للزوجة الحقّ في تلقّي أجر الرضاعة... لماذا لا يخرج أحد ويوضح للناس دينهم؟

الخميس 15 سبتمبر 202209:45 ص

شهد الشارع المصري في الآونة الأخيرة، حالةً من البلبلة بعد التصريحات الأخيرة للأستاذة نهاد أبو القصمان (المعروفة بنشاطها ودفاعها المستميت عن حقوق المرأة في مصر)، عندما أفادت في أحد تصريحاتها بأن الزوجة لها الحق في تلقّي أجرٍ لقاء إرضاع أبنائها، إذ قوبل التصريح بالسخرية والاستهزاء من قبل نسبة كبيرة من  الشعب المصري. والغريب أن لا أحد منهم على علم بأن هذا الكلام موجود بالفعل في الشريعة الإسلامية، وأكثر ما يثير الإحباط أن غالبية من يدّعون أنهم أهل فتوى في الدين، يهاجمونها كالجُهّال من دون توضيح الأمور للناس بالحق، وكأنهم لم يقرؤوا تلك الآية في القرآن الكريم. قال تعالى: "أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ وَ لا تُضآرُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ وَإِنْ تَعاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرى"؛ سورة الطلاق. 

فهنا، الله جلّ وعلا، أمر الزوج بأن يدفع أجراً لزوجته لقاء الرضاعة، وذلك ليس حديثاً جديداً على الأمة الإسلامية، ولكنه بات جديداً على من اعتنق الإسلام بالوراثة فقط، وليس اعتناقاً قلبياً وبحثياً. 

حتى وإن لم يُنفّذ هذا الأمر على أرض الواقع بسبب الظروف المعيشية الصعبة في مصر، أو بسبب الأعراف التي تسير عليها الحياة، إلا أنه لا ينبغي التكتم على كلام أئمة المذاهب الإسلامية

لكن المشكلة الكبرى ليست في هؤلاء العامة، بل عندما يخرج شيخ الأزهر الشريف الدكتور أحمد الطيب ويمسك العصا من المنتصف، ولا يذكر آراء الفقهاء حول أحقّية دفع أجر الرضاعة للأم المرضعة غير المطلقة أو المطلقة على السواء، حتى وإن لم يُنفّذ هذا الأمر على أرض الواقع بسبب الظروف المعيشية الصعبة في مصر، أو بسبب الأعراف التي تسير عليها الحياة، إلا أنه لا ينبغي التكتم على كلام أئمة المذاهب الإسلامية، بما فيها المذهب الشافعي الذي أقرّ بأن الزوجة لها الحق في أن تأخذ أجر إرضاع أبنائها، كما تأخذه أي مرضعة أخرى، حتى أنه في حالة وفاة الزوج، فمن حق الأم أن تقتصّ أجرها من ورث الرضيع.  

وجاء في المذهب الحنبلي أيضاً، أنه يصح أن يقوم الزوج باستئجار مرضعة لإرضاع ولده، حتى مع وجود والدة الطفل، سواء كانت على ذمة زوجها أو مطلقها، أما المذهب الظاهري فأقرّ بعكس ذلك، فقد أنكر وجود أجر على الرضاعة في حال كانت الزوجة على ذمة زوجها، لأن لها حقاً في المأكل والملبس قبل الوضع أو بعده، أما في حالة الطلاق فلها أجر الرضاعة. تلك آراء بعض المذاهب التي يمثّلها الأزهر الشريف، فلماذا لا يخرج أحد ليوضح ذلك للناس حتى يفهموا أمور دينهم؟ فالتشريعات الدينية لا توجد فيها حيادية أو تحيّز لطرف ما، فالناس باتوا يجهلون أموراً دينيةً كثيرةً في ما يخص النساء، مما جعلهم يضعنهنّ دون قدرهنّ ويعاملونهنّ بقسوة، مما زاد من معدلات الطلاق في مصر، وأيضاً حالات قتل الفتيات، إذ صرنا نسمع أسبوعياً عن حالة قتل جديدة، لمجرد أن الفتاة رفضت الارتباط بشخص ما. فالشيخ يدرس الأمور الفقهية ويتقاضى أجراً حتى يوضح تلك الحقائق للناس، وإلا أصبح من حق العامة الطعن في كل الفتاوى السابقة واللاحقة.  

فالتشريعات الدينية لا توجد فيها حيادية أو تحيّز لطرف ما، فالناس باتوا يجهلون أموراً دينيةً كثيرةً في ما يخص النساء، مما جعلهم يضعنهنّ دون قدرهنّ ويعاملونهنّ بقسوة

تلى تصريح الأزهر رأي آخر لأحد الإعلاميين والأساتذة الجامعيين الكبار، يهاجم تصريح الناشطة نهاد قائلاً: "لا نتزوج جواري لندفع لهن أجر الرضاعة"، فالجميع بات يوجّه أصابع الاتهام لأبو القمصان، على أنها تهدم القيم وتشيع الفتنة داخل البيوت المصرية بتصريحاتها حول حقوق المرأة، ولا أدري لم كل هذا الخوف من التصريح بأن للمرأة حقوقاً؟ فأيّهم أحق: أن يُتبع أهل معرفة الحقوق والواجبات أم المهاجمة والتكتم هما الحل لعدم هدم المزيد من الأسر؟

أيها السادة، إن دور المرأة في حياة المجتمعات ليس بقليل، بل لا نبالغ إذا قلنا إنه يفوق دور الرجل بمليون ضعف، ومن المستحيل أن يستطيع رجل احتمال ما تفعله المرأة، فأقل شيء تفعله المرأة هو الولادة، ومع ذلك تخوض التجربة أكثر من مرة ثم تأتي الرضاعة الطبيعية التي تجعل الأم تستنفر ما تبقّى من فيتامينات في جسدها حتى تشبع أولادها، ناهيك عن استيقاظها ليلاً، مراراً وتكراراً، وفهمها لطفلها من دون أن يتحدث إليها، فالله لم يجعل الجنة تحت قدميها سُدى، وحتى الآن نرى البعض يتعامل معها كأنها مجرد وعاء لإفراغ الشهوة لا أكثر. إن عدم فتح ملف حقوق المرأة والتحدث فيه على الملأ هو السبب في ما تعانيه النساء في مصر الآن من خوف وقتل وتهميش. 

لا أدري لم كل هذا الخوف من التصريح بأن للمرأة حقوقاً؟ فأيّهم أحق: أن يُتبع أهل معرفة الحقوق والواجبات أم المهاجمة والتكتم هما الحل لعدم هدم المزيد من الأسر؟

ختاماً، أودّ أن أقول إنني أرى أن الحل يكمن في عرض الخفايا والحقائق للناس من دون خوف أو تردد، فالله لم يضع قانوناً أو شيئاً لأذيتهم، فجهل الناس بتعاليم دينهم هو السبب في التفرقة والطلاق والعنف بين الزوجين، لا معرفة قيمة المرأة، فالنساء في مصر يُعرفن بكرمهن وصبرهن ودعمهن لأزواجهن، ومن واجبنا تجاههن أن نحترمهن ونعاملنهن باحترام ونقدّر تضحياتهن.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard