"وليّ الدين"... رواية الحداثة المنقوصة مع تأسيس قلعة صناعة النسيج في مصر

الخميس 22 سبتمبر 202211:29 ص

تصادف أن قرأت رواية "وليّ الدين" لمحمد أبو قمر، عقب الإعلان عن موعد بيع شركة الحديد والصلب المصرية. لا أملك عقلاً عملياً محايداً يفصل هذا عن ذاك، فلا أحداث الرواية تقع في الصين، ولا الشركة في كوكب آخر. ليس مصادفة أن يجري البيع في 28 أيلول/سبتمبر 2022، ذكرى موت مؤسسها جمال عبد الناصر "العظيم المجد والأخطاء"، كما لخّصه محمد مهدي الجواهري في ثلاث كلمات. بهذا البيع، قرر نظام الحكم قراءة الفاتحة إعلانا رسميا عن تشييع كل ما له علاقة بمرحلة عبد الناصر. ستطوى الصحف، ولن تطوى. اللعنات ستطارد البائعين لميراث لم يتعبوا فيه. سيكتب أحد ضحايا البيع روايةً عن الصفقة.

رواية "وليّ الدين"

المسطول من يفكر في بيع شيء من أثاث بيته، لشراء خبز يومه. فماذا نسمي مقترض المليارات، حصيرة لأسفلت مشاريع ارتجالية لا يستشار فيها متخصصون؟ وتفشل الارتجالات كما توقع المحذِّرون، فيطالبك المقامر باقتسام الفشل. ويبيع أثاث البيت من شركات بعضها رابح، وبعضها يمكن إصلاحه بإعادة الهيكلة، لسداد أقساط القروض. لا أتكلم الآن في الاقتصاد، فأنا في صحبة دراما رواية "وليّ الدين"، من إصدارات "دار النابغة". أنتهي منها، وأظل مع أبطالها: عم حامد الحلاق، شلبية وزوجها عطية الشيّال، آمنة وزوجها سلطان الشيّال، المعلم عدوي وزوجته اللعوب، السيد السني، عبده ابن أحلاهم، وغيرهم من أهالي مدينة المحلة، في منطقة مركزها مسجد وليّ الدين.

المسطول هو عبد الرازق خادم المسجد، وقد استقال من وزارة الأوقاف؛ ليلتحق بشركة مصر للغزل والنسيج في المحلة الكبرى. ويوم افتتاح الشركة تمرد، فتم فصله، وأصبح بلا عمل. الشركة "غول"، كما يقول الراوي. كيان صناعي كبير ابتلع قاعات النسيج الصغيرة. وما يتاح من أعمال تافهة لعبد الرازق لا يكفيه ثمن الحشيش، فصار عصبياً لا يطاق، واضطرت زوجته إلى بيع الحلة النحاسية الكبيرة أو طشت الغسيل. تلك المسكّنات من عائد البيع لا تغني، بالطبع، ولا تكفي. وازدادت أحواله سوءاً، ولم يتبق شيء من أثاث البيت، فأعلن عن "بيع الدار واستغلال ثمنها في عمل شيء يدرّ دخلاً" يؤمّن الطعام للأسرة، وله الحشيش.

ليس مصادفة أن يجري بيع شركة الحديد والصلب المصرية في 28 أيلول/سبتمبر 2022، ذكرى موت مؤسسها جمال عبد الناصر

الحاج مسعود، تاجر الأغذية المشهور بسخائه بالتبرع لبناء المساجد، أراد شراء الدار. ثمّنها السماسرة بألفي جنيه. وافق عبد الرازق، وأصر الحاج على ألف وتسعمئة. ولم يتم البيع للاختلاف على مئة جنيه. وأشفق عم حامد الحلاق على الشاب، وأقنعه بالعمل حارساً ليلياً على مواد البناء الخاصة ببناء الجامع. وبعد الليلة الأولى اكتشفوا سرقة كميات من الحديد والأسمنت. اُتهم عبد الرازق بالسرقة، وبرأه رفاق القهوة. سهر معهم "يشرب الحشيش على الحساب حتى فقد وعيه"، وسألهم أين أنفه؟ لأنه يريد أن يتمخط، وصرخ مطالباً بتفتيش الزبائن للعثور على أنفه. وحُمل إلى داره مع الشروق. وطالب الحاج بطرد عبد الرازق كشرط للتبرع بثمن المسروقات.

فصلوا عبد الرازق من العمل، إذعانا للحاج مسعود؛ لكي يواصل تبرعاته. وتكررت السرقات، فتربصوا في الظلام، وتبين لهم أن عربة الحاج التي تأتي نهاراً بمواد البناء هي نفسها التي تسرقها ليلا. تتبعوا العربة إلى أن وصلت إلى المستودع، ورأوا الحاج يشرف على تفريغ المسروقات. تأكد لهم أن رجل الإحسان لص، "يسرق اللوازم التي يتبرع الفقراء بثمنها من أقواتهم ثم يتبرع بها وكأنه فاعل الخير الوحيد الذي يشيد بيوت الله". تلك كانت نهاية الحاج مسعود. أهانوه وعذبوه، وأخذوا محتويات المستودع. أما فصل عبد الرازق من الشركة فيلخص صدمة الحداثة، ومعاناة الانتقال من الفوضى إلى التنظيم، ومن العشوائية إلى صلابة التحكم الإداري.

التأسيس

تأسست شركة مصر للغزل والنسيج عام 1927، بمدينة المحلة الكبرى، وأحدثت ثورة اجتماعية. يقول الكاتب الأمريكي إيريك دافيز في كتابه "طلعت حرب وتحدي الاستعمار.. دور بنك مصر في التصنيع 1920ـ1941" إن أياً من شركات بنك مصر "لم تحظ بتسليط الأضواء عليها كما كان الحال مع شركة مصر للغزل والنسيج"، إذ حققت منذ بداية تشغليها قفزات في رأسمالها، ومعدل استهلاكها من القطن، وزيادة الإنتاج. وفي مقدمة الكتاب، الصادر عن مكتبة الشروق الدولية، يُرجع المترجم هشام سليمان عبد الغفار نجاح الاقتصاد إلى علاقته بمحيطه المجتمعي، "بحيث تأتي التجارب الاقتصادية لخدمة المجتمع، لا أن يتم استغلال البشر لدفع تكلفة نمو الاقتصاد".

ببيع شركة الحديد والصلب المصرية، قرر نظام الحكم المصري الحالي قراءة الفاتحة والإعلان رسمياً عن تشييع كل ما له علاقة بمرحلة عبد الناصر. ستطوى الصحف ولن تطوى واللعنات ستطارد البائعين لميراث لم يتعبوا فيه

حتى سبعينيات القرن العشرين، كنت أرى عمال قريتي البعيدة بنحو خمسة عشر كيلومتراً عن مدينة المحلة، يتجهون إلى "شركة المحلة"، مع الشروق. البعض يركب أتوبيس النقل العام، والبعض ينشط على دراجته الهوائية. وقرب المغرب يرجعون، كلٌ بالطريقة التي ذهب بها. والعائدون من وردية منتصف الليل يستقلون آخر رحلات الأتوبيس من المحلة. أصحاب الأراضي الزراعية بقوا في القرية، والبعض استقر بالمدينة. كانوا الجيل الثاني، الوارث لقيم الحداثة. انتهى التراخي الذي يلائم العمل الزراعي ويتنافى مع ما يلزم الآلات من يقظة. ارتدوا الأوفرول بدلا من جلباب قد تسحبه الآلة، وتسحق صاحبه أو تبتر له طرفاً. حلّت الساعة مكان حركة الشمس ومواقيت الصلاة.

بيع شركة الحديد والصلب

هذه القيم لم يستوعبها الجيل الذي تلقى الصدمة، جيل عبد الرازق خادم المسجد. للحداثة ضحايا، والتمرد ما لم يكن جماعيا منظما يقضي على صاحبه. احتاج عمال شركة المحلة عشر سنوات حتى ينظموا أول إضراب، عند تطبيق نظام جديد يقسم العمل إلى ثلاث ورديات كل منها ثماني ساعات، بدلا من ورديتين كل منهما إحدى عشرة ساعة. كانت الأجور حسب الإنتاج، "بالقطعة"، فانخفضت. فماذا فعل عبد الرازق في اليوم الأول لافتتاح الشركة عام 1927؟ كان الفرح بمشروع الشركة كافيا للتضحية بوظيفته في وزارة الأوقاف، وتولى عم حامد تقديم طلبات التعيين في الشركة للأهالي، من المعدمين وأصحاب المهن الدنيا مثل الشيالين في السوق.

يوم الافتتاح، أفرغت القطارات والأتوبيسات آلافاً من العمال، من مدن وقرى قريبة وبعيدة، تدفقوا كيوم الحشر، وأغلقت الأبواب الأربعة للشركة في السابعة والنصف. جرى توزيع العمال على الأقسام، وفوجئ المحلاوية بأن الشركة لا تخصهم وحدهم، وأنهم مثل غيرهم يخضعون للأوامر، في شركة مغلقة الأبواب، فأحدثوا جلبة، وحاول رجال الأمن معالجة الضجيج؛ خشية أن يتطور، "ويتحول على كارثة". لم يعتادوا إغلاق الأبواب في أعمالهم السابقة. فُصل المتمردون، وصار عبد الرازق عاطلا، لا يستطيع استعادة عمله بوزارة الأوقاف، وانتقل من خدمة المسجد إلى خدمة صاحب القهوة، فيخبئ الحشيش في الدار، كلما تلقى المعلم من المخبرين المرتشين خبراً بحملة من الشرطة لمداهمة القهوة.

محمد أبو قمر

الطموح الطبقي غير خفيّ، وكذلك المساواة، فالمرأة وزوجها يعملان في الشركة نفسها. ومن مشاهد الرواية ذات الدالة بكاء عبده ابن أحلاهم، في دكان عم حامد، لأنه لا يعرف طعم اللحم، غذاؤه الدائم خبز بالجبن والبصل. ثم التحق بأفضل أقسام الشركة، "غزل 6" الذي ينتج أجود أنواع الأقمشة الصوفية، ففتحت له الأبواب، ورغب الكثيرون في أن يخطب إحدى بناتهم. والبعض وسّط عم حامد لإقناع الشاب الذي تحسنت أحواله، بأجره الكبير، "أو بإمكانية الترقي إلى مسؤول صالة، أو رئيس مجموعة، وربما رئيس وردية، أو مدير قسم". وكل يوم يُدعى إلى هذه الدار أو تلك، فيأكل اللحوم، ثم ينصرف، ولا يعد مضيفيه بشيء.

تأسست شركة مصر للغزل والنسيج، عام 1927 وأحدثت ثورة اجتماعية. لم تحظ أيّ من شركات بنك مصر بتسليط الأضواء عليها كما كان الحال مع شركة مصر للغزل والنسيج

هذه التفاصيل وغيرها تستوعبها 125 صفحة فقط، لاستغناء المؤلف محمد أبو قمر عن الزخارف اللغوية، واختياره لغة متقشفة، خالية من الزوائد، نابضة بالحياة، فاستبد أبطال الرواية بمساحات البوح، وأطلقوا أخيلتهم للأشواق المشروعة وغير المشروعة. يختفي المؤلف؛ فيكون أبطاله بشراً من لحم ودم، يستجيبون للإغراء فيضعفون، وبعضهم ينهض ويتجاوز عثرته بعد امتحان عسير، وبعضهم يستمرئ الخطأ فينتهي مطروداً مثل إمام الجامع، أو ذليلا جريحا مثل الحاج مسعود اللص والسيد السني المتصابي. أما رمز النبل فهو حامد الحلاق، الممرض، البوسطجي، حلال المشاكل، منقذ الخطائين، ذابح الطيور للأهالي بشفرة الحلاقة نفسها، المتستّر على فتيان سرقوا ديكاً فيذبحه ويطبخه، ويشاركهم الْتهامه. هذه هي الدراما. 

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard