لسنا أثداءً مأجورة... أربعة أسباب للغضب من حوار "الالتزامات" بين الشرع والعرف

الخميس 8 سبتمبر 202204:51 م

قبل أيام خرجت علينا المحامية المصرية نهاد أبو القمصان في حديث أثار جدلاً واسعاً حول حق الزوجة في تلقي أجر عن رضاعة أطفالها، وهي في الأصل غير ملزمة بهذا الدور، وإن فعلته فهو تفضلاً منها، وفي ردها على النقاشات التي أثيرت حول هذه التصريحات، قالت إنها تحدثُ الرجال بنفس منطقهم الذي يبيح لهم تعدد الزوجات كمثال، وهو استدعاء ما تعارف على كونه "الشرع".

أتت تصريحات أبو القمصان تعقيباً على جدل شغل رواد السوشال ميديا في مصر، حول جمع الرجال بين الشرع والعرف لفرض "التزامات" على النساء، انطلاقاً من كونهم يستدعون العرف في إلزام النساء بواجبات لا توجد نصوص شرعية تساندها، ثم يستدعون "الشرع" إذا ما تحدثت النساء عن حقوقهن المنطقية في إعادة توزيع الأعباء ورفض تعدد الزوجات والطلاق الشفهي وغيرها.

إلا أن التركيز كله كان على تصريحات أبو القمصان لا ما جاءت لتعلق عليه من جدل، فأثارت تصريحاتها ردود فعل مختلفة، بين الساخرة والرافضة، وهناك من اتهم أبو القمصان بـ"العمل على هدم الأسرة المصرية"، ولكن كان هناك تأييد كذلك، انطلق من عدة منطلقات: منها تأييد الاحتكام للشرع، ومن اعتبر أن هذه الأحكام التي أشارت إليها المحامية النسوية المعروفة "إنصاف للنساء"، فيما لجأ الرجال إلى استخدام ما يسخرون منه عادة، رفضاً لتطبيق الشرع في تلك الحالة التي تفرض حقوقاً للنساء، ليظهر خطاب: "لكن البيوت لا تبنى على الحقوق والواجبات الشرعية وإنما تبنى على المودة والرحمة".

لكنني كناشطة وكاتبة نسوية وزوجة وأم، واجهتني عدة أزمات في تلقي خطاب المحامية النسوية

أتت تصريحات أبو القمصان تعقيباً على جدل شغل رواد السوشال ميديا في مصر، حول جمع الرجال بين الشرع والعرف لفرض "التزامات" على النساء، انطلاقاً من كونهم يستدعون العرف في إلزام النساء بواجبات لا توجد نصوص شرعية تساندها، ثم يشهرون سيف "الشرع" إذا ما تحدثت النساء عن حقوقهن المنطقية

أولاً: دوماً يشعرني أي حديث عن العلاقة الزوجية بين الرجل والمرأة، إن كان ينطلق من أحكام الشريعة والقالب الديني، أنه يجرد النساء من كامل إنسانيتهن، فالحديث عن التعدد أو العنف الزوجي أو عدم وجود ما يمنع الاغتصاب الزوجي، وضع النساء تلقائياً في مكانة أقل درجة من الرجل، وللرجل – شرعاً- مسموح له أن يفعل ما يحلو له، لا كرامة لها ولا حقوق، وهو ما لم يغب أيضاً عن المناقشة حول ما يسمى "أجر الرضاعة" فرغم أن البعض رآه إنصافاً للنساء، واعترافاً بفضلهن في إرضاع أطفالهن؛ لكن الحقيقة أن الجدل الفقهي حول هذه الأحكام، كان بين رأيين، الأول هو أن المرأة تأخذ أجر الرضاعة لأنها "أجيرة" والثاني يرى أنها لا تستحق أجر الرضاعة، كون الأخيرة تقع في نطاق استمتاع الزوج بزوجته.

دوماً يشعرني أي حديث عن العلاقة الزوجية بين الرجل والمرأة، إن كان ينطلق من أحكام الشريعة والقالب الديني، أنه يجرد النساء من كامل إنسانيتهن

ثانياً: وضع الرأي بعدم إلزام الأم بإرضاع صغيرها، مقابل فتاوى بعض رجال الدين بعدم إلزام الزوج بالإنفاق على علاج زوجته، ورغم كم الاشمئزاز المصاحب لتلك الفتاوي؛ لكننا هنا نتكلم في موضوعين مختلفين تماماً، فالزوجان هما شخصان ناضجان كاملا الأهلية، اختارا أحدهما الآخر، يملكان خيار الاستمرار أو الانفصال، والقدرة على العمل والإنفاق على نفسيهما، وحتى في أسوأ الظروف سيظل أمامها الكثير من الخيارات، لكن في الجدل المثار حول "أجر الرضاعة"، لم أرَ طرفاً متضرراً سوى الطفل الذي لم يختر أصلاً المجيء للحياة، ولا يملك أي خيارات أخرى، فكيف تغافل البعض عن الضحية الحقيقية هنا وهي الطفل؟

ثالثاً: أرى أنه على التيار النسوي، الذي يخوض عدة معارك حقيقة ومهمة مؤخراً في مصر، ونجح في بعضها، وفجَّر البعض الآخر، ولا يزال يحارب على بضع جبهات، أن يرفض هذا الخطاب الباحث بيأس عن حقوق للمرأة من داخل الشريعة، مثلما نرفض انتزاع تلك الحقوق تحت شعار الشريعة.

نحن لا نريد أجراً على إرضاعنا أطفالنا، ولكننا نريد تعديل القوانين لتضمن لنا الولاية الكاملة عليهم في حالة الانفصال، ولا نريد خطابات حول تكريم المرأة في الأديان، وإنما نريد قوانين تضمن لنا حقوقنا المادية في حالة تخلينا عن العمل لإدارة شؤون المنزل والأسرة، فالتركيز على الأحكام الدينية لن يضعنا سوى في حلقة مفرغة لن نقدر على الخروج منها ولو بعد عشرات السنين، ولكن سعينا لسن قوانين مدنية تحمي النساء من جميع أشكال الظلم والعنف، هو ما سيجعلنا نخطو للأمام في سبيل تأسيس منظومة زواج إنسانية تحمي كرامة النساء وحقوقهن.

نحن لا نريد أجراً على إرضاعنا أطفالنا، ولكننا نريد تعديل القوانين لتضمن لنا الولاية الكاملة عليهم في حالة الانفصال، ولا نريد خطابات حول تكريم المرأة في الأديان، وإنما نريد قوانين تضمن لنا حقوقنا المادية في حالة تخلينا عن العمل لإدارة شؤون المنزل والأسرة

رابعاً: لا يمكنني إخفاء استيائي وغضبي من النقاشات البعيدة كل البعد عن الواقع الذي تعيشه النساء يومياً، فمشكلتي الأساسية مع هذا النقاش الذي ساهمت في تأجيجه أبو القمصان، أنه في الوقت الذي انشغل فيه البعض في تحديد أحقية الزوجة في تلقي أجر عن الرضاعة على مواقع التواصل الاجتماعي، من عدمه، فإن هناك 4.1 مليون أسرة مصرية تعيلها النساء، والأسر التي لا تعتمد عليهن مادياً، تعتمد – ي المقابل- عليهن في نواحٍ أخرى متعددة، فالنساء يومياً يبذلن جهداً ووقتاً لا يمكن أن يقدر بثمن، ولا ينتظرن مقابله شيئاً، لرعاية أسرهن وتربية أطفالهن، فهل من الأولى أن نبحث عن أجورهن عن الرضاعة أم عن الإجراءات التي يجب أن تتخذها الدولة لدعم هؤلاء النسوة اقتصادياً وقانونياً؟

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard