"ويك إند في غزة"… ماذا لو أصبحت غزة أكثر مكان آمن في العالم؟

الثلاثاء 20 سبتمبر 202203:26 م

أن يكون اسم غزّة في عنوان فيلم روائي فلسطيني، فهذا بحدّ ذاته مدعاة للترقب ومتابعة الأحداث بيقظة، فلهذه المدينة المحاصرة منذ سنوات عديدة وقعها الخاص في الوجدان الإنساني.

يقدّم المخرج الفلسطيني باسل خليل فيلمه الروائي الطويل الأول «ويك اند في غزة» من فئة الكوميديا السوداء، والذي نافس في مهرجان "تورنتو" السينمائي الدولي في دورته الماضية، وحصل على جائزة "الفيبرسكي"، ويحكي الفيلم قصّة غزة بعيداً عن القصف الإسرائيلي والمجازر التي تُرتكب بحق الآمنين في بيوتهم، حيث يتناولها عبر أسئلة عديدة أهمها: ماذا لو أصبحت غزة أكثر الأماكن أمناً في العالم؟

من هذا السؤال ندرك السخرية من الواقع، والتي ستتخلّل مشاهد الفيلم وقصته، بحيث يبدأ مع لقطات في "إسرائيل" في معامل ومختبرات تتعلق بڤايروس يهدد البشرية، بعدما أصبح منتشراً في العالم، باستثناء مدينة واحدة هي غزة، المدينة التي ستصبح في يوم وليلة ملاذاً آمناً يتوق إليه الهاربون من هذا الڤايروس. سوف يعتقد الجميع أن الموضوع يتعلق بڤايروس كوڤيد، مع أن خليل كتب الفيلم قبل 10 سنوات، لكن جاءت لحظة الإنتاج متّسقة مع انتشار جائحة كورونا حول العالم.

تشكّل الكوميديا لدى صناع الأفلام مساحة آمنة، خاصة إذا تناولت حكاية قد تثير مشاعر متضاربة لدى المتلقي، كأن تترك ضحكة وفكرة وتساؤلات بحاجة الى إجابة، وهذا ليس بالأمر السهل، ومن الواضح أيضاً، أن المخرج الفلسطيني باسل خليل قرر أن تكون الكوميديا نهجاً في صناعة أفلامه، كما حدث سابقاً مع فيلمه القصير «السلام عليك يامريم»، الذي نافس في فئة الأفلام القصيرة في جوائز الأوسكار، حيث احتاج خليل سنوات عديدة من بعدها لطرح فيلمه الروائي الطويل الأول.

في «ويك اند في غزة»، ثمّة مشاهدة مختلفة لغزة، هي لا تشبه ما يتم تصديره، المدينة التي من الممكن أن تشبه أي مدينة أخرى إلا غزة المتعارف عليها، وهذا مقصود من قبل كاتب ومخرج العمل، وهو أن يصدم المتلقي في أن يضع أمامه ما هو غير متوقّع.

باستثناء المشهد الافتتاحي للفيلم الذي يحدث في "إسرائيل" تنتقل أحداث الفيلم إلى مدينة غزة (صوّرت في الأردن)، مع مايكل البريطاني (ستيفان مانجان) وصديقته الإسرائيلية كيرين (منى حوّا)، اللذين قررا السفر إلى لندن، لكن توقيف رحلات الطيران بسبب الڤايروس يمنعهما من ذلك، فيكون قرارهما أن يسلكا طرقاً برية توصلهما إلى مصر، ومنها يسافران إلى وجهتهما عن طريق البحر، مع رفض كارين للمشروع تحديداً لأن الوجهة أصبحت غزة، يصرّ مايكل على الخطة، بالتعاون مع صحافي أجنبي يطلب منهم 10 آلاف دولار لكل شخص مقابل عملية التهريب، ومن خلاله يتواصل الصحافي مع عماد (لؤي نوفي) أحد المهربين الذي تربطه علاقة مع متنفّذين يحكمون غزة (دون إشارة واضحة إلى أي فصيل) وتجسده شخصية أبو شنب (أنور خليل) لتسهيل المهمة. في هذه الأثناء يقرر وليد (آدم بكري) وهو تاجر بسطة متعثر أن يشارك في هذه العملية، وتكون عن طريق استلام الهاربين عبر نفق لا يشبه أي نفق في العالم، وتكون المفاجأة عندما يكتشف المهربون أن كارين "إسرائيلية". حينها، لا يكون أمامهم أي خيار إلا أن يستمروا في عملية التهريب التي تفشل، فيقرر وليد تخبئة مايكل وكارين في منزله المحاط بالجيران المتربصين والمتلصصين، ومن هنا تبدأ الأحداث مع زوجة وليد نهاد (ماريا زريق) التي تأخذ مهمة التخلص منهم وإيصالهم إلى معبر رفح على عاتقها.

في «ويك اند في غزة»، ثمّة مشاهدة مختلفة لغزة، هي لا تشبه ما يتم تصديره، المدينة التي من الممكن أن تشبه أي مدينة أخرى إلا غزة المتعارف عليها، وهذا مقصود من قبل كاتب ومخرج العمل، وهو أن يصدم المتلقي في أن يضع أمامه ما هو غير متوقّع

من الوهلة الأولى سيتم الاعتقاد أن قصة الفيلم هي عملية التهريب، لكن ما بين الأحداث، سيجري إيصال الرسالة، وهي مبنية أيضاً على سؤال: ماذا لو عاش "إسرائيلي" صهيوني في غزة لمدة يومين؟ وهذا فعلاً هو مغزى الفيلم المراد إيصاله للمتلقين، واختيار جنسيات الهاربين (بريطاني، إسرائيلية) ليس صدفة أيضاً، بل له أبعاده السياسة التي تتعلق بالمسببات التي أوصلت فلسطين إلى أن تكون محتلة إلى اليوم.

من الممكن أن يواجه الفيلم آراء متضاربة، وآراء قد تحاول النيل منه كما شهدنا مع أفلام فلسطينية سابقة، تحديداً مع تفصيلة التجسيد لرجال الأمن، والمنتفعين في القطاع، إلا أن ثمة فكرة في غاية الذكاء تتخلله، وطريقة إيصال تلك الأفكار كانت عن طريق اختلاق المواقف الكوميدية.

من جهة أخرى ثمة تعثر واضح في طريقة إدارة المخرج لعناصر الفيلم التي تختلف بين النصف الأول منه والنصف النهائي، ثمة ارتباك يحضر في طريقة الصنع بالرغم من أن البداية الى عشرين دقيقة تقريباً كانت مصنوعة بطريقة وكأنّها إلى حدّ ما عرض من الأفلام العالمية، ومن الممكن أن ظروف التصوير التي تواكبت مع كورونا تسبب بهذا الارتباك، لكن بشكل عام، هي فرصة لمشاهدة فيلم تحت فئة الكوميديا السوداء، ضمن شخصيات تعيش غزة لها حياتها ومشاعرها واخفاقاتها، في حضرة احتلال يهددها في كل لحظة، وفصائل متناحرة وذكاء السكان بالتعامل مع كل فصيل لـ"تمشية الحال" المهدد دائماً بقصف غاشم يأتي فجأة.

من الوهلة الأولى سيتم الاعتقاد أن قصة الفيلم هي عملية التهريب، لكن ما بين الأحداث، سيجري إيصال الرسالة، وهي مبنية أيضاً على سؤال: ماذا لو عاش "إسرائيلي" صهيوني في غزة لمدة يومين

يعيش كارين ومايكل في منزل وليد ونهاد، ويتمثّل الخوف الأكبر باكتشاف الجيران لهما، خاصّة بعد انتشار خبر وصولهما إلى غزّة عبر الصحف، وأن يصبحا مطلوبين من قبل الجميع، إضافة إلى أنّهما قدما من منطقة انتشر فيها الڤايروس المكنّى بـ"القوّاد"، مما سيساهم في انتشاره وحرمان غزة من لقب أكثر مدينة آمنة في العالم.

يستمع الثنائي إلى تفاصيل الحياة في غزة، ينصتان إلى معنى أن يكون المرء محاصراً وممنوعاً من السفر، ومهدداً طوال الوقت. هناك شخصيّات أخرى ثانوية في العمل، لكنها مؤثرة، مثل صالح (أديب الصفدي)، الجار الذي يعمل في الأمن وزوجته الثرثارة ومطلقة الإشاعات في الحارة أميرة (شادن قنبورة)، وهما شخصيات يمكن القول إنّها كانت فعلاً فاكهة العمل. تبدأ عملية التهريب بعيداً عن أعينهما، وتكون الوسيلة عن طريق مجاري الصرف الصحي التي تلهي الجيران، ومن هنا، تبدأ عملية التهريب المليئة بالمواقف الكوميدية.

وفي الحديث عن الكوميديا، التي من الممكن أن لا تضحك المتلقي العربي، لكنها بالتأكيد ستضحك غير الناطق بلغتنا، أعتقد أنها مرتبطة بشكل مباشر في أن السيناريو كُتب باللغة الإنجليزية ثمّ تُرجم، خاصة أن خليل شارك بالكتابة مع السيناريست البريطاني دانييل كا شون.

لذلك، يبتعد حس الدعابة نوعاً ما عن النكتة المعتادة عربياً، فموضوع مثل "البراز" على سبيل المثال لا الحصر، ليس موضوعاً كوميدياً يتم طرحه عادة في السينما العربية، على عكس السينما العالمية، وهو الموضوع الذي يتشكل حوله مَخْرجاً لكل المعضلة التي بني عليها الفيلم، بالإضافة إلى حضور بعض النكات والمواقف التي من الممكن أن تضحك الجميع، والتي تتعلق بالحالة المجتمعية الرابطة بين الجيران والحي الواحد.

ومن يدقق بالتفاصيل، سيلاحظ أن بداية الفيلم تكون مصحوبة مع موسيقى تصويرية لـ"لهافا ناجيلا"، وهي الأغنية التي تم كتابتها عام 1917 احتفالاً بإعلان بريطانيا لوعد بلفور… كل تفصيل في الفيلم له هدف، لكن هذه المرة، ومع نهاية الفيلم الذي تضمنت إعادة صياغة لأغنية نينا سيمون "أتمنى" إلى اللغة العربية مع أصوات كنسية ترافق بشار مراد - وهو مغني بوب من القدس.

«ويك اند في غزة» يريد بشكل أو بآخر أن يقول للعالم إن ثمة شعباً محاصراً، شعباً محروماً من أبسط حقوقه، ولكنه في نفس الوقت قادر على الحياة والحب والضحك، وساخر حتى من عدوه إذا ما جُمعا تحت سقف واحد صدفة، ساخر لأنه ببساطة صاحب حق، مع حقيقة أن المحتل لن يتغير أبداً حتى في لحظات التعامل بشكل إنساني، ويظهر ذلك جليا في نهاية الفيلم.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard