عودة الزمن الجميل... مقهى "باب البحر" في عنابة

الخميس 8 سبتمبر 202201:45 م

على الرغم من البناءات والمعالم الكثيرة المهددة بالانهيار في أي لحظة، ورغم المعطيات القوية التي ترشحها لتكون قطباً حضارياً وسياحياً، نظراً لما تمتلكه من تاريخ يمتد لأكثر من ألفي سنة، نهلت فيه من العديد من الحضارات والممالك القديمة، إلا أن السلطات المحلية والعليا لم تسطر استراتيجية واضحة للنهوض بها وإبراز ما لديها للعالم، وكأنها تراها من بعيد، وتنتظر اضمحلالها، لتصبح مع الوقت مجردَ ذكرى دفينة ترويها كتب التاريخ.

هذه هي المدينة القديمة المعروفة بتسمية "بلاص دارم" التي تقاوم عوامل الزمن لتبقى؛ الأمر الذي لم يعجب أبناءها، لهذا شمّروا عن سواعدهم، وأسسوا جمعيات ثقافية وتراثية وسياحية، انخرط فيها شباب ذوو توجهات علمية مختلفة، اجتمعوا كلهم تحت قبة حب "المدينة القديمة" وتراثها، وكل فرد منهم يقدم ما يقدر عليه من زاويته ومكانه، خاصة في الجانب التعريفي والبحث عن المعالم ومقارنتها بأحداث تاريخية معينة لتقوية أهميتها. ومن بين الأشياء الثمينة التي قامت بها تلك الجمعيات، هي البحث عن سبل لخدمة المدينة وتقوية موقفها التراثي، لتشجيع الفعل السياحي.

يضع مقهى "باب البحر" تشكيلات كثيرة أمام زواره، مثل الحلويات التقليدية: الغرايف، والسفنج، والبراج. أما المشروب الرئيسي الذي يتم تقديمه بطريقة وجلسة تقليديتين، فهو قهوة الززوة التي تُعدّ تراثاً منسياً خاصة في مدينة عنابة

وهو المُعطى المهم الذي حققه الكثير من الناشطين، من بينهم أنور قرني الذي ينشط في مجموعة "أضرب النح دار دارك"، ومعنى كلمة "النح" هو المطرق الحديدي الذي يوضع على الباب الخارجي للمنازل، حيث يتم الدق عليه لفتحها من قبل ساكنيها، وهو المعنى الذي سعت هذه المجموعة لتحقيقه. كما كان أنور من بين مؤسسي مكتب عنابة للمنظمة الجزائرية للتراث والسياحة والصناعات التقليدية، لهذا تشجع هو وصديقه، وفتحا مقهى تقليدياً في المدينة القديمة، تحت تسمية "باب البحر".

أبواب المدينة القديمة ومفاتيحها

تُعدّ المدينة القديمة من أعرق أحياء عنابة، فقد سكنها الأهالي منذ القدم، لهذا توجد فيها الكثير من معالمهم التاريخية المهمة، من بينها مسجد أبو مروان الشريف، الذي تم بناؤه سنة 1033م، واستمر في أداء مهمته الدينية والتعليمية إلى غاية احتلال المدينة من قبل الاستعمار الفرنسي سنة 1832، ثم تم تحويله إلى مستشفى، مع إضافة طابق علوي، وأيضاً مسجد صالح باي، الذي تم تشييده سنة 1792 في العهد العثماني. كما أن هناك معالم أخرى، خاصة برج المعدمين وأسوار المدينة، وغيرها من المنازل التاريخية التي تم ترميم بعضها انطلاقاً من مجهودات شخصية، أو مجهودات المجتمع المدني، مثل جمعية "المدينة للمحافظة على التراث العنابي" التي تم تأسيسها من طرف طلبة وأساتذة الهندسة المعمارية.


كانت المدينة القديمة مطمعاً للعديد من الممالك والحضارات القديمة، لهذا تمت إحاطتها بسور من جميع النواحي في العهد العثماني، وإن لم يبق سوى القليل من هذا السور، تتصل به خمسة أبواب، هي: باب السكان، باب المقابر، باب البحر، باب الرباط، وباب الحديد، وقد اختار أنور قرني تسمية مقهاه التقليدي مستلهماً اسم أحد هذه الأبواب، وهو "باب البحر".

جاء مقهى "باب البحر" ليعيد بعض الأشياء التي زالت بسبب العديد من العوامل، وليرسخ قيمة التراث كرافدٍ مهم لبناء الحاضر والمستقبل

وكان لنا تواصل مع أنور قرني صاحب هذه المقهى التقليدي، عن هدف تأسيس هذا الفضاء الثقافي والتراثي، وكيف جاءت الفكرة في ظل الوضع العام، فقال لرصيف22: "فكرة مقهى باب البحر راودتنا أنا وصديقي، من أجل اختراق مجال السياحة الداخلية، خاصة مع الجو العام، والصحوة، لتثمين الموروث المادي واللامادي". وأضاف أنور الذي يملك مرجعية قوية حول تراث مدينته بأن الهدف أيضاً هو: "خلق جو لطيف في المدينة القديمة، حيث سنذكّر العائلات العنابية بموروثها، من قهوة الززوة وقهوة العصر، وأيضاً تذكيرهم بالحلويات تقليدية التي يتم تقديمها وصناعتها من طرف مختصين في الحلويات التقليدية".

رحلة الماضي ونوستالجيا الزمن الجميل

تقول إيمان، وهي طالبة جامعية تودع الأيام الأخيرة من العطلة، بأنها قرأت عن افتتاح المقهى على مواقع التواصل الاجتماعي، لهذا قررت زيارته بدون تردد، خاصة وأن الفضاءات التقليدية تكاد تكون منعدمة في عنابة.

وتضيف قائلة بأنها وجدت ضالتها، خاصة في المكتبة الصغيرة المتواجدة في مقهى باب البحر، وعلى الرغم من أنها ذات كتب قليلة، غير أنها فكرة جيدة، وتمنت إيمان بأن يتم توسعتها مستقبلاً، لتشمل الروايات الجديدة التي تحب قراءتها، فقراءة جزء من الرواية ستكون سبباً كافياً للعودة إلى هذا المقهى. كما تأمل من المؤسسات الثقافية بعنابة أن تتبرع لهذه المكتبة بالكتب التي تهتم بالتراث، خاصة وأن السيّاح يبحثون دائماً تاريخ المدن التي يزورها.

"ذهبتُ لمقهى باب البحر وأنا أملك فكرة بأن الجزائريين لا يعرفون كيف يسيرون تراثهم، ولا يعرفون كيف يجلبون السيّاح، لكن عندما دخلته وجدت الوضع مختلفاً تماماً عما كان في ذهني"... شهادة من أحد رواد المقهى

أما عادل الذي جاء لعنابة لتمضية فصل الصيف، قادماً من فرنسا، فقال: "هذه الأماكن مهمة جداً لصناعة السياحة. وأقول بكل صراحة بأنني اتيت لهذا المقهى وأنا أملك فكرة بأن الجزائريين لا يعرفون كيف يسيرون تراثهم ولا يعرفون كيف يجلبون السياح إلى بلدهم، لكن عندما دخلته وجدت الوضع مختلفاً تماماً لما كان في ذهني؛ فوجدت فيه شباباً يؤمنون ويحبون مدينتهم، وأكثر من هذا يعرفون جيداً كيف يستقبلون الزبائن. لهذا سأوصي أصدقائي وأحبتي بضرورة زيارة هذا المقهى، من أجل الإحساس بعبق التاريخ، والوقوف على أشياء كثيرة نسيناها، خاصة الحلويات، مثل البراج الذي أحبه كثيراً، والغرايف الذي كنت اشتاق إلى تناوله، ووجدته في باب البحر".

مدينة تبحث على من يحيي تراثها

يضع مقهى باب البحر تشكيلات كثيرة أمام زواره من السكان المحليين أو السياح، مثل الحلويات التقليدية كالغرايف، والسفنج، والبراج، وأنواع أخرى مختلفة. أما المشروب الرئيسي الذي يتم تقديمه بطريقة وجلسة تقليديتين، فهو قهوة الززوة التي تُعد تراثاً منسياً خاصة في مدينة عنابة.

جاء هذا المقهى ليعيد بعض الأشياء التي زالت بسبب العديد من العوامل، ويهدف لترسيخ قيمة التراث كرافد مهم لبناء الحاضر والمستقبل، كما جاء هذا الفضاء ليكون رافداً لمطعم "دار الباي" الذي تم افتتاحه العامَ الماضي في نفس المنطقة، إذ يقدم أكلات تقليدية، مثل الشخشوخة والشربة والكسكسي وغيرها من المأكولات الجزائرية، فهو تكملة لنشاط هذا المقهى، خاصة وأن من يتناولون طعاماً تقليدياً يلزمهم دائماً شاي أو قهوة، لهذا جاء الفضاء لخلق هذا التكامل السياحي لسيّاح الذين يبحثون عن خيارات تقليدية ومدينة تبحث على من يحيي تراثها المنسي.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard