فيضانات السودان... حكايات قرى منسية ابتلعتها المياه

الأربعاء 24 أغسطس 202206:17 م

منازل خالية على عروشها، وشوارع غرقت في المياه واستحالت بركاً موحلةً، وعشرات الأسر تكدست في مدرسة معزولة لا يمكنك التمييز فيها بين أسرة وأخرى، فالجميع اتّشحوا بالسواد، وغرقوا في الألم والحزن.

قرية العمارة إحدى قرى ولاية الجزيرة في السودان، كانت واحةً خضراء قبل أيام قليلة، ثم أحالها الفيضان بركةً كبيرةً ينعى أهلها الموت وخراب الديار.

"أخلينا منازلنا قبل أكثر من أسبوع، خشية أن تنهار علينا بفعل الفيضان، ونتكدس حالياً مع عشرات الأسر داخل مدرسة القرية التي شاء القدر أن تكون على ربوة عالية نسبياً، فظلت نقطةً آمنةً من الفيضان"؛ هكذا بدأ خالد عبد الرحمن (63 سنةً)، من قرية العمارة، حديثه إلى رصيف22، واصفاً حجم الأضرار التي لحقت بقريتهم جراء السيول والفيضانات التي اجتاحت أنحاءً واسعةً في السودان، مخلّفةً أكثر من 80 قتيلاً، ومدمرةً عشرات الآلاف من المنازل، ومتسببةً في نزوح ما يزيد عن ألفين وخمسمئة مواطن عن مساكنهم في ولاية الجزيرة وحدها.

منذ أكثر من أسبوع، لم يقابل خالد زوجته وابنتيه، الملتجئات مع النسوة والأطفال وكبار السن إلى إحدى المدارس، إلا لماماً، فيما يجتهد بحسب ما يقتضي عمره، مع ابنيه (طه 23 سنةً، ويسن 16 سنةً)، وبقية رجال القرية وشبانها في صدّ المياه، محاولين إنقاذ ما يمكن إنقاذه.

وعبر جهاز هاتف نقال، على وشك الإغلاق، تحدث خالد عن صعوبات جمّة تحيط بهم، أقلها ضعف شبكة الاتصالات وانقطاع الكهرباء المستمر منذ أيام.

بدأت الكارثة خلال الأسبوع المنصرم، بهطول غزير للأمطار، تلاه اجتياح كميات مهولة من المياه للقرية من جهة الترعة الرئيسية التابعة لمشروع الجزيرة، أكبر مشروع ريّ انسيابي في القارة الإفريقية. وقد فشلت كل محاولات الأهالي لغلق مدخل الترعة، ما اضطرهم في نهاية المطاف إلى التعامل مع حقيقة أن الفيضان أكبر من قدراتهم، فعمدوا إلى إجلاء السكان من منازلهم المغمورة بالمياه كلياً إلى مناطق إيواء كبيرة (مساجد ومدارس)، تمت إحاطتها بالمتاريس (جِوالات معبّأة بالتراب)، للحيلولة دون التحاقها بمباني القرية المغمورة بالمياه.

منازل خالية على عروشها، وشوارع غرقت في المياه واستحالت بركاً موحلةً، وعشرات الأسر تكدست في مدرسة معزولة لا يمكنك التمييز فيها بين أسرة وأخرى، فالجميع اتّشحوا بالسواد، وغرقوا في الألم والحزن

يصف خالد عبد الرحمن المشهد، قائلاً: لم أشهد طوال عمري الذي جاوز ستة عقود، سيولاً بالقوة والحجم اللذين شهدتهما مؤخراً، بما في ذلك فيضان 1988 الذي يُعدّ مرجعيةً للفيضانات في البلاد، عازياً ذلك إلى بُعد القرية نسبياً عن مجرى النيل الأزرق.

وعن الآثار الاقتصادية المتوقعة، يقول خالد بصوت مخنوق: معظم الأسر فقدت منازلها بصورة شبه كاملة، فضلاً عن قطعان الماشية، ومحاصيلها الزراعية. وأنا شخصياً شهد منزلي الذي ورثته عن أبي رحمه الله انهياراً جزئياً، وفقدت محصول العام كله (78 جِوالاً من القمح، و43 جوالاً من الذرة). ثم يختتم حديثه سائلاً: من يعوّضنا عن الأرواح التي ارتقت إلى السماء من تحت الأنقاض، والنفوس الكسيرة المقرر لها أن تبدأ حياتها من تحت الركام؟

مع غرق الشوارع، استحالت على الأهالي الحركة، وهو ما دفعهم إلى استئجار مراكب محلية الصنع، للدخول إلى وسط القرية المغمورة بالمياه، في محاولة بائسة لإجلاء المحاصيل والأثاثات من بيوت القرية التي تعاني اليوم من نقص كبير في الغذاء، ولا يجد قاطنوها ما يكفيهم من مياه الشرب، وسط انتشار كبير لنقلة الأمراض (الذباب والبعوض)، وندرة في العقاقير والمستلزمات الطبية، وهو ما ينبئ بكارثة صحية وبيئية وشيكة في حال استمرار الوضع الراهن.

إهمال أم شبهات فساد؟

قرية العمارة لم تغرق وحدها، بل غرقت العشرات مثلها، والعمارة لا تعدو كونها نموذجاً لما يعاني منه السودان اليوم، حيث القرى ضربها الفيضان وأحال حياة سكانها إلى جحيم.

يحدث هذا وسط شكوى متكررة من المنكوبين من إهمال حكومي، وضعف تفاعل المنظمات المحلية والدولية.

المدهش أن تلك الشكاوى لا تتماشى مع الحديث المعلن عن كميات الدعم الخارجي التي وصلت إلى البلاد، إذ أعلنت الأمم المتحدة عن تقديم مساعدات تغطّي 40 ألف متأثر، بينما دشّنت السعودية وقطر جسوراً جويةً لتقديم آلاف الأطنان من المساعدات.

هناك خلاف على أسباب الكارثة، والبعض يرى أن الفيضان يعود إلى تمرير وزارة الري كميات كبيرةً من مياه النيل الأزرق في ترع المشروع. وهي التهمة التي تنكرها وزارة الري السودانية، التي تعزو الفيضان إلى الأمطار الغزيرة، والسيول المتحركة من المناطق المحيطة بالولاية

ويُرجع مرتضى سيد، من "مبادرة نفير" المؤسسة قبل سنوات عدة لمساعدة متضرري السيول، شكاوى المنكوبين من ضعف الدعم، إلى المشكلات الخاصة بآليات توزيع المساعدات.

ويقول لرصيف22، إن السلطات تعتمد تصنيفاً لإبعاد كافة المنظمات والمبادرات الطوعية التي ينشط شبابها في الحراك الاحتجاجي المناهض للحكم العسكري، وفي المقابل تعتمد على منظمات تنتمي في غالبيتها إلى نظام الرئيس المعزول عمر البشير، وهو أمر يضعها في دائرة الشك والاتهام، قياساً إلى تجارب سابقة انتهت بتحويل الكثير من هذه المساعدات الإنسانية، على يد هذه المنظمات وبعض المسؤولين، لصالح المنفعة الشخصية.

وأضاف: في فترات الكوارث السابقة، شهدنا تسرّب المساعدات، بما في ذلك المواد الغذائية، إلى الأسواق، بالرغم من كونها مختومةً بعبارة "توزَّع مجاناً"، وطالما تنشط المنظمات عينها في توزيع المساعدات، فليس من الحكمة أن ننتظر نتائج مختلفةً.

على الجانب الآخر، أشاد المفتش في مشروع الجزيرة، طه متوكل، بالمساعدات الكبيرة التي خصصتها الحكومة والدول الصديقة والشقيقة، حسب تعبيره، للمتضررين، مؤكداً أن الدعم وصل إلى مستحقّيه، إذ خُزّنت كميات كبيرة من المساعدات في مخازن حاضرة الولاية (مدني) في انتظار توزيعها على القرى المتأثرة بالفيضان.

يختتم الرجل حديثه معنا شارحاً: لا توجد شبهة فساد أو إهمال مطلقاً، وسبب تأخر وصول تلك المساعدات، هو انقطاع الطرق الرئيسة، ما صعّب مهمة الوصول إلى القرى المعزولة، لكنه يؤكد أن المساعدات تصل في النهاية.

وعلى الصعيد الرسمي، وفي زيارة رسمية التُقطت فيها الصور المعتادة، زار رئيس مجلس السيادة، عبد الفتاح البرهان، بعضاً من المناطق المتأثرة بالفيضانات في الولاية، وقدّم تعهداً واضحاً بتقديم العون للمنكوبين.

وعلى النهج نفسه، سيّرت قوات الدعم السريع، التابعة لنائب رئيس مجلس السيادة، محمد حمدان حميدتي، قافلة دعم للمناطق المتأثرة بالفيضان في ولاية الجزيرة.

لماذا حدثت الكارثة؟

تقنياً، هناك خلاف على أسباب الكارثة، والبعض يرى أن الفيضان يعود إلى تمرير وزارة الري كميات كبيرةً من مياه النيل الأزرق في ترع المشروع. وهي التهمة التي تنكرها وزارة الري السودانية، التي تعزو الفيضان إلى الأمطار الغزيرة، والسيول المتحركة من المناطق المحيطة بالولاية، في حين تعالت أصوات محمِّلةً الكارثة لسد النهضة الإثيوبي لأنه المتسبب في السيول والفيضانات، جراء حجزه كميات مهولةً من المياه، ما يزيد من حجم التبخّر، وتكوّن السحب الركامية الممطرة،

وهو الزعم الذي يسخر منه المهندس في وزارة الري، باسل عثمان، بقوله إن سد النهضة يقوم بعمل مغاير كلياً، إذ يحول بحجزه للمياه دون فيضان النيل الأزرق.

يشرح المهندس المتخصص، الموقف، لرصيف22، ويقول إن فيضانات السودان تعود إلى التغير المناخي الذي يضرب العالم، في الوقت نفسه الذي نعاني فيه من ضعف الاستعدادات، وليس إلى ما تردده الدولة.

بوادر عصيان

وفي رد فعل أولي غاضب، تحدث شاهد عيان في قرية العمارة قائلاً: الأهالي أجمعوا في كلمتهم، على اتخاذ مواقف حاسمة من السلطات، احتجاجاً على إهمالهم، عبر امتناع المزارعين عن دفع الجبايات والمكوس لصالح الخزينة العامة، وتحويلها بالكامل إلى تنظيف الترع وصيانتها، وتعلية السدود الترابية في مشروع الجزيرة الذي يخدم الدولة على حساب أهاليه.

يقول المزارع خالد عبد الرحمن: قبل فترة قليلة تراجعت الدولة عن شراء القمح من المزارعين بالسعر التركيزي الذي وعدت به (43 ألف جنيه)، ما اضطرنا إلى بيعه في السوق بـ28 ألفاً، مع تحملنا لكافة الخسائر، وها نحن اليوم نخسر بيوتنا، ومحاصيلنا، ومرةً أخرى تغيب الدولة وآلياتها عن غوثنا ومساعدتنا.

ويتساءل: لِم ندفع أموالاً للدولة ثم لا نرى أثرها على شكل رعاية وخدمات؟ أليس ذلك أمراً أدعى إلى أن نتوقف عن ذلك، أو نترك مهنة الزراعة إلى غير رجعة؟

وختم بالقول: هذا ليس رأيي وحدي، هو رأي كل مزارعي مشروع الجزيرة الذين ستكون لهم قولتهم بعد انتهاء هذه المأساة.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard