شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

غيّروا، لا تتأقلموا!
"حماتي معها مفتاح شقتي وبتفوت عليّ وأنا نايمة"... زوجات معذبات في بيت العيلة

"حماتي معها مفتاح شقتي وبتفوت عليّ وأنا نايمة"... زوجات معذبات في بيت العيلة

حياة نحن والنساء

السبت 8 أكتوبر 202201:40 م

مبنى مكوّن من ثلاثة طوابق، تبدو عليه علامات الألفة والحياة الأسرية المترابطة، وبين أرجائه ترتفع أصوات الأطفال، ما يبدو من الخارج حلماً سعيداً لكثير من الراغبات في الزواج وتكوين حياة أسرية مستقرة. يضم في داخله عذابات لا تخطر ببال.

عذابات الزواج في منزل العائلة هي مشكلة مصرية تعاني منها الزوجات اللواتي وافقن على السكن في "بيت العيلة" كما يُطلق عليه، برفقة أشقاء أزواجهن وحمواتهن. 

أخو زوجي بيدخل بدون استئذان

تقول إيمان محمود (30 عاماً) لرصيف22 من محافظة الفيوم إنها تعيش في شقة في الدور الثاني، ويسكن في الشقة التي فوقها شقيق زوجها وعائلته، وفي الطابق الأسفل والدته، وقد اعتاد أغلب أهل البلدة على الزواج والسكن بهذه الطريقة، حيث أن كل والد يقوم ببناء مسكن لأبنائه حتى يعيش الذكور منهم في منزل واحد ليظل بيت العائلة قائماً، ولتخفيف الأعباء المادية.
تضيف: "الظروف الاجتماعية التي عودتنا على الزواج بمنزل عائلة كبير، لم تسمح لنا بالتفكير من الأساس بالخروج عن هذه التقاليد، ولكن الحياة بهذه الطريقة صعبة للغاية، حيث تقوم الزوجات بتقديم المأكل بشكل جماعي لكل الأسر وهو مجهود كبير، بالإضافة إلى القيود التي تعيشها المرأة في منزلها نتيجة انفتاح الأسر بعضها على بعض".
كنت أجلس ذات مرة في مسكني ووجدت شقيق زوجي يقتحم المنزل من أجل الحصول على أحد الأغراض دون الاستئذان وحين اعترضت على ذلك وحدث بيننا شجار، قال لي إنني أريد التفريق بين الأشقاء

وتتحدث عن انعدام الخصوصية الشخصية، إذ لا يمكن لسيدة أن تتصرف بحرية داخل منزلها حين يتم التعامل مع جميع الطوابق على أنها "مستباحة بلا حرمات" على حد تعبيرها، تقول: "كنت أجلس ذات مرة في مسكني ووجدت شقيق زوجي يقتحم المنزل من أجل الحصول على أحد الأغراض دون الاستئذان وحين اعترضت على ذلك وحدث بيننا شجار، قال لي إنني أريد التفريق بين الأشقاء".
أما نوال سيد (35 عاماً) وهو اسم مستعار، فتعيش في منزل العائلة لكن داخل القاهرة، سوء الأحوال الاقتصادية لم تسمح لزوجها بشراء منزل بمعزل عن منزل العائلة الكبير الذي يتكون من عدة طوابق تعيش في الأرضي منها والدته وشقيقته.
تقول لرصيف22 إنها تتحمل الكثير من القهر نتيجة وجودها في منزل العائلة، فحين تذهب لزيارة والدها على سبيل المثال تعود لتجد أن حماتها فتشت مقتنيات منزلها بشكل كلي، بل قامت بالحصول على بعض الأشياء منه أيضاً ووضعها داخل منزلها، وقد وصل الأمر ذات مرة إلى أن شقيقة زوجها أخذت بعض ملابسها وارتدتها. تضيف: "يتكرر هذا الأمر بشكل شبه دوري، وحين أتحدث مع زوجي إما يتشاجر معي مؤكداً أن الأمر لا يستدعي كل هذا الضجيج، أو يحاول إرضائي حتى لا أتسبب بمشكلة بينه وبين والدته، هذه ليست الحياة التي كنت أطمح لها، لكني أنتظر بفارغ الصبر اليوم الذي يستطيع زوجي الانفصال به عن منزل العائلة".
ثم تنصح أية فتاة مُقبلة على الزواج بعدم القبول بالسكن في بيت عائلة أياً كانت الأسباب. 

20 سنة ذل ومهانة 

أما ميرفت فهمي (45 عاماً) وهو اسم مستعار فتصف هذا النوع من المنازل بأنه "مهين ومذل ويقلل من شأن الزوجة التي ستتعرض للتدخلات في حياتها من زوجة والدها طوال الوقت".

تقول: "والدة زوجي كان لديها نسخة من مفتاح بيتي وكانت تقوم باقتحام منزلي أثناء نومي أو في حال عدم وجودي بالمنزل، وظللت طوال حياتي الزوجية التي تصل إلى 20 عاماً أعاني من تلك التدخلات واقتحام حياتي، لكن كنت أصبر من أجل أبنائي".وتضيف: "التدخلات في حياتي كانت تصل إلى عدم قدرتي على شراء طعام منفصل لأبنائي أو ملابس خاصة بهم، كان لا بد أن يكون الأمر جماعياً مع زوجة شقيق زوجي، فوالدة زوجي هي الأمر الناهي في كل هذه الأمور ولو دون رضا أي طرف، الرجال لم يكونوا يريدون إغضاب والدتهم.

والدة زوجي كان لديها نسخة من مفتاح بيتي وكانت تقوم باقتحام منزلي أثناء نومي أو في حال عدم وجودي بالمنزل

في إحدى المرات حدثت مشاجرة بيني وبين شقيق زوجي لعدم إحضاري الطعام له، بالرغم من كوني لست ملزمة بذلك، ومشاجرة أخرى لأني أغلقت باب مسكني وكنت ارتدي ملابسي الداخلية داخل شقتي، فكان الحديث بأنه كيف لي أن أفعل ذلك فخصوصيتي وحرمتي وحرمة منزلي شيء لا وجود له في منزل العائلة لا أساس له على الإطلاق". 

لا خصوصية ولا حقوق 

وفي هذا الشأن تقول الحقوقية سارة بيصر لرصيف22: "نتعرض في الجمعيات الحقوقية للكثير من المشكلات التي تعاني منها السيدات بسبب السكن في منزل عائلة، سواء كانت هذه المعيشة نتيجة الظروف الاقتصادية أو الاجتماعية، فنفس المشكلات القائمة في الريف لا تختلف عن مع مشكلات أبناء المدينة، فالعقليات واحدة والعادات واحدة، وأغلب ما تعاني منه السيدات هو عدم وجود خصوصية وانتهاك الحقوق والحرمات المنزلية والشخصية الخاصة بهن، فتدخل والدة الزوج في الحياة بشكل فج، بالإضافة إلى الأمر الكارثي والذي نجده متكرراً وهو حصول والدة الزوج على نسخة من مفتاح المسكن الخاص بأبنائها والتعامل معهم على أنهم أطفال صغار. موافقة الزوج على هذا الأمر يضع الزوجة تحت ضغط كبير".
في إحدى المرات حدثت مشاجرة بيني وبين شقيق زوجي لعدم إحضاري الطعام له، بالرغم من كوني لست ملزمة بذلك، ومشاجرة أخرى لأني أغلقت باب مسكني وكنت ارتدي ملابسي الداخلية داخل شقتي

وتشير إلى أن هناك الكثير من الحالات التي تنتهي بالانفصال والطلاق دون أن تحصل الزوجات على حقوقهن، وأن كثيرات يحتجن إلى تأهيل نفسي لما تعرضن له من قهر وعنف وظلم، والبعض الآخر يحتاج إلى أماكن للسكن والعيش، وأمام رفض العائلات لهذا الانفصال تصبح السيدة دون مأوى وهذا يكثر في المدن لأن الريف يحتضن بناته الذي يعتبرهن من شرفه على حد تعبيرها.

وترى أن القواعد الأولية يجب أن تكون واضحة، كخصوصية الزوجة، وحصولها على دخل ثابت، ومعرفتها بحقوقها وعدم رضوخها للضغوط، وأن على أسرتها أن تقف إلى جوارها وتحميها بدلاً من أن تكون يداً أخرى تقف ضد المرأة المقهورة.

لأسباب اقتصادية... واجتماعية 

أما الدكتور سعيد المصري، المفكر وأستاذ علم الاجتماع بكلية الأداب جامعة القاهرة، فيشير إلى أن الظروف الاجتماعية والمادية السائدة في المجتمع المصري، هي التي تدفع إلى الزواج في منزل العائلة، سواء بحكم العادات الاجتماعية في قرى مصر التي تقوم على مبدأ ترابط الأشقاء وبقائهم جنباً إلى جنب، أو الظروف المادية وقصر الحال التي تدفع الشاب لأن يقوم بالزواج في منزل أسرته.
يقول: "العيش مع الأسرة في منزل واحد يرفع عن الرجل عبء تحمل المسؤولية المادية والاجتماعية التي عليه أن يتحملها بعد الزواج، حيث الأم  تقود للمنزل، بينما تعاني الزوجة من تسلط والدته طبقاً لسيطرة رأس المال".

ويلفت إلى أن المجتمع اعتاد على أن تتعرض الزوجة أثناء معيشتها في منزل العائلة الكبير للظلم والانتهاك، تماماً كما اعتاد على أن العنف الذي تتعرض له المرأة أمر طبيعي، ويأتي هذا مع جمل من نوع "متخربيش على نفسك وعيشي وربي العيال".
ويختم: "في النهاية لن تستطيع الزوجة تكملك الحياة ولن تربي أطفالاً أسوياء، لأنهم بدورهم سيتعرضون لضغط نفسي آخر من والدتهم نتيجة ما تعانيه هي، وسيتضرر الرجل بدوره على نحو طفيف، وقد تحدث بضعة خلافات زوجية في أي منزل حسب ما تخبره والدته، وتدفعه إلى تعنيف زوجته أو  إلى الانفصال بشكل كامل إذا أظهرت الزوجة أية بوادر للاعتراض على انتهاك حقوقها وخصوصيتها".

قصص النساء جديرة بأن تُروى كلها من دون استثناء. من المهم أن تُوثَّق وأن تُسمَع، لعلها تُحدث فرقاً، ولو كان صغيراً في البداية. شاركينا في أن نكون النسخ التي نسعى إلى أن نكونها ضمن مجتمعاتنا العربية. شاركونا بما يدور في رؤوسكم حالياً؟ غيّروا، ولا تتأقلموا!.

رصيف22 من أكبر المؤسسات الإعلامية في المنطقة. كتبنا في العقد الماضي، وعلى نطاق واسع، عن قضايا المرأة من مختلف الزوايا، وعن حقوق لم تنلها، وعن قيود فُرضت عليها، وعن مشاعر يُمنَع البوح بها في مجتمعاتنا، وعن عنف نفسي وجسدي تتعرض له، لمجرد قولها "لا" أحياناً. عنفٌ يطالها في الشارع كما داخل المنزل، حيث الأمان المُفترض... ونؤمن بأن بلادنا لا يمكن أن تكون حرّةً إذا كانت النساء فيها مقموعات سياسياً واجتماعياً. ولهذا، فنحن مستمرون في نقل المسكوت عنه، والتذكير يومياً بما هو مكشوف ومتجاهَل، على أملٍ بواقع أكثر عدالةً ورضا! لا تكونوا مجرد زوّار عاديين، وانزلوا عن الرصيف معنا، بل قودوا مسيرتنا/ رحلتنا في إحداث الفرق. اكتبوا قصصكم، وأخبرونا بالذي يفوتنا. غيّروا، ولا تتأقلموا!.

Website by WhiteBeard