شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

غيّروا، لا تتأقلموا!
"البنات ملهمش ورث والبيوت للجدعان"... ميراث البنات الضائع في مصر

"البنات ملهمش ورث والبيوت للجدعان"... ميراث البنات الضائع في مصر

حياة نحن والنساء

الأربعاء 5 أكتوبر 202210:52 ص

كتبت إسراء طارق وهي طالبة يتيمة الأبوين تدرس في جامعة الزقازيق منشوراً على فيسبوك تطلب فيه استشارة قانونية وتبحث عن محام يساعدها في الوصول لحل يحميها هي وأختها البالغة من العمر أربع سنوات من أعمامهما.

"أنا وأختي في الشارع"

بحسب منشورها فقد أراد أعمام إسراء إجبارها على بيع منزل والدها واعطائهم هي وأختها حصتهما من الميراث. اشتكت الفتاة أن قيمة نصيبها وأختها من المنزل وهو الثلثان بحسب الشرع -بسبب عدم وجود أخ- لا يكفي لشراء شقة صغيرة. تقول: "ليّ 3 أعمام عايزني أبيع البيت عشان ياخدوا ورثهم فيه، وأنا مليش مكان ولا مأوى أنا واختي اللي عمرها 4 سنين، غير إن نصيبنا مستحيل يجيب لنا شقة وأنا مش عارفة نروح فين".
ليس لإسراء أي دخل يساعدها على استئجار مسكن آخر، وقد ضربها أكبر أعمامها كي توقع على وثيقة بيع البيت، إلا أنها رفضت خشية أن تجد نفسها في الشارع بلا مأوى، في وقت لا تملك ما يكفي حاجتها للطعام هي وأختها الصغيرة، وحالياً تعيش على الديون إلى أن تتمكن من قبض معاش والدها.
أثارت شكواها عواطف المصريين الذين تفاعلوا معها حتى وصلت إلى أبواب رئاسة الوزراء المصرية التي تدخلت بالقوة وألزمت أشقاء والدها بالتنازل عن حصتهم في الميراث، وقد علّقت على هذه النهاية للأحداث بقولها: "أول يوم هاحط راسي على المخدة من 5 شهور وأنا قلبي وبالي مرتاح، الحق رجع لصحابه".
بينما حُلت مشكلة إسراء لم تزل آلاف النساء يُجبرن على التنازل عن ميراثهن من قبل ذكور العائلة.
إسراء: أعمامي عايزني أبيع البيت عشان ياخدوا ورثهم فيه، وأنا مليش مكان ولا مأوى أنا واختي اللي عمرها 4 سنين، نروح فين".

تقول زينب فاروق (28 عاماً) وهي ربة منزل تعيش في محافظة المنيا لرصيف22، إن والدها توفي قبل تسع سنوات، وترك لهم أراضي زراعية ومباني سكنية وأموالاً تتخطى 10 ملايين جنيه، أي بما يعادل 509 ألف دولار، إلا أن إخوتها رفضوا بشدة أن تأخذ الفتيات نصيبهن من الميراث، ولأن ظروفها المادية وزوجها سيئة وتعيش في منزل من طابق واحد في حالة رديئة ذهبت إلى أخيها الأكبر تطلب جزءاً من ميراثها الشرعي، لكنه أصر على رفضه. تقول: "أنا حالتي صعبة، طلبت من أخويا حقي في الميراث قالي البنات ملهمش حق".
انزعجت زينب من حديثه، فحررت الأخوات محضر ضد الأخ لرفضه إعطائهن ورثتهن، وما إن علم عمهن بالخبر حتى ذهب إلى منازلهن وكلهن متزوجات، وضربهن وأجبرهن على التنازل عن المحضر، إحداهن أرادت أن تحصل على نصيبها لتجري عملية حقن مجهري لرغبتها في إنجاب طفل.

حررت الأخوات محضر ضد الأخ لرفضه إعطائهن ورثتهن، وما إن علم عمهن بالخبر حتى ذهب إلى منازلهن وكلهن متزوجات، وضربهن وأجبرهن على التنازل عن المحضر

تروي أم محمد (40 عاماً) لرصيف22 أن والدها وهو لا يزال على قيد الحياة رفض أن يعطيها هي واختها نصيبهما من أملاكه، وكتب جميع ما يملك لأخوتها، تقول: "لما عرفت أنه كتب أملاكه لأخواتي الصبيان رحت بقوله ليه يا أبويا هو احنا ملناش حق فيك؟ قالي البيوت للجدعان".
تبلغ قيمة المنزل الواحد من أملاك والدها ما يزيد عن ثلاثة ملايين جنيه، ما يعادل 152 ألف دولار، إضافة إلى منزل في القاهرة ومنزل آخر في محافظة القليوبية، رفْض والدها الراحل كان بحجة أنها تشارك زوجها في العمل وليست بحاجة إلى المال، وتضيف: "أبويا شايف إني عايشة انا وجوزي مستورين يبقى كدا مستحقش".
بحسب الموروث السائد في صعيد مصر، ليس للنساء الحق في أخذ ميراث سواء من ناحية الأب أو الأم وتحديداً ما يخص الممتلكات العقارية كالمنازل والأبراج والمزارع.

لو طالبت بحقها تُضرب، تقاطع من العائلة، أو أسوأ

لأنها طالبت بحقها من منزل والدها الراحل منع جمال (55 عاماً) ابنة أخيه ميرفت من زيارته على الرغم من أنه تزوج أمها بعد وفاة والدها. تقول ميرفت (31 عاماً): "عمي وأمي واخواتي قاطعوني عشان خدت حقي في بيت أبويا، والله لولا الظروف كانت وحشه وجوزي كان هيتحبس مكنتش خدت حاجة".
أما أحمد مختار (36 عاماً) وهو محاسب فيقول لرصيف22 إن جده حرم أمه من ميراثها الشرعي في تركته التي تبلغ خمسة ملايين جنيه، أي بما يعادل 254 ألف دولار، ولما حاول أحمد أن يدفعها لطلب ميراثها قانوناً قالت له: "أنا مسمحاه وملكش دعوة إنت".
بلغ ميراث والدة رباب محمد (39 عاماً) وهي ربة منزل ومقيمة في مدينة بني سويف، حوالي 120 ألف جنيه عام 2012، أي بما يعادل حالياً 6109 دولارات، لكن أشقاء والدتها رفضوا بيع المنزل واحتكر كل واحد منهم دوراً كاملاً به، وتضيف: "أخوالي رفضوا البيع وأعطوها خمسين ألف جنيه مصري، "ما يعادل 2545 دولاراً" يعني أقل من نص حقها".
وتروي نجلاء برجر (45 عاماً) التي تعمل في مجال السياحة أن مدبرة المنزل التي كانت تعمل لديها وهي من المنيا ورثت من والدها أرضاً زراعية، لكن الأخ رفض أن يعطيها نصيبها من تركة الأب، فشعرت والحسرة وخلال عودتها للقاهرة ماتت في حادث طريق.
بحسب الموروث السائد في صعيد مصر، ليس للنساء الحق في أخذ ميراث سواء من ناحية الأب أو الأم وتحديداً ما يخص الممتلكات العقارية كالمنازل والأبراج والمزارع

يقول إمام المحاكم الشرعية والجنائية في مصر أحمد الكيال لرصيف22: "هناك حالات كثيرة تخص المرأة في الشريعة الإسلامية، ويتم العمل بها قانوناً حسب المادة الثانية من الدستور المصري، ومن بين هذه الحالات فإن الأب المتوفي وله ابنة واحدة ترث نصف ثروته والباقي يوزع على أقاربه، وإن ترك بنتين ترثان الثلثين من تركته، وفي حال الأم المتوفاة تقسم التركة بنفس الطريقة، ولو توفي الأب وله عدة بنات حتى لو عددهن 10 فسيأخذن ثلثي التركة، والباقي يتوزع على الورثة".

إلغاء المادة الثانية من الدستور المصري

تقول الحقوقية والنسوية هالة دومة لرصيف22: "المشكلة المأسوية التي تعرضت لها إسراء طارق، تم حلها لأن الفتاة استغاثت بمواقع التواصل الاجتماعي، لكن هناك مئات الآلاف من السيدات صاحبات الحقوق الضائعة ممن لا يمكنهن فعل شيء".
وتؤكد أن لا مجال لتعديل قوانين المواريث في مصر أو أي قوانين خاصة بالأحوال الشخصية بشكل منصف للمرأة إلا إذا تم إلغاء المادة الثانية من الدستور، والتي تنص على أن "الإسلام هو دين الدولة واللغة العربية هي لغة الدولة الرسمية  ومبادئ الدين الإسلامي هي المصدر الرئيسي للتشريع القانوني".

كل محاولة لتغيير أي قانون بما يخالف الشريعة الإسلامية في مصر، سوف يكون مصيره الإلغاء لأنه مخالف للدستور المعمول به

وتضيف: "طالما بقيت المادة الثانية قائمة لا يمكن إنصاف المرأة قانوناً بأي شكل من الأشكال خاصة فيما يخص الميراث"، كما أوضحت دومة أن كل محاولة لتغيير أي قانون بما يخالف الشريعة الإسلامية في مصر، سوف يكون مصيره الإلغاء لأنه مخالف للدستور المعمول به.
وتستذكر دومة مشروع قانون الأسرة، إذ كان هناك مشروع قانون يسمح بإلغاء الطلاق الشفوي وينص على أن يكون الطلاق مكتوباً حتى يتم تنفيذه، ولكن بسبب الرجوع إلى نصوص الشريعة الإسلامية رُفض مشروع القانون، وهذا ما سيكون مصير أية محاولة تشريعية لإنصاف المرأة ما دام "الإسلام دين الدولة"، بحسب الدستور.

قصص النساء جديرة بأن تُروى كلها من دون استثناء. من المهم أن تُوثَّق وأن تُسمَع، لعلها تُحدث فرقاً، ولو كان صغيراً في البداية. شاركينا في أن نكون النسخ التي نسعى إلى أن نكونها ضمن مجتمعاتنا العربية. شاركونا بما يدور في رؤوسكم حالياً؟ غيّروا، ولا تتأقلموا!.

رصيف22 من أكبر المؤسسات الإعلامية في المنطقة. كتبنا في العقد الماضي، وعلى نطاق واسع، عن قضايا المرأة من مختلف الزوايا، وعن حقوق لم تنلها، وعن قيود فُرضت عليها، وعن مشاعر يُمنَع البوح بها في مجتمعاتنا، وعن عنف نفسي وجسدي تتعرض له، لمجرد قولها "لا" أحياناً. عنفٌ يطالها في الشارع كما داخل المنزل، حيث الأمان المُفترض... ونؤمن بأن بلادنا لا يمكن أن تكون حرّةً إذا كانت النساء فيها مقموعات سياسياً واجتماعياً. ولهذا، فنحن مستمرون في نقل المسكوت عنه، والتذكير يومياً بما هو مكشوف ومتجاهَل، على أملٍ بواقع أكثر عدالةً ورضا! لا تكونوا مجرد زوّار عاديين، وانزلوا عن الرصيف معنا، بل قودوا مسيرتنا/ رحلتنا في إحداث الفرق. اكتبوا قصصكم، وأخبرونا بالذي يفوتنا. غيّروا، ولا تتأقلموا!.

Website by WhiteBeard