ألا يحق لنا أن نغضب من الله؟

الخميس 22 سبتمبر 202212:58 م

همست في أذن صديقتي التي فقدت زوجها الشاب أخيراً، وسألتها مترددة: "ألم تغضبي من الله؟"، نظرت إلي ثم قالت: "أغضب منه سراً فلا أجسر على التصريح بذلك وإلا أصبحت كافرة، على الأقل في نظر الناس". فكرت في حديثها طويلاً وأنا أتساءل: هل عقاب الغضب والاعتراض هو التكفير؟ وهل يغضب مني الله لو غضبت منه؟
لم أفهم يوماً الحكمة الإلهية من الفقد. أحزن وأغضب عندما أسمع عن أم توفت في عمر الشباب تاركة أطفالاً صغاراً، وعن طفل صغير أو شاب رحل ليترك ألماً لا ينتهي. أفكر وأسأل الله: "يا الله لماذا تحرم أماً من أطفالها؟ يا الله أيجب أن تكون ضريبة الإيمان غصة في القلب وصدمة للعقل لا تُمحى؟"

همست في أذن صديقتي التي فقدت زوجها الشاب أخيراً، وسألتها مترددة: "ألم تغضبي من الله؟".

ألم الفقد الأول

كنا في فجر عيد الأضحى عندما استيقظت أنا وأخوتي على صوت طرقات عالية على باب منزلنا، استيقظت أمي سريعاً لتفتح بعدما سمعت صوت شقيقها الأصغر ينادي. يومها، وصلنا خبر وفاة جدتي التي كانت مريضة منذ أسابيع. وكنت أستعد لزيارتها في أول أيام العيد، ولكن الموت سبقني إليها.
بعد الموت، عادة يأتي البكاء، ثم الصمت، ثم الاعتياد والنسيان، أو دفن أحبتك في مكان بعيد في القلب حتى تستطيع أن تكمل حياتك. وقتذاك، لم أركز كثيراً على البكاء. كنت غاضبة منك يا الله. أجل، أعتذر. اسمح لي أن أستخدم هذا التعبير، وإن كان ثقيلاً. اغفر لي إن كانت هذه الكلمة لا تجوز أن تصدر من عبدة مؤمنة طائعة، ولكني غضبت. لماذا تأخذ جدتي إليك في ليلة العيد؟ لماذا تحرمني من توديعها ورؤيتها للمرة الأخيرة؟ بل لماذا تتعجل في موتها وهي لم تكن حتى أكملت الستين من عمرها؟ كان ينقصني يا الله الكثير من حكايات الجدات. تمنيت لو أجلس معها أكثر وأكثر حتى أستمع إلى المزيد، وأغوص في الحياة. ربما أصبحت أكثر قوة وثباتاً. كان هناك هذا العناق الناقص الذي لم يحدث. كان يجب أن يكون، ولكنك أخذتها. أمرت بموتها في هذا التوقيت وهذه الليلة ليصير العيد جنازة.

كنت غاضبة منك يا الله. أجل، أعتذر. اسمح لي أن أستخدم هذا التعبير، وإن كان ثقيلاً. اغفر لي إن كانت هذه الكلمة لا تجوز أن تصدر من عبدة مؤمنة طائعة، ولكني غضبت

في النهاية، لجأت إلى البكاء لأزيح هذا الثقل الجاثم على قلبي. قلت لشقيقتي: "أنا غاضبة من الله. لماذا تموت جدتي؟". نهرتني أختي الكبرى واعترضت على ما أقول، وقالت: "يجب أن تؤمني بالقضاء والقدر لعل في ذلك خيراً". وأنا فكرت طويلًا يا الله في هذا الكلام. تأملته مراراً، ولكني حتى الآن لم أستطع أن أجد ما الخير من وراء رحيلها. فكرت أنه ربما كان خيراً لها يسكنه ألماً لكل أحبتها.

لماذا ماتت أختي؟

أكثر ما يؤلم في الموت أنه يأتي فجأة، دون مقدمات، ويخطف منك أناساً لم تكن تتوقع أن يكون الدور دورهم. كانت شقيقتي في السادسة والعشرين فقط عند وفاتها. شابة تنتظر أمي الوقت حتى تزفها إلى عريسها، ولكن يشاء الله أن تموت.
منذ عام 2011، ومنزلنا لم يعد إلى حاله. تزوج أخي، وتزوجت أنا وأختي، وأنجبنا. ولكن، ظل هذا الألم الكبير يحوم حول قلوبنا ويحجب عنّا الفرحة مهما كانت قريبة. تساءلت كثيراً حول موتها. لماذا تموت أختي في سن الشباب؟ لماذا يموت الشباب أصلًا يا الله؟ أفي رضاك أن تتحول قلوب الأمهات إلى ظلام؟ أمن عدلك أن نتلقى هذه المصائب بابتسامة كبيرة دون غضب أو اعتراض؟ 

مات شقيق صديقتي المقربة وكان حسن الخلق، ثم مات خالي الصغير وترك ابنتين في سن الطفولة.

أعرف كثيراً كل ما يمكن أن يقال عن الرضا والإيمان بالقضاء والقدر والصبر وغير هذه القواعد التي لا أعترض عليها. ولكني أتساءل فقط هل خلقت عبداً ضعيفاً محباً للجدل، عاطفياً ورقيقاً لتمنحه أحبة، ثم تقرر أن تأخذ منه هؤلاء الأحبة وتنتظر من طبيعته – التي تعرفها جيداً- أن ترضى وتسلم وتؤمن دون أي غضب؟ ألا يمكن أن نغضب ثم نرضى؟ هل يشترط أن نرضى طوال الطريق حتى تقبلنا وإن حدث العكس نحرم من جنتك؟ إذاً لماذا لم تخلقنا ملائكة يا الله؟ لماذا جعلت منا أناساً تفور دماؤها وتجزع وتثور عندما تغضب وتتألم عندما تفقد.
عندما ماتت أختي، كان كل زوارنا يحفظون هذه الآيات والأحاديث المكررة التي تحثنا على الصبر، حتى ظننت للحظة أن هناك ورقة معلقة على باب المنزل يقرأها كل الوافدين لتقديم العزاء، مكتوب فيها كل هذه النصوص التي تعاد على أسماعنا بشكل مستمر. تمنيت فقط وقتها أن يصمتوا ويتركوني حتى أتألم وأبكي وأغضب وحدي. تركتهم ودخلت إلى هذه الغرفة وحدي باكية. وقتذاك فقط، وبعيداً عن الناس، استطاع لساني أن يسأل هذا السؤال المحرم: "لماذا يا الله... ما الحكمة من موت شابة صغيرة لتحرق كل أهلها؟ أهل الدين يقولون إن كل قدرك خير، فلماذا لا أرى الخير؟".

أكثر ما يؤلم في الموت أنه يأتي فجأة، دون مقدمات، ويخطف منك أناساً لم تكن تتوقع أن يكون الدور دورهم. كانت شقيقتي في السادسة والعشرين فقط عند وفاتها

توالت الأعوام وظل الألم باقياً. مات شقيق صديقتي المقربة وكان حسن الخلق، ثم مات خالي الصغير وترك ابنتين في سن الطفولة. الموت لا ينتهي، والفقد مستمر، والشباب يذهبون دائماً، وتسقط الدموع من عيون النساء والرجال في صمت. ربما رضا حقيقي صادق، وربما غضب داخلي مكتوم لا يخرج إلا في السر كما قالت صديقتي، وربما الاثنان معاً يا الله. من الممكن أن نرضى حباً لك ونغضب حباً لمن فقدناه. ألا يجتمع الاثنان معاً؟
لم يخلقنا الله تماثيل من الشمع تتحرك وفق قوانين وقواعد محددة وإلا ما كان هناك ثواب وعقاب. حتماً خلقنا وهو يعرف أن أذهاننا المركبة ستغرق في التساؤلات والاعتراضات. خلقنا وهو موقن أن الإنسان بطبيعته لن يرضى. وإن رضي، فلن يكون على كل شيء، فلماذا توجه لنا أصابع الاتهام عندما نحلل وندقق ونشعر ونغضب ونحب ونبتعد ونقترب من الخالق؟ وهو الأعلم والأقدر على فهم طبيعة خلقه.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard