شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

لنبدأ من هنا!

"ضياء الدين" .. الليبي الذي ترك نصف اسمه ليواجه حكم الردة بإصرار

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

حياة نحن والحريات الشخصية

الأربعاء 14 سبتمبر 202211:31 ص

تكبيرات وتهليلات وحمد لله...

هكذا تم الاحتفاء عبر مواقع التواصل الاجتماعي في ليبيا، بخبر إسلام مهندس صيني، في أحد المساجد في مدينة بنغازي (شرق ليبيا)، في ما عُدّ أمراً مفرحاً، كعادة كل الأخبار المرتبطة بالإسلام وانتشاره، وبيان صحته.

لكن، وفي الأثناء -وللمفارقة- أصدرت محكمة الاستئناف في مدينة مصراتة (غرب ليبيا)، حكماً بالإعدام على شاب ليبي، وذلك بتهمة "الردّة عن الإسلام".

الحكم الذي صدر في حق المواطن "ضياء الدين بلاعو"، أثار جدلاً واسعاً في البلاد، في ضوء الدعوات لحرية المعتقد، وصيانة الآراء العامة، في حين رآه البعض الآخر تجاوزاً لمساحة المعتقد الخاص، إلى الدعوة والمجاهرة بالإلحاد، وهو ما يعارض نصوص قانون العقوبات في ليبيا.




حافظ للقرآن

ضياء الدين بلاعو، من سكان مدينة مصراتة، وهو أحد حفظة القرآن الكريم، وهو أيضاً خرّيج كلية تقنية المعلومات في مصراتة 2018، وقالت مصادر في المدينة إن السيد بلاعو رفض مرات عدة، ومنذ اعتقاله على ذمة القضية، كل الدعوات والوساطات الاجتماعية والأهلية، من أجل تراجعه عن القول بتركه للإسلام، إذ تنص المادة (291) من قانون العقوبات الليبي على إسقاط بـ"توبة الجاني" في أي مرحلة قبل تنفيذ الحكم القانون.

قضية ضياء الدين بلاعو، أعادت إلى الأذهان واقعة ما سُمّي يومها بـ"الإلحاد عبر الكلوب هاوس"، أو قضية مقهى "بابور" في إشارة إلى مجموعات ناشطة على تطبيق التواصل المعروف، وقام جهاز الأمن الداخلي في طرابلس بتتبع بعض المشاركين فيها، وإحالتهم إلى النيابة العامة بتهم التجديف، والدعوة للإلحاد وتشويه الدين الإسلامي، الأمر الذي أثار جدلاً يومها وبيانات من منظمات حقوقية دولية، وحتى تدخلات من سفارات غربية منها السفارة الأمريكية، للحيلولة دون تعرّض المقبوض عليهم لعقوبات، وهو ما يبدو أنه لاقى الفشل، حتى الآن، إذ لا يزال المتهمون في المعتقل.

الحكم الذي صدر في حق المواطن "ضياء الدين بلاعو"، أثار جدلاً واسعاً في البلاد، في ضوء الدعوات لحرية المعتقد، وصيانة الآراء العامة، في حين رآه البعض الآخر تجاوزاً لمساحة المعتقد الخاص، إلى الدعوة والمجاهرة بالإلحاد، وهو ما يعارض نصوص قانون العقوبات في ليبيا

لكن قضية بلاعو، تجاوزت قضية "كلوب هاوس"، أولاً لأن المشمول بها، قد أقرّ فعلاً بموقفه بل أصرّ عليه، إذ قال أحد المشرفين في السجن ويُدعى "بن عمر بازينة"، عبر صفحته في موقع فيسبوك، إن ضياء الدين، تناقش ولمرات عدة مع شيوخ ورجال الدين ضمن محاولات لإقناعه بالعودة عن رأيه، وإن المحكوم عليه كان وقتها يتمتع بكامل قواه العقلية، كما يظهر حسب قوله.

ثانياً، وهو الأهم هنا، صدور حكم قضائي استئنافي ضدّه بالإعدام، ليخرج الموضوع من إطار الترويجات والتكهنات، إلى وقائع ومحاضر، وشهادات وإفادات ودفوع كما في كل قضية في المحاكم.

وهكذا لم يتبقَّ سوى أن تؤكد أو تنقض المحكمة العليا الحكم المذكور، وهذا سيكون لأسباب فنية وقانونية، ولا يتعلق بجواز ترك الإسلام من عدمه، لأن القانون يجرّم ذلك بشكل قطعي. ولكن من شأن نقض الحكم -إن تم في المحكمة العليا- أن يصنع حاجزاً أمام متابعة هذا النوع من القضايا تلقائياً، خاصةً من قبل الأجهزة الأمنية.

ويثير البعض إشكالات أخرى يختلط فيها القانوني بالسياسي، فالحكم الذي صدر عن محكمة مصراتة يستند في حيثياته إلى القانون رقم عشرين لسنة ألفين وستة عشر، بتعديل بعض أحكام قانون العقوبات، في فترة حكم ما يسمى المؤتمر العام الليبي، وهو ما تم إلغاؤه وفقاً للقانون رقم واحد للعام ألفين وعشرين، والذي نص على إلغاء كافة القوانين الصادرة عن المؤتمر العام في ليبيا. ولكن شرعية مجلس النواب نفسه في ليبيا محل جدل بعد صدور حكم من الدائرة الدستورية للمحكمة العليا، عدّه كثيرون قاضياً بسحب الشرعية على انتخابات مجلس النواب عام ألفين وأربعة عشر.

حكم تشوبه شوائب

وإذا كانت القوانين واضحةً إزاء عقوبة المرتدّ أسوةً بدول عربية وإسلامية كثيرة، فإن البعض أثار جوانب فنيةً وقانونيةً، رأى أنها تعترض صحة قرار المحكمة، منها:

أولاً: المحكمة قضت بحكم الإعدام حداً، والتوبة لا تدرأ الحدود، بمجرد رفع الدعوى، بينما ينص القانون على إسقاط العقوبة عن المتهم، حال توبته في أي لحظة قبل تنفيذ الحكم.

ثانياً: المحكمة أغفلت عقوبات أخرى نص عليها القانون نفسه، منها إسقاط الجنسية، إذ يعدّ القانون الردة من موجبات إسقاط الجنسية الليبية.

ثالثاً: المحكمة، وحتى مع استنادها إلى المادة (291) فإنها أغفلت الإشارة إلى سقوط العقوبة حال توبة المحكوم عليها ورجوعه عن مذهبه، كما تنص المادة المذكورة نفسها.

اختلط القانوني بالأخلاقي بالسياسي، في قضية لا يبدو أنها ستنتهي، إذ مع انتشار وسائل التواصل بات التعبير عن الآراء أكثر سهولةً وانتشاراً، وظهر على السطح الكثير من المسائل الجدلية. لكن قضية "ضياء الدين بلاعو"، هي أول قضية تنتقل إلى المحاكم ويصدر فيها حكم قضائي بالفعل، ما يجعل مستوى الجدل أكثر حدةً من أي وقت مضى

وفي خلفية قضية ضياء الدين، كما أسلفنا، تشتعل معركة أخرى بين الأجهزة الأمنية، والناشطين مدعومين بمنظمات دولية تعنى بحقوق الإنسان، وقد ورد في تقرير لجهاز الأمن الداخلي في ليبيا، (حصل رصيف22 على نسخة منه)، وصف منظمة العفو الدولية بأنها تقوم عبر شخص يدعى حسين بيومي، المختص بالشأن الليبي، بشنّ حملات على "دولة ليبيا" من أجل الضغط عليها في ما يتعلق بالحملة التي قام بها جهاز الأمن الداخلي على "الملحدين" حسب وثيقة الجهاز. والتي ورد فيها أيضا أن بيومي، استهدف عبر حسابه في تويتر جهاز الأمن الداخلي والنائب العام بتغريدات عدة، ووصفهم بأنهم يمارسون حملةً لقمع حرية التعبير وتلفيق التهم، وقال الجهاز إنه يملك ما يثبت تصرفات غير مناسبة أخلاقياً للسيد بيومي المذكور في التقرير.

شمس على نوافذ مغلقة

هذا وقد اشتعلت هذه المعركة بعد قيام الأمن الليبي باعتقال مجموعة من الشباب تقول إنها حركة مختصة بالنشاط الثقافي والإبداعي، لكن -وبحسب التقرير الأمني - بمجرد أن غادر أعضاء هذه الحركة إلى ألمانيا، تحولت الحركة من النشاط الثقافي إلى الدفاع عن حقوق الإنسان، وأضاف أن منظمة العفو الدولية وصفت حركةً تدافع عن مجتمع المثليين بالتنوير، وهي حركة برئاسة لاجئ ليبي في ألمانيا يدعى أحمد البخاري وزعيم المالطي وعبد الوهاب العالم وفاطمة العمراني وصلاح نقاب، فيما يتهم الجهاز كل هولاء بشنّ حملات إعلامية كبيرة على الأجهزة الحكومية.

والبخاري كاتب ليبي، أصدر رواية كاشان، التي أثارت جدلاً واسعاً واتهامات له بالخروج عن الدين، حين أخذ منها مقاطع في كتاب "شمس على نوافذ مغلقة" عام 2017، وهو ما عدّه الناشطون تجاوزاً لحدود النقد الأدبي والتحول إلى الاتهامات المجانية، ولذلك فمن الصعب النظر إلى قضية "ضياء الدين بلاعو" كقضية منفصلة عن سياق محاولات التعبير الفكري، بمختلف صورها، وهي تصادم الثوابت المستقرة اجتماعياً، وموصومة بالشذوذ والمخالفة، كما تثير حساسيات الأجهزة الأمنية، وفقاً لعلاقاتها الخارجية مع منظمات عالمية حقوقية، ومصادمتها للتشريعات القائمة، ما يجعلها مخالفةً للقوانين السارية.

وهكذا اختلط القانوني بالأخلاقي بالسياسي، في قضية لا يبدو أنها ستنتهي، إذ مع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي بات التعبير عن الآراء أكثر سهولةً وانتشاراً، وظهر على السطح الكثير من المسائل الجدلية. لكن قضية "ضياء الدين بلاعو"، هي أول قضية تنتقل إلى المحاكم ويصدر فيها حكم قضائي بالفعل، ما يجعل مستوى الجدل أكثر حدةً من أي وقت مضى، مع توقع المزيد من هذه القضايا مستقبلاً.


رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

WhatsApp Channel WhatsApp Channel

ثورتنا على الموروث القديم

الإعلام التقليديّ محكومٌ بالعادات الرثّة والأعراف الاجتماعيّة القامعة للحريّات، لكنّ اطمئنّ/ ي، فنحن في رصيف22 نقف مع كلّ إنسانٍ حتى يتمتع بحقوقه كاملةً.

Website by WhiteBeard