جيل التسعينات: هل نحن أفسدنا العالم أم هو أفسَدَنا؟

الخميس 22 سبتمبر 202204:01 م

إذا كنتم/ن من جيل التسعينات لا بدّ وأن معظمكم/ن يعيش اليوم الحنين إلى الماضي وإلى ذكرياته الوردية، واختبرتم/ن في كل عام تبدّل وجه العالم في كافة أشكاله حتى وصل إلى هذه الزاوية الضيّقة التي أضحينا نعيش فيها.

لا شك أن طفولتكم/ن تميّزت بحلّ الكلمات المتقاطعة ومعرفة اسم صاحب/ة الصورة المبهمة، كما وأنكم واظبتم/ن على شراء "كاسيتات" مطربكم/ن المفضل وقمتم/ن بإعادة المقاطع الأحب إلى قلبكم/ن مراراً وتكراراً، أما اليوم فقد ذهبت هذه الأشرطة لتحلّ مكانها الأجهزة الذكية وأحدث الابتكارات في عالم التكنولوجيا.

"الحياة لونها بمبي"

حين يُعاد عرض مسلسل "الفصول الأربعة" ونشاهد كيف كان مازن مثلاً يتصل بابنة خالته سوسو ليسمعها أغنية "لحظة جنون" للفنان اللبناني راغب علامة، عن طريق وضع السماعة على المسجلة، لترد عليه بأغنية "تترجى فيا" لإيهاب توفيق، فإن هذا المشهد بذاته قد يعيدنا إلى أيام البراءة والرومانسية المتجسّدة بإرسال الأغاني كإهداء لمن نحب.

وكانت ألعاب "الغميضة" و"الكراسي" الوسيلة الوحيدة للتسلية، بالإضافة لقصص "المكتبة الخضراء" و"المغامرون الخمسة" و"مجلة العربي الصغير".

مطلع الألفين، دخلنا في سرداب جديد: اختبرنا دخول صحون الديجتال الخاصة بالقنوات الفضائية، كما عرفنا الحاسوب وانتقلنا إلى مرحلة شراء ال CD الذي نشاهد من خلاله الأفلام والمسلسلات والأغاني، أو حتى أفلام ديزني المشهورة بالدبلجة المصرية، مثل "حياة حشرة" و"الأميرة النائمة"، بالإضافة للألعاب التي طبعت ذاكرتنا، مثل طرزان، سوبر ماريو، الجار المزعج وغيرها.

حين يُعاد عرض مسلسل "الفصول الأربعة" ونشاهد كيف كان مازن مثلاً يتصل بابنة خالته سوسو ليسمعها أغنية "لحظة جنون" للفنان اللبناني راغب علامة، عن طريق وضع السماعة على المسجلة، لترد عليه بأغنية "تترجى فيا" لإيهاب توفيق، فإن هذا المشهد بذاته قد يعيدنا إلى أيام البراءة والرومانسية

ربما كان العالم حينها أكثر هدوءاً، لكن هذا لا يمنع أننا أنصتنا إلى الكبار وهم يتحدثون عن حرب الخليج، حرب البوسنة والهرسك، حرب كوسوفو، وتابعنا بكثب اهتمامهم في معرفة تفاصيل غزو العراق للكويت، إعادة توحيد ألمانيا، توقيع اتفاق أوسلو وظهور حركة طالبان.

تعجّبنا من فكرة استنساخ النعجة "دوللي" دون أن نعرف الآلية العلمية وعلم الوراثة، وآلمنا رحيل الليدي ديانا دون أن نعرف الكثير عن أميرة ويلز، ربما تبتعد الطفولة عن التعقيد، ولكن ما نعرفه حقاً أن الحياة، كما قالت سعاد حسني: "لونها بمبي".

الشاشة تجمعنا

للتلفزيون النصيب الأكبر في مرحلة التسعينات، وكانت بعض الأعمال، مثل "كاساندرا"، تتسبب في أن تصبح الشوارع فارغة وقت عرضها، والجميع ينتظر "فيلم السهرة" لمشاهدته.

تتحدّث الإعلامية ماريا ديب عن التلفزيون وبرامجه في التسعينات لرصيف22: "قدّمت برنامج (ما يطلبه الجمهور) وكانت فترة ذهبية بامتياز، كانت تصلني رسائل وفاكاسات من مختلف دول العالم"، كاشفة أنها كانت تتلقى اتصالات بالمئات من المشاهدين/ات: "كانت الناس تهنئ بعضها وتهدي الأغاني عن طريق برنامجي، ولكن جاء اليوتيوب ليلغي مثل هذه البرامج".

وتضيف ماريا التي استضفت العديد من النجوم في برنامجها، مثل صباح فخري، نجوى كرم، لطيفة، ميادة الحناوي وملحم بركات: "كنا نتعب كثيراً للحصول على المعلومات والتحضير للضيف/ة أو إعداد فقرات البرنامج، ولكن كانت العائلة كلها تجتمع لمشاهدة برنامجي، ونشأ جيل التسعينات على هذا البرنامج الذي رافقهم من الطفولة وحتى الشباب"، معتبرة أننا اليوم "نعيش في عصر الإنترنت والصفحات الإعلامية التي لا تحترم أدبيات المهنة"، على حدّ قولها.

حين عاش النجوم على الدفاتر والجدران

خلال تلك المرحلة، صعد نجم بعض الوجوه الفنية العربية منها والعالمية، وأصبح إطلاق أي أغنية أو فيديو كليب جديد لشاكيرا، بريتني سبيرز وعمرو دياب على سبيل المثال، بمثابة حدث جماهيري يأخذ نصيبه من الاهتمام، وبدلاً من متابعة المشاهير عبر مواقع التواصل الاجتماعي، كان يُكتفى بلصق صورهم على باب الخزانة أو الجدار، وباتت الأغنية قصيرة لا تتعدّى الأربع دقائق، كما أصبحت الدراما التلفزيونية الرمضانية طقساً سنوياً عربياً، وبقيت تلك الوجوه هي الأبرز على الساحة الفنية اليوم رغم الوجوه الجديدة.

تقول الفنانة القديرة هدى شعراوي، لرصيف22: "مرحلة التسعينات كانت فترة ازدهار بشكل كبير، وخاصةً مع انتشار الفضائيات وازدياد الشهرة والانتشار. كان الجيل السابق من الفنانين/ات حقيقياً، وكان الاهتمام بالفن يبدأ منذ الطفولة، فمن جهتي، شاهدت حفلاً للسيدة أم كلثوم بدمشق وكان عمري عشر سنوات لشدة حبي لها"، معتبرة أن الأعمال الاجتماعية في التسعينات كانت قائمة على الحياة الواقعية.

"أتذكر كل شيء في مرحلة التسعينات، بداية البث التلفزيوني في الثالثة عصراً، البرامج التلفزيونية مثل (إذا غنى القمر) يوم الجمعة، (قلعة الحصن)، (مجلة التلفزيون) وغيرها، ولا أنسى برامج الأطفال، مثل (ساندي بيل)، (الكابتن ماجد)، (البوكيمون)، بالإضافة إلى موسيقى نشرة الأخبار عند الساعة الثامنة والنصف، وهو الإعلان الرسمي لموعد النوم"

في المقلب الآخر، أصبح بعض أبناء وبنات جيل التسعينات من نجوم الشاشة الصغيرة والكبيرة بعد أن كانوا ينتظرون أن تدق عقارب الساعة على الوقت الذي يبدأ فيه مسلسلهم/ن المفضل، فكيف اختلفت الحياة الفنية خلف الكاميرا في التسعينات وأمامها الآن؟

تجيب على السؤال الممثلة نانسي خوري: "أنا من مواليد التسعينات، وأشعر بأنني أنتمي إلى تلك المرحلة، ولا أملّ من متابعة الأعمال القديمة لأنها كانت تشبهنا أكثر، وكانت فترة المسلسلات مقدسة، مثل مسلسل الحادية والنصف صباحاً بعد الأخبار، وبعد الساعة السادسة ننتقل لمشاهدة القناة الثانية، واللافت أن النجوم الذين كنت أشاهدهم حينها، أصبحت أمثّل معهم، وهم من صنعوا ذاكرتي حين كانوا شباباً واليوم أنا في مكانهم".

وتضيف لرصيف22: "خفّفت سرعة الوصول إلى الأشياء من قيمتها، وتنوّعت الخيارات والأسماء حتى باتت استهلاكية، فمثلاً خلال شهر رمضان حين كانت تبدأ شارة مسلسل (مرايا) كنا نترك كل شيء ونستعد للمشاهدة، ولكن جيل التسعينات اليوم ضائع بين من تزوج وكوّن عائلة وبين جيل التيك توك الحديث... نحن عالقون في الوسط".

بين الأمس واليوم

الكل يدافع عن عصره ويعتبر جيله هو الأفضل، ولكن كيف تنظر بقية الأجيال إلى فترة التسعينات؟

تتحدث المدرّسة المتقاعدة ميادة إيبيش (58 عاماً) عن فترة تعليمها لجيل التسعينات وذكرياتها عن تلك المرحلة: "بدأت التعليم في فترة الثمانينات وكان التدريس مرغوباً بحيث كانت رغبة التلاميذ بالعلم واضحة وتقدير الأهل للمعلمة، عاصرت جيل التسعينات كله، ومشيت معهم خطوة بخطوة حتى اختلفت الأجيال والتربية، كان التلميذ يتأثر عندما يخسر نصف درجة فقط في الامتحان، ويلتزم الطالب باللباس الرسمي على عكس السائد حالياً، فاليوم يأتي التلميذ إلى المدرسة وموبايله بحقيبته، واللامبالاة هي السمة الواضحة على معظم تلاميذ الجيل الحالي، كما بات إطلاق الشتائم تجاه الأساتذة ظاهرة منتشرة بكثرة".

وتضيف لرصيف22: "مرحلة التسعينات كانت حميمية بامتياز، وكانت الرواتب جيدّة، ولكن حالياً بسبب سوء الأوضاع المعيشية أصبح بعض الأساتذة لا يولون أهمية كبرى لجهة التركيز على كل تلميذ/ة، فيضطر بعض الأهالي اللجوء للمدرّس الخصوصي لتعويض قلة الاهتمام".

بعض مواليد التسعينات يجهز نفسه اليوم للسفر بعدما فقد الأمل في أن يكوّن مستقبله في بلده، والبعض الآخر ينتظر أن تتحسّن الظروف ليتزوج من يحب، أو يبحث عن فرصة عمل لتحسين ظروفه الاجتماعية، ولكن في الوقت الذي كنّا ننتظر فيه بداية برنامجنا المفضل في الطفولة، هل كان القدر ينتظرنا نكبر ليفعل بنا ما يفعل اليوم؟ 

بدورها، تقول علا أحمد (مواليد 1985) لرصيف22: "أتذكر كل شيء في مرحلة التسعينات، بداية البث التلفزيوني في الثالثة عصراً، البرامج التلفزيونية مثل (إذا غنى القمر) يوم الجمعة، (قلعة الحصن)، (مجلة التلفزيون) وغيرها، ولا أنسى برامج الأطفال، مثل (ساندي بيل)، (الكابتن ماجد)، (البوكيمون)، بالإضافة إلى موسيقى نشرة الأخبار عند الساعة الثامنة والنصف، وهو الإعلان الرسمي لموعد النوم، ومحاولاتنا لمشاهدة (فوازير شريهان) دون معرفة أهلنا".

وتتابع حديثها بالقول: "أعتبر جيل التسعينات قوياً ويعرف صعوبة الحصول على المعلومات، فقد عرف موضة جمع الطوابع، لمّة الجيران وتبادل الأطباق، الكاسيت وأقلام الرصاص، هذا الجيل عرف معنى الأشياء البسيطة وجمالها، ولكنه يشبه الطفل المتوسط في العائلة الذي لا يستطيع أن يكون الأكبر ويواجه التمرد على الأفكار، ولا يستطيع أن يكون الصغير ويحصل على كل شيء مجاناً، وكأنه فاقد للبوصلة، لتأتي الحروب والمشاكل وتمنعه من تحقيق ذاته".

من جهتها، تقول جودي العلبي (مواليد 2004) لرصيف22: "أعرف عن مرحلة التسعينات من خلال أخوتي، وأعتبر أن الحياة حينها كانت أبسط... هناك اختلاف بين جيلهم وجيلنا، كانوا يحبون الفنان ويضعون صورته على دفاترهم، أما أنا أحب ناصيف زيتون مثلاً، وفي حفلته صعدت على المسرح لالتقط صورة معه، فلا مقارنة بين الظروف وطريقة التفكير، ولكن ما يحدد شكل الحياة اليوم هو التربية المنزلية وحياة كل فرد".

لا شك أن بعض مواليد التسعينات يجهز نفسه اليوم للسفر بعدما فقد الأمل في أن يكوّن مستقبله في بلده، والبعض الآخر ينتظر أن تتحسّن الظروف ليتزوج من يحب، أو يبحث عن فرصة عمل لتحسين ظروفه الاجتماعية، ولكن في الوقت الذي كنّا ننتظر فيه بداية برنامجنا المفضل في الطفولة، هل كان القدر ينتظرنا نكبر ليفعل بنا ما يفعل اليوم؟ وهل نحن أفسدنا العالم أم هو أفسَدَنا؟

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard