في معنى "الظرافة"... أن تعرف/ي في الشّعر والطب والباه

الخميس 22 سبتمبر 202205:31 م

لا نعلم بدقة من هو مؤلف كتاب "جوامع اللذة" الذي يُظن أن تاريخ تأليفه يعود للقرن الرابع هجري/العاشر ميلادي. هناك عديد من الطبعات الرسمية له، لكنها ناقصة، ويقال إن أبا الحسن علي بن نصر الكاتب هو مؤلف الكتاب، وفي نسخة حققها عبد الله عبد الرحي السوداني عام 2019 ، "نقرأ أن اسم علي بن عمر بن علي الكاتبي القزويني (المتوفى عام 675هـ) الذي ينسب إليه الكتاب، لا علاقة له بـ"جوامع اللذة"، ولا يدري المحقق نفسه من أين جاء به من طبعوا الكتاب، كونه غير موجود على المخطوطيْن الموجودين في العراق وفرنسا.

أياً يكن مؤلف كتاب الباه هذا، يجدر القول إنه من أوائل الكتب في هذا "النوع"، الذي استقلت عن الوصف الطبيّ والفلسفي البحت، وأصبح المؤلف، أي العارف في الباه، يبحث في نظرية الحب وفلسفات اللذة، يقتبس من الطب والشعر والفلسفة، موسعاً نطاق تأليفه ليشمل مختلف العلوم، وهنا وحسب مقدمة الكتاب نفسه، وفي آخر جملة، نقرأ أن سبب التأليف هو التالي: "نذكر من علوم الباه ما يحتاج إليه الظريف، ويقتضيه هذا التأليف".

لكن، من هو الظريف؟ ذاك الذي يحتاج ذخراً من معارف الباه وعلومه في القرن العاشر، ولا نتحدث عن المعارف الطبية الصرفة، ولا تلك القصصية البحتة، بل معرفة متنوعة المشارب، من سقراط إلى النبي محمد، ومن جالينوس إلى شعراء الجاهلية، من هذا الظريف/الظريفة الذي لابد من أن تـ/يعرف 31 اسماً للباه، تبدأ بالنيك وتنتهي بالكوم؟ وإن أردنا تبني سؤال جيريمي كورزنينيك ما الذي يجب على الظريف المطّلع على مختلف المعارف أن يمتلكه من علم الباه؟

من هو/هي الظريف/ة؟

البحث في المعجم لا يقدم صورة واضحة عن الظرافة، إذ نقرأ معانیْ كـ"البراعة، ذكاء القلب، حُسن الهيئة، الحذق بالشيء... الظريف: البليغ جيد الكلام، ذو بلاغة وقدرة على الحجة حتى إسقاط الحد عن نفسه". لكن نقرأ في مقدمة كتاب "الموشى: الظرف والظرفاء" تعريفاً للظريف، فحواه: "يجب على المتأدب اللبيب، والمتظرّف الأريب، المتخلّق بأخلاق الأدباء، المتحل‍ي بحيلة الظرفاء، أن يعرف قبل هجومه على ما لا يعلمه، وقبل تعاطيه ما لا يفهمه، تبيين الظّرف، وشرائع المروءة، وحدود الأدب، فإنه لا أدب لمن لا مروءة له، ولا مروءة لمن لا ظرف له، ولا ظرف لمن لا أدب له". يكشف تصفح الكتاب أن للظريف والظريفة معارف وأخلاقاً وصفات لا تجعلهم من العلماء ولا من "الجهال"، هم فئة يُسمع كلامها لما فيه من "حذق"، لكن لها أخطاءها، كما يشير الوشّاء حين حديثه عن نفسه مخاطباً القراط، طالباً الصفح عما قد يفوته، وتجاوز ما أهمله.

الظرفاء والظريفات فئة من الأشخاص العارفين بالشعر والدين والطب والباه، هم ليسوا علماء ولا جهال، بل فئة من الحذقين القادرين على النجاة من الحد ببلاغة لسانهم 

يشير کورزينيك في حاشية ورقة أعدها عن نظام المعرفة في جامع اللذة، أن مؤلفه من "الظرفاء"، ويضيف لاحقاً أن الكتاب نفسه موجه للظرفاء، وهذه الكلمة قد تشير إلى الـ lepidus الرومانية، أو الـHipster المعاصرة، فالظريف، رجلاً كان أم امرأة، لا بد له من معارف في الباه والآه، لا كعالِم ولا كماجن، بل كجزء من تأدّبه وآدابه القادرة على مقارعة العالم، وإحباط حدّ الفقيه، و غواية الحبيب وإشباعه، والأهم، الاعتناء بصحة الأبدان والأرواح، فهو يُشفي الشهوة إن اشتعلت في لحم المُشتهى/المشتهاة، و يطفئ الشوق إن استبد في قلب الحبيب/الحبيبة.

ما الذي يجب أن نعرفه كي نستظرف؟

نقرأ في جوامع اللذة العديد من المعلومات الطبيّة، اقتباسات من جالينوس ومن الرازي وغيرهم، لكن الملفت مثلاً، أن الرازي حين يتحدث عن الباه والنكاح، يؤكد ضرورة الاعتدال من أجل التنفّع بما يقدمه للبدن والروح، لكن في حالة الظريف، لا وجود للاعتدال، إذ لا يحوي جامع اللذة اقتباس الرازي المتحفظ، وما يمكن فهمه هنا، أن ممارسة الجنس كلها  فائدة، لا سلبيات لها، خصوصاً أن الرازي، خجول حيال الجنس (يتحدث الرازي بصورة تقنية عن الجنس في "رسالة في الباه"، ويحذر من الوضعية التي تمتطي فيها المرأة الرجل من فوق، ويمتدح الـMissionary بوصفها أنبل الوضعيات وأشدّها إشباعاً للذة! حسب كورزينيك)، في حين أن الظريف، لا يميل إلا لنصرة الباه، مثلاً، يعيد الظريف المجهول مؤلف جوامع اللذة تلخيص بعض الفوائد الطبية من "كُتب الطبّ"، قائلاً إن الباه يشفي من الميلانخوليا، وإنه باب نحو السعادة، ويزيل الحزن، ويهدئ الغضب، وغيرها من الفوائد التقليديّة، ولكن، هناك واحدة شديدة الإشكالية، فالباه يشفي المحبين من عشقهم، حتى لو كان مع شخص آخر، أو بصورة أدق "وإن فعله (العاشق) مع غير من يهواه".

الظريف/ة لعوب، ميال نحو التعدد والاكتشاف لا الالتزام، هو ليس طبيباً ولا مُعلماً ولا شافياً، بل متأدب يعرف الشعر كما يعرف في جزئيات الأبدان، وهذ ما نراه حين نقرأ في الكتاب تصوراً عن "أرحام المرأة الخمسة"، تلك التي على الظريف أن يعرف نتائج إخصابها، فالظريف يبذر منيه عارفاً لا أعمهَ، قادراً على إنجاب ذكر أو أنثى، أو حتى خنثى، تلك التي تولد حين يُصب المني في "رحم الصدر" المعلق فوق أرحام الكبد والطحال.

المعرفة التشريحيّة هذه، تظهر الظريف بوصفه ذا اطّلاعٍ على الطب الجنسي، عارفاً في الباه كـ"عِلم" لا مجرد متعة أو صيد، وهنا يمكن أن نفهم التخفف من الالتزام بحبيب واحد، فلا حدّ في الباه، بل علم ومعرفة لشفاء الذات والآخر من أوجاعها وشوقها، خصوصاً أن لا حياء به، بل أن الحياء واحد من علل النكاح إن اشتدّ وأفقد صاحبَه الرغبةَ أو أخافه منها.

الظريف لعوب، ميال نحو التعدد والاكتشاف لا الالتزام، هو ليس طبيباً ولا مُعلماً ولا شافياً، بل متأدب يعرف الشعر كما يعرف في جزئيات الأبدان، يعرف في أي رحم يبذر منيه، وتعرف في أي رحم تستقبل ماء حبيبها

هناك نوع من الانفتاح في نكاح الظرفاء والظريفات، إذ نقرأ في الفصل الأول وبعد تعداد أسماء النيك، معنى كلمة "الفهر" أي أن يجامع الرجل المرأة ثم أن يتحول إلى غيرها قبل الفراغ، ولا حاجة للمخيلة هنا لنعلم السياق الذي يمكن فيه لرجل أن ينتقل بين امرأة وأخرى قبل أن يفرغ من إحداهنّ، لكن القراءة المعاصرة لن تخلو من انتقادات لذكورية كتب الباه، وتحيزها للرجل.ولكن نلاحظ مثلاً في أسماء الذكر والفرج أن صفات الأير نقرأها على لسان بنت الحمارس، الشاعرة الوحيدة التي يُذكر اسمها في فصول الأسماء في ذات الوقت، هناك تفضيل للأير بوصفه أشد وأشهى من "الحرّ"، كون كس كلمةً فارسية (حسب الكتاب)، لكن هناك ميل للغلمان أكثر من النساء، وحين نصل إلى باب شهوة النساء، نكتشف فقر عالم الرجال وسذاجته، إذ نقرأ من التراث الهندي اقتباساً مفاده، أن المرأة خيرت بين الخُلد والنيك، فاختارت الأخير، كون الرجال ينالون منه اليسير الحقير كما الاصبع إذا تنال العسل.

ربما نحن أمام دانديّة من نوع ما، لكن الملفت أن الممارسة الجنسية ليست هويّة سياسيّة من وجهة نظر الظريف، كما أن "جوامع اللذة" ليس كتاباً للباه بالصورة التقليديّة، أي ليس كتاباً طبياً، ولا كتابا جنسياً بحتاً (علماً أنه يشير إلى ضرورة قراءة الكتب الجنسية دون أن يحدد ماهيتها)، ولا كتاب أخبار عن الباه؛ هو جامع يقتطف من العلوم والمعارف ما يضمن التأدبّ والأخلاق واللذة، لا يتزمت ولا ينفلت، ولا يستحي. والمثير للاهتمام هنا هو أن البراهين التي يسوقها الكتاب لا تقتصر على الطبّ والأحاديث النبوية، إذ نقرأ أقوال الحكماء والفلاسفة من الهند واليونان. بمعنى آخر، الظريف (ربما) يحرر الباه من سريّته، ويحتفي بمعارفه، ويفترض أنها ضرورية و جزء من الآداب والمعارف الشخصيّة.

فالظريف يقرض الشعر، يعرف في الطب وتشريح الأعضاء، ويستذكر أخبار العباد وأحوالهم، يقرأ كتب المتقدمين، وينتقد المعاصرين، ويقف بعين المراقب من كتب المتأخرين، هو ببساطة، القادر بلسانه على تذوق الشعر، والأدب ومياه الأبدان، فرادى أو مختلطة.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard