شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

غيّروا، لا تتأقلموا!
"الباب الأخضر"... الخوف من المساس بأسامة أنور عكاشة

"الباب الأخضر"... الخوف من المساس بأسامة أنور عكاشة

ثقافة

الجمعة 18 نوفمبر 202206:15 م

قضايا الفرد والمجتمع واحدة من أهم خطابات السينما، فكثيراً ما اهتمت السينما بالقضايا المجتمعية والإنسانية عن طريق لغتها المعروفة، حيث لكل وسيط بنيته التي يخاطب بها متلقيه؛ فالرواية مثلاً بنيتها المادةُ اللغوية التي تتآلف لتُنتج نصاً إبداعياً يحمل معطياته الدِلالية التي تساهم في إثراء خيال القراء بهدف مساعدتهم لرسم صورة ذهنية متكاملة، أي تلعب الكلمة في الرواية بكونها لغتَها الرئيسية أدواراً متعددة، وذلك على عكس السينما صاحبة اللغة المرئية التي تتخذ فيها الصورةُ موضعَ البطل بكافة أدواتها، لخلق مفردات تُحدث توازناً بينها وبين بنية السيناريو.

يذكر وليد سيف في كتابه فن كتابة السيناريو أن هناك نوعية أفلام تمتاز كتابتها بالصيغة الجمالية، وهي الأفلام التي تعتمد في أساسها على "توظيف جماليات السينما وإعطاء حرية واسعة لذاتية الفنان كي ينطلق بخياله، ويكون غير مُقيّد بالواقع، بل يخضع العمل لرؤيته الفنية في المقدمة".

المقصود بذلك أن السيناريو يكون به براح كافٍ يسمح بوجود جماليات السينما بين ثناياه، حتى يتأتى للمخرج استخدام أدوات وسيطه بشكل أكثر رحابةً، وحتى وإن لم يتوفر ذلك بالسيناريو، فمن الممكن أيضاً أن يقوم المخرج بكسر التقييد الذي يمليه عليه السيناريو، إذا كان ذلك سيحجم أدوات السينما في مقابل علوّ مكانة الكلمة وسيطرة الخطابية على الفيلم.

فيلم "الباب الأخضر"

قُدّم ضمن فعاليات مهرجان الإسكندرية السينمائي الدولي هذا العام العرض الأول لفيلم "الباب الأخضر" وهو سيناريو وحوار أسامة أنور عكاشة الذي كتبه في أواخر فترة الثمانينيات، ولكنه ظهر للنور بعد وفاته، وتوجه لإخراجه رؤوف عبد العزيز، والفيلم من بطولة سهر الصايغ، إياد نصار، حمزة العيلي، محمود عبد المغني، عابد عناني، خالد الصاوي، وفؤاد سليم.

تدور أحداث الفيلم حول شخصية عائشة الآتية من الأرياف، من قرية "كفر المنسي"، حاملةً رضيعها على ذراعيها، كي تبحث عن والدِه الذي تزوجته في بلدها، وبعد فترة عاد إلى القاهرة. فجاءت إليه كي تخبره بمولوده منتظرةً منه أن يمنح الطفل اسماً، ويعترف به ليحمل اسمه.

وأثناء رحلة البحث تتعرض البطلة لعدة مواقف، أولها سرقة الرضيع أثناء انتظارها عند "الباب الأخضر"، وبسبب عدم امتلاكها لأوراق تثبت أنها أم الرضيع، تدخل مستشفى الأمراض العقلية. ومن هنا يتضح اهتمام الفيلم بقضية "الاسم" من البداية ودون البحث حول ما تحمله ماهية الاسم من دَلالات نحو الهوية. يثبت الفيلم ذلك عن طريق الحوار بين الممثلين القائم على الاتكاء على إثبات تأويل الحوار في ذلك المسار لا غيره، فهي قضية رحلة بحث عن الهوية؛ فالابن بلا اسم، والأب اسمه مستعار، هرب من القاهرة ليسكن عند أحد اصدقائه في القرى، متخفياً في اسم آخر بسبب قضية سياسية.

وبعد ذلك عاد للقاهرة باسمه الحقيقي، وأُسند إليه منصب رئيس تحرير مجلة ما، جعله يتخلى عن مبادئه الثورية والنضالية، أي يتخلى عن هويته الأصلية، وذلك بالاستمرار مع تتبع رحلة عائشة التي تُحجز في المستشفى بسبب عدم قدرتها على إثبات هوية الطفل. ذلك المستشفى الذي يدور به عملية خطيرة حول مصل يأخذه المرضى دون إرادتهم، يفقدهم ذاكرتهم وهويتهم ويجعلهم مُبرمجين لما يُملى عليهم، فاقدين القدرةَ على القرار ومسلوبي الإرادة.

يناقش فيلم "الباب الأخضر" قضية الهوية، وهو يفتقد أن يقدم هوية لذاته كفيلم، بل يتوارى بين هويات خطابية لا تتناسب مع طبيعته كعمل درامي. وذلك لأن المخرج تعامل مع "الكاتب الكبير" بصفته تابوهاً غير مسموح المساس به

تقع عائشة فريسة لهم، ولكن ينقذها الدكتور المتمسك بهويته برغم كل ما يعانيه من ضغط لإخضاعه نحو الفقد، مثلما فقد الجميع هويته، لكنه يظل متمسكاً حتى يفقد حياته في النهاية، بعد أن ينقذ عائشة وابنها.

هيمنة الإسقاط

قام فيلم "الباب الأخضر" في أساسه على هيمنة الإسقاط في مقابل تراجع الدراما؛ حيث يحمل الفيلم رؤيةً واضحةً نحو قضايا الهوية، وذلك لم يكن تأويلاً لبعض معطيات الفيلم، بل هو مستوى التلقي الأول له، أي أن بنية السيناريو قامت على فرض التأويل أمام المتلقين، في مقابل تراجع المادة الدرامية، أولًا على مستوى المكان والواضح والمحدد من العنوان "الباب الأخضر".

ذلك المكان الذي حضر داخل الفضاء بديكورات تبرز معالمه، مما أعطاه صفة المكان الحقيقي لا المجازي، ولكن في المقابل لم يكن له أثر قوي في الأحداث، حيث هو مجرد مكان مزدحم تذهب إليه البطلة، وبسبب ذلك الزحام تفقد رضيعها على يد سارقة. أي أنه من الممكن أن يحلَّ محلَّه أيُّ مكان آخر مزدحم. لذا فعلى الرغم من أن المكان وجد داخل الفضاء الصوري للفيلم إلا إنه أخذ الطابع المجازي، فما يحمله من كرامات للأولياء الصالحين جعله مكاناً ذا مجاز واضح نحو اللجوء لهذه الكرامات حين تشتد وطأة الواقع من سوء.

الواقع وما يحمله من لعبة يقيمها أطراف "أشرار" على آخرين "طيبين" بعلمهم الذي يسيئون استغلاله، وذلك بالانتقال لمكان آخر هو "المستشفى" الذي يطبقون فيه تجاربهم العلمية على ضحاياهم. أي يصنع بالمكان ثنائية متقابلة بين قوتين؛ قوة تتمثل في الكرامات المجهولة التي يلجأ إليها البعض ظناً أن بها نجاته لما يحمله أهلها من عصا سحرية منقذة، في مقابل العلم الذي صوره الفيلم؛ ذلك الشرس المدمر للبشرية.

ودون أي تطور للثنائيات ينتصر الباب الأخضر وما يحمله من مجاز على إزاحة الطرف الآخر المواجه له (المستشفى) وما يحمله هو الآخر من مجاز، ويُحسم ذلك الانتصار عن طريق النهاية التي تُعيد البطلة للمكان نفسه، وهي متضرعة لأصحاب الكرامات، تعتلي الأصوات من حولها طالبةً المدد ويد العون، وجالسة أمام الباب "عائشة" الناجية من براثن المكان الآخر ومجازاته.

العرض الأول لفيلم "الباب الأخضر" ضمن فعاليات مهرجان الإسكندرية السينمائي الدولي هذا العام، وهو سيناريو وحوار أسامة أنور عكاشة الذي كتبه في أواخر فترة الثمانينيات

ومن قبله فهي الآتية من كفر المنسي، وذلك الأسم لا يحتاج أي مجهود لفهم تأويله المباشر، فهو كالباب الأخضر، حضر على مستوى الصورة، واحتلّ فضاءً مميزاً بديكورات خاصة به، لكن اسمه وما به من دلالة واضحة نحو النسيان، قدمه مجازاً كغيره. ومنها يقوم الفيلم على أسس مكانية مجازية لا درامية، أي لا تثري الحدث الدرامي، بل تثري الإسقاط.

عالم المجاز في مقابل العالم الدرامي

بطولة الشخصيات المُهمشة أو الفقيرة للأفلام واحدة من اتجاهات السينما ما بعد الحداثية، وهذا ما قدمه الفيلم، حيث المقاومة وعدم الاستسلام من المهمش أمام القوى المتسلطة الأكثر هيمنة في المجتمع. ولكن مثلما سعت ما بعد الحداثة أن تقدم المُهمشَ كبطل قادر، سعت أيضاً نحو إزاحة سمة الأنماط من الشخصيات، وحتى من الموضوعات والأفكار، وذلك وفقاً للمعطيات الفكرية والثقافية التي تتطور بها المجتمعات، وبالتبعية تتطور بها اللغة السينمائية، ومنها تكون الشخصية السينمائية هي بنية قائمة بذاتها داخل إطار مجتمع درامتها، وليست مجرد نمط طيب وآخر شرير. وكذلك حبكة الفيلم التي لا تختلف بشيء في تطورها. وبالعودة للباب الأخضر نجد أن حبكته قائمة على وجود "مصل" تستخدمه القوى العُليا للسيطرة على الطبقة المُهمشة، أو كما أرادها الفيلم "المنسية" نسبةً لكفر المنسي.

ذلك المصل الذي يساهم في تصاعد الحدث، لم يكن ذا تشكيل درامي، بل هو مجاز فقط كسابقيه من معطيات؛ فهو بماهيته ذلك الدخيل الذي اخترق عوالمنا كي يفقدنا هويتنا، ومنها يحتمل مستويات أخرى من التأويل. فمن الممكن أن يفسره البعض على أنه إسقاط سياسي، أو توجه فكري، أو تطور تكنولوجي، ولكن هو بذاته في مستواه الأول لم يكن ذلك المصل داخل دائرته الدرامية.

وذلك هو العنصر المفقود في الفيلم بأكمله؛ فهو لم يصنع ماهياتٍ حقيقيةً لمفرداته، بل جاء بها تحمل إسقاطتها بصفة مباشرة. فدرامياً لم يتضح ما هو ذلك المصل، ولماذا يستخدمه الأطباء ويتمسكون به إلى هذا الحد، ولماذا يحملون كلَّ هذا الشرّ بداخلهم، ولمَ يصورون أشراراً بالأساس. إنه شر نمطي مبالغ فيه حتى على مستوى التشكيل الخارجي "الفيزيكال" للشخصية. ولماذا يصرون على عائشة تحديداً كي يعطوها إياه؟

بطولة الشخصيات المُهمشة أو الفقيرة للأفلام واحدة من اتجاهات السينما ما بعد الحداثية، وهذا ما قدمه فيلم "الباب الأخضر"، حيث المقاومة وعدم الاستسلام من المهمش أمام القوى المتسلطة الأكثر هيمنة في المجتمع 

كل إجابات هذه الأسئلة يُجاب عليها فقط في مستوى الإسقاط لا الدراما، حين يُنظر للمصل على أنه المُحتل، وعائشة هي المُستهدف/ة، لفقد هويتها هي وما تحمله بين يديها من طفل أي "المستقبل". لكن على مستوى بناء الشخصية فلا مبررات، ولا دوافع، لأنه لا بناء للشخصيات، حيث لا يختلف رسم الشخصيات داخل الفيلم شيئاً عما قُدِّم من خلال الأماكن، فهي شخصيات تحمل التأويل كتعريف مباشر لها، بلا دوافع واضحة تأخذ النمط كطابع لها. فعائشة طيبة ساذجة، وأصحاب المصل أشرار، والطبيب المُعالج مُنقذ، ومدير المستشفى قليل الحيلة غير قادر على مواجهة المصل/المحتل، والزوج/الصحافي مضطر لمسايرة وضعٍ لم يُرِده وإلا فقد منصبه، أي أن فهم الشخصيات أيضاً لا يكتمل إلا بقراءتها كإسقاطات لا شخصيات.

بحث عن هوية أم فقدان لها؟

كتب عكاشة ذلك السيناريو في فترة الثمانينيات وهو يستهدف قضية بعينها، لذا طغت إسقاطاته على رسمه للدراما، وهذا يعتبر خللاً كبيراً في السيناريو، لأنه سيناريو سينما، وكما تمّ العرض في المقدمة أن للسينما مفرداتها ولغتها التي تجعلها وسيطاً بصرياً ذا ثراء يقدّم أفكاره عن طريق أدواته المرئية، بينما هنا نجد أنه ليس فقط الحوار هو المسيطر الأكبر على الفيلم، بل الفكرة هي المتحدثة؛ الفكرة التي يريد الكاتب توجيهها، كتبها بصيغٍ مباشرة للغاية، لا تتناسب مع طبيعة السينما، وخاصة في وقتنا الحالي. فالفيلم الباحث بقضيته عن الهوية، لم يقدم لشخصياته أيَّ هويات تصنع دراما، ولم يقدِّم أيَّ هوية لمخرجه. أين دور المخرج؟

حتى بتجاوز كلّ ما آلت إليه السينما من تطورات اليوم وبتجاوز "كليشيهات" عدة أمثلة شلالات المطر التي تنمّ عن نشأة قصة حب التي أصرّ المخرج على أن تكون مثل هذه الأساليب هي صورته لتمرير بعض المواقف، والطابع المسرحي الميلودرامي الغالب على أداء الممثلين، والإصرار على وجود المونولوغات الطويلة لهم، شأنهم شأن الممثل المسرحي الذي مازال يسير على نهج أرسطو يلقي مونولوغاً كي يحقق التطهير من ذنوبه، فأين محاولاته للنهوض بمستوى السيناريو لصناعة دراما تحمل هويتها التي تقدم مستوى تلقٍّ أولي لصراعات حقيقية وشخصيات ذات عمق أبعد ودوافع أقوى؟

ومن ثم تمرير خطابات الإسقاطات والتعامل معها كمستويات تلقٍّ تالية حتى يحافظ على هوية النص الأصلي ويضع بصمته كمخرج، لم يظهر بأي تأثير أو إضافةٍ تُوضّح رؤيته هو للعمل، وكأنه يخشى على العبث بما كتبه الكاتب الكبير، برغم أن تلك الكتابة وحدها دون محاولةِ صياغتها وإعادة تشكيلها لم تصلح لمتلقي اليوم.

فالفيلم يناقش قضية الهوية وهو يفتقد أن يقدم هويةً لذاته كفيلم، بل يتوارى بين هويات خطابية لا تتناسب مع طبيعته كعملٍ درامي. وذلك لأن المخرج تعامَل مع "الكاتب الكبير" بصفته تابوهاً غير مسموحٍ المساسُ به حتى من قِبَله كقائد للعمل.

Website by WhiteBeard