاريخ الحديث، شكّل وصول حافظ الأسد إلى السلطة في سوريا، عام 1970، لحظة فارقة في تاريخ الدولة السورية. فلأول مرة يصل شخص من الطائفة العلوية إلى سدة الحكم في دولة أكثرية شعبها من السنّة، وهي خطوة كان الأسد نفسه يخشاها.

طريق الأسد الطويل

لم يظهر الأسد فجأة في المشهد السوري. كان مكوِّناً أساسياً من مكوّنات السلطة التي تتحكم بها "اللجنة العسكرية" لحزب البعث، منذ أن نفّذت انقلاب الثامن من آذار/ مارس 1963، وهيمنت على السلطات والمراكز العسكرية والمدنية في الدولة، تحت شعارات مختلفة بينها تصحيح المسار، والقضاء على العناصر الرجعية، وإعادة إحياء مشروع الوحدة العربية...

و"اللجنة العسكرية" كانت قد تشكلت في القاهرة عام 1959، إبان الوحدة مع مصر، وتكوّنت من مجموعة ضباط هم محمد عمران وصلاح جديد وحافظ الأسد وعبد الكريم الجندي وأحمد المير، رفضوا وقتها حل حزب البعث، المطلب الذي كان يطرحه الرئيس المصري جمال عبد الناصر.

ولم تبقَ هذه اللجنة على حالها بل توسعت لاحقاً لتضم 15 عضواً: خمسة علويين، إسماعيلييْن، درزييْن، وستة من السنّة. ولم تكن متناغمة في عملها بل شهدت الكثير من الصراعات التي غالباً ما كانت تدور على أساس الطموحات السياسية لأعضائها لا على أسس طائفية.

ومع حلول العام 1970، كان أبرز اسمين في اللجنة هما حافظ الأسد وصلاح جديد. كلاهما ينتمي إلى الطائفة العلوية، وتخرجا من الكلية العسكرية في مدينة حمص، ورفضا قرار عبد الناصر بحل حزب البعث في سوريا كشرط لإتمام الوحدة، ليشاركا في تشكيل اللجنة.

شهدت العلاقة بين الرَجُلين مراحل مد ومراحل جزر. يقول المستشرق الهولندي نيقولاوس فان دام في كتابه "الصراع على السلطة في سوريا": "بينما نجح حافظ الأسد في فرض سيطرته على معظم القوات المسلحة السورية، فقد أحكم جديد قبضته على جهاز الحزب المدني بشغل أهم مراكز الحزب المدنية بمؤيديه، وهكذا تم خلق ما يُسمّى بـ‘ازدواجية السلطة’" بين مؤسستي السلطة السورية الرئيسيتين، أي القوات المسلحة وجهاز حزب البعث المدني.

ولعلّ أبرز مراحل المد كان توحدهما عام 1966 على عزل الرئيس أمين الحافظ، أو لعلها توحدهما على إقصاء رفيقهما العلوي محمد عمران. ولكن الأكيد أن أبرز مراحل الجزْر كانت في تشرين الثاني/ نوفمبر 1970، في ما تسمّيه أدبيات حزب البعث "ثورة تصحيحية"، عندما اعتقل الأسد رفيق دربه السابق وأودعه سجن المزة حيث توفي سنة 1993.

طوال فترة "تسلّط" اللجنة العسكرية على الشؤون السورية، بقيت واجهة الحكم في سوريا سنّية. فرغم أن 100% من مؤسسيها، و60% من أعضائها بعد أن توسعت، كانوا من الأقليات الدينية، إلا أن الكل كان يخشى تحويل سوريا إلى دولة تحكمها أقلية أو أقليات.

حتى عندما انقلب حافظ الأسد على رفيقه القديم صلاح جديد، واستولى منفرداً على السلطة، فإنه لجأ طيلة ثلاثة أشهر إلى التخفّي خلف واجهة سنّية هي الرئيس المؤقت أحمد الحسن الخطيب، قبل أن يقرر لاحقاً التخلي عن هذه الواجهة، ويصير رئيساً للجمهورية في 22 شباط/ فبراير 1971.

وصل الأسد إلى سدّة الحكم وكان الجيش السوري يضم عدداً كبيراً من العلويين بفعل عوامل عدّة. أحد هذه العوامل التي يرصدها فان دام هو تحفيز الفرنسيين، في فترة الانتداب، أبناء الأقليات على الانتساب إلى القوات الخاصة للشرق الأدنى التي ستتحول لاحقاً إلى جيش سوري وآخر لبناني، في وقت كانت العائلات السنّية الثرية ذات الميول القومية العربية قد رفضت إرسال أبنائها للتدريب العسكري، لأسباب أيديولوجية وبسبب "احتقارها" للمهنة العسكرية، وفي وقت كان انتماء أبناء المناطق الريفية إلى الجيش يوفّر لهم رفاهية لا يوفّرها العمل الشاق في الزراعة.

وفي ظل استمرار جاذبية السلك العسكري للعلويين، استمر انتسابهم إلى المدرسة الحربية في حمص، وكان مَن يصلون إلى مراكز قيادية "يمدّون يد العون" لأبناء مجتمعاتهم ليُقبَلوا في الجيش.

وبعد انقلاب 1963، "ما لبث أن ازداد عدد أعضاء الأقليات في سلك الضباط السوريين مرة أخرى على حساب السنيين. وأحد الأسباب الرئيسية لذلك هو أن القادة البعثيين العسكريين الذين شاركوا في الانقلاب قاموا باستدعاء العديد من الضباط وضباط الصف الذين تربطهم بهم أواصر عائلية أو عشائرية أو إقليمية لتعضيد مراكزهم الجديدة التي حصلوا عليها على وجه السرعة"، بحسب فان دام.

البحث عن الاعتراف

رغم أن وصول الأسد إلى سدّة السلطة لم يكن بطريقة ديمقراطية تحتكم إلى الأقلية والأكثرية، إلا أنه أخذ بالحسبان المشاكل التي سيواجهها من المحيط الداخلي والخارجي على حد سواء، بسبب طائفته التي كان كثيرون يكفّرون أبنائها، في بلد ينص دستوره على أن دين رئيس الجمهورية هو الإسلام.

أيام الانتداب الفرنسي، كانت العائلات السورية السنّية الثرية ذات الميول القومية العربية ترفض إرسال أبنائها إلى الجيش، لأسباب أيديولوجية وبسبب "احتقارها" للمهنة العسكرية، بعكس أبناء المناطق الريفية الذين كان الجيش يوفّر لهم رفاهية

وبقي الأسد مهتماً بهذا الأمر، حتى بعد اعتلائه منصب رئاسة الجمهورية، وحث حليفه الاستراتيجي في لبنان، الإمام موسى الصدر، على استصدار فتوى تنص على أنّ العلويين جزء من المسلمين الشيعة، وهو ما قام به الأخير في كلمة له عام 1973 قال فيها: "إن هؤلاء المسلمين الملقبين بالعلويين هم اليوم إخوان الشيعة الذين يسمون في مصطلحات الحاقدين ‘المتاولة’ ولن نسمح لأحد بذم فئة كريمة...".

ويشير باتريك سيل في كتابه "الأسد والصراع على الشرق الأوسط"، إلى أن الصدر، خلال زياراته المتكررة إلى دمشق، "أصبح صديق الأسد الحميم الموثوق وحليفه السياسي الذي مكّن الأسد من مواجهة منتقديه السنيين في دمشق عام 1973، عندما أصدر فتوى بأنّ العلويين جزء أصلي من المسلمين الشيعة".

بين السياسة والعقيدة

لم تبدأ علاقة الأسد ومعسكر الخميني عام 1979، فهي تعود إلى ما قبل انتصار الثورة الإيرانية، وكان موسى الصدر همزة الوصل بين الطرفين، كما يوضح باتريك سيل. وبعد انتصار "الثورة"، أرسلت الجمهورية الإسلامية الوليدة وفوداً إلى دمشق، في سياق سعيها إلى بناء علاقات جيدة مع الأنظمة العربية التي كانت توصف بأنها "ثورية"، داعيةً إلى بناء علاقات وطيدة بين البلدين.

وسرعان ما بدا أن الأمور تسير بشكل أكثر من جيد بين دمشق وطهران عبر موقفين: دعم الأسد لإيران في حرب الخليج الأولى، وتغاضي إيران عن المجازر التي ارتكبها النظام السوري في حماة، أثناء حربه ضد الإخوان المسلمين، عام 1982.

وفي وقت كانت قذائف "قوات الحرس الجمهوري" تنصبّ على حماة، مخلّفة آلاف الضحايا، "كانت الصحافة الغربية تقدّم ما يشبه التبريرات لذلك العمل بصفته شراً لا بد منه لإزاحة شبح الخمينية عن بلاد الهلال الخصيب"، حسبما يوضح ميشيل سورا في كتابه "سوريا/ الدولة المتوحشة". ولكن في الواقع، التزمت الخمينية نفسها، وليس شبحها، الصمت، مفضلةً الحليف المذهبي على الحليف الإسلامي الأيديولوجي.

وفي سياق الحديث عن المذهبية، شهدت سوريا بعد انتصار الثورة الإيرانية حركة نشر للتشيّع كان نجمها "جمعية المرتضى" التي أسسها جميل الأسد في اللاذقية، عام 1981، ثم سرعان ما افتتح لها فروعاً في معظم المحافظات السورية، مركزاً على استقطاب أبناء العشائر في مناطق درعا والجزيرة السورية والقامشلي. وبحسب ميشيل سورا، فإن هذه الجمعية "يقف وراءها بكل عزم جميل ورفعت الأسد، أخوا الرئيس، ومعين ناصيف وعلي عيد (من علويي طرابلس في لبنان)".

"على الرغم من أنّ حافظ الأسد كان على تحالف استراتيجي مع إيران، إلا أنّه لم يسمح لمبادئ الثورة الإيرانية بالتغلغل في سوريا"

يروي عبد الرحمن الحاج في كتابه "البعث الشيعي في سوريا 1919 – 2007" (طبع نسخته الأولى دون وضع اسمه عليه، خوفاً من الملاحقة، ثم عاد ووضعه في طبعة عام 2017) أن "أفكار الجمعية كانت منفرة للوسط السنّي إلا أنه انتسب للجمعية آلاف من المواطنين السوريين في المدن السورية وأريافها تحت وطأة الخوف من القمع الدموي الذي مورس ضد الإخوان المسلمين وتحت الإغراءات التي قدمتها الجمعية، فأعضاء الجمعية المهمون كانوا يُسلَّحون، وتقدَّم لهم سيارات الحماية من قبل سرايا الدفاع، الأمر الذي كان يشير إلى صلة أكيدة بين الجمعية ورفعت الأسد قائد السرايا".

ويقدّم الكاتب فرضية مفادها احتمال "أن تكون الجمعية بالأساس من بنات أفكار رفعت (الأسد) في سياق مواجهة الإخوان المسلمين وشد عصب الطائفة".

على كل حال، أقام جميل الأسد علاقات مع الإيرانيين، وحظي بدعم مرجعيات شيعية في العراق وإيران، "لكن النظام الإيراني الرسمي نأى بنفسه، فعلاقته بحافظ الأسد لا تسمح له بالتورط في هذا النوع من النشاط التبشيري ذي الخلفية السياسية، وحافظ الأسد كان يضبط حدود العلاقة ويتدخل كلما شعر باختلالها"، بحسب الحاج.

ثم كانت النهاية في منتصف كانون الأول/ ديسمبر 1983، عندما حلّ الرئيس السوري الجمعية بسبب اصطفاف جميل مع أخيه رفعت، في ما عُرف بحرب الإخوة على السلطة، والتي اندلعت عندما مرض حافظ في تشرين الثاني/ نوفمبر من ذاك العام.

يقول المؤلف الفلسطيني خالد سنداوي، في كتابه "التشيع في سوريا ليس خرافة"، أنه "وعلى الرغم من أنّ حافظ الأسد كان على تحالف استراتيجي مع إيران، إلا أنّه لم يسمح لمبادئ الثورة الإيرانية بالتغلغل في سوريا. وفي الواقع، لقد قام بمنهجية وحزم بتقييد الوجود الإيراني، وذهب في بعض الأحيان إلى حد إغلاق مؤسسات ممولة من قبل إيران، بما في ذلك العيادات. وحاول الإيرانيون الدخول إلى المناطق التي يسكنها العلويون من خلال استغلال الانتماءات الدينية المشتركة معهم، ولكن الرئيس السوري الأب اتخذ عدداً من الخطوات داخل وخارج مجتمع الطائفة العلوية للتأكد من أنّ محاولة إيران لاختراق سوريا لن تنجح".

السياسية تقرّب بين النظامين مجدداً

أحداث سياسية كثيرة تأتي كل فترة لتقرّب بين النظامين السوري والإيراني. عام 2003، عندما غزت الولايات المتحدة العراق، دبّ الرعب في طهران ودمشق، ووجد النظامان نفسيهما في تحالف (يُحكى عن ضمّه تنظيم القاعدة في بعض المحطّات)، لمنع القوات الأمريكية من التنعم بأي استقرار في العراق.

ولم يتنفس النظامان الصعداء إلا مع انتهاء فترة ولاية إدارة الرئيس الأمريكي جورج بوش الابن الجمهورية.

ومع انطلاق شرارة الثورة في سوريا، عام 2011، ناصرت إيران مجدداً حليفها السوري، فهو قطعة أساسية مما سُمّي بـ"الهلال الشيعي" الذي يصل إيران بلبنان، كما أنه من القلة المتفقة مع السياسات الإيرانية في المنطقة في إطار ما يسمّى بـ"محور الممانعة". وعليه، سرعان ما انتقل الدعم بالمواقف إلى انخراط مباشر في عمليات القتال عبر حزب الله أساساً وعبر ميليشيات شيعية متعددة الجنسيات، وبحضور مباشر للحرس الثوري الإيراني.

ومجدداً، أطلّت العقيدة برأسها على الأرض السورية، مع عودة المساعي إلى نشر التشيع، والتي ركّزت جهودها في مناطق سنّية، بدءاً من دمشق وحلب ووصولاً إلى دير الزور ومناطق أخرى، مستهدفةً فئة الشباب بشكل خاص. ولكن هذه المرّة من الصعب على النظام السوري الذي أضعفت الحرب سطوته ضبط طهران التي حال تدخلها في الحرب دون انهياره.

إنضمّ/ي إنضمّ/ي

نرفض أن نكون نسخاً مكررةً ومتشابهةً. مجتمعاتنا فسيفسائية وتحتضن جماعات كثيرةً متنوّعةً إثنياً ولغوياً ودينياً، ناهيك عن التنوّعات الكثيرة داخل كل واحدة من هذه الجماعات، ولذلك لا سبيل إلى الاستقرار من دون الانطلاق من احترام كل الثقافات والخصوصيات وتقبّل الآخر كما هو! لا تكونوا مجرد زوّار عاديين، وانزلوا عن الرصيف معنا، بل قودوا رحلتنا في إحداث الفرق. اكتبوا قصصكم، فكل تجربة جديرة بأن تُروى. أخبرونا بالذي يفوتنا. غيّروا، ولا تتأقلموا!

Website by WhiteBeard