شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

غيّروا، لا تتأقلموا!
حكايتي مع المجني عليها (الحلقة الرابعة والأخيرة)

حكايتي مع المجني عليها (الحلقة الرابعة والأخيرة)

مدونة

الاثنين 22 أغسطس 202212:18 م

ضحك النجم الحصيف بشدة، وقبل أن أعبر عن استغرابي من ضحكه المتجاهل لمأزقنا، قال مطَمْئِناً إننا لن ننتظر طويلاً، وأن غيرنا سيتكفل بمهمة تطفيش الصاعدة أسرع مما نتخيل، وصارحني بأن زوجة المنتج اتصلت به بعد تداعيات سهرة حمام السباحة، ودون أن تبدي قلقها الشخصي الذي يمكن أن يؤخذ عليها بوصفها واثقة في نفسها وزوجها، سألته عما إذا كان يعتقد أن تلك الصاعدة تعد أنسب اختيار فني للفيلم خاصة وهي لا تزال بعيدة عن إجادة اللهجة المصرية، فضلاً عمّا بدا من تواضع حضورها وإمكانياتها التمثيلية.

ضحك النجم الحصيف بشدة، وقبل أن أعبر عن استغرابي من ضحكه المتجاهل لمأزقنا، قال مطَمْئِناً إننا لن ننتظر طويلاً، وأن غيرنا سيتكفل بمهمة تطفيش الصاعدة أسرع مما نتخيل.

وبالطبع كان أذكى من أن يوافقها في رأيها لكيلا تذهب وتقول لزوجها إنه أعرب لها عن قلقه من الصاعدة، فقال لها إنه مختلف معها في الرأي وأنه أعجب بحضور الصاعدة واجتهادها ورغبتها في التطوير، لكنه كان يتمنى ألا نلجأ إلى الاستعانة بها لو كان متاحاً لنا أن تلعب الزوجة الدور بنفسها، لكن سوء حظنا الذي جعلها تقرر الاعتزال، هو الذي سيدفعنا إلى القبول بالمتاح والرضا بأحسن الوحشين، وهو ما تقبلته زوجة المنتج بروح طيبة، ثم حرصت على أن تؤكد أن ما قالته لم يكن رأياً قاطعاً في الصاعدة التي تتمنى لها الخير، وستفعل كل ما بوسعها لدعمها ومساعدتها حتى تظهر هي والفيلم في أحسن حال، فرد البطل قائلاً إن ذلك ليس محل شك، وأنه يشكرها من كل قلبه على دعمها للفيلم الذي إذا كان قد حُرِم من وجودها كبطلة، فلا ينبغي أن يُحرم من كونها ناصحة وصاحبة رأي.

ولأن "أول الرقص حنجلة"، رأى النجم أن مكالمة زوجة المنتج لم تكن مهتمة بالحديث عن الصاعدة من قريب ولا من بعيد، بل كانت مجرد جسّ نبض لموقفه من إمكانية أن تتراجع زوجة المنتج عن الاعتزال وتعود للتمثيل عبر بطولة فيلمنا، ومع أنه بدا لي واثقاً أكثر من اللازم في صحة ظنه، إلا أنني تجنبت دعوته المازحة للرهان على أن هذا ما سيحدث، مستبعداً بداخلي تحقق ما ظنه، لأن رغبة زوجة المنتج في استمرار الاعتزال كانت قد بدت لي أقوى من رغبة الصاعدة في الاعتذار عن الدور إذا لم يوافق مواصفاتها القياسية.

كانت طراطيش المعلومات التي وصلت إلى بطل فيلمي عن الصاعدة كافية لكي أذهب إلى المنتج وأخبره أنني مستعد لفعل أي شيء من أجل الإطاحة بها من الفيلم، قبل أن تطيح هي به وبنا

حين لمس النجم تشككي في دقة ظنه، أضاف أنه سمع في اليومين الماضيين كلاماً عن الصاعدة، أبعد مما قاله المنتج الذي تجنب نقل الرواية الأخرى التي يرويها خصم الصاعدة وخصيمها في المحاكم، والذي أزعجته أخبار ترشيح شريكته الفنية والعاطفية للفيلم، وبدأ يستعد لتصعيد نزاعه القضائي ليتخطى الصاعدة إلى شركة الإنتاج الغنائي التي قامت بتوقيع عقد معها، وإلى كل من يتعاون معها، وهو ما لا يستبعد أن تكون زوجة المنتج "الأروبة" قد سمعته، فقررت أن تتدخل، ليس فقط لإبعاد مطربة لاسعة ومثيرة للمشاكل عن حياة زوجها وأطفالها، ولكن لاستعادة شغفها بالتمثيل بعد أن بدت لها حياة الاعتزال أبوخ مما تصورت، ولأننا كنا قد وصلنا إلى منزلي، قررنا أن نأخذ لفة إضافية في شوارع القاهرة، لكي أستمع إلى ما وصل إلى البطل من سيرة الصاعدة التي حملت بعد أعوام لقب "المجني عليها".

كانت طراطيش المعلومات التي وصلت إلى بطل فيلمي عن الصاعدة كافية لكي أذهب إلى المنتج وأخبره أنني مستعد لفعل أي شيء من أجل الإطاحة بها من الفيلم، قبل أن تطيح هي به وبنا، لكن نجم فيلمي أقسم لي أنني لن أكون مضطراً لاتخاذ ذلك الموقف لأن طبيعة شخصيتها المندفعة والمغامرة ستتغلب حتماً على محاولاتها الظهور بمظهر العاقلة الراغبة في الاختيار المتأني وصنع تاريخ سينمائي طويل، وأن تعودها على اللعب مع من يمتلك المال أو يمتلك القرار في مشاريعها الفنية سيجعل زوجة المنتج كفيلة بالتصدي لها، وإذا لم نتمكن من العثور على بطلة أنسب وأفضل للدور، ستضطر زوجة المنتج لأدائه، وسننقذ الفيلم من الصاعدة في منتهى الهدوء.

لكن ما الذي جعل زوجها الثاني يصمت طيلة الفترة التي بدأت أخبار عملها في الفيلم تنتشر في بعض الصحف والمجلات؟

بعد عدة سنوات تأكّدت بعض طراطيش المعلومات التي سمعتها في تلك الليلة، ونُفي بعضها الآخر، واتضح في كل الأحوال أننا إزاء شخصية تراجيدية لم تفارقها الدراما الحادة منذ أن فارقت أمها بيت أبيها وابتعدت عنها، ولذلك ستجد روايتين مختلفتين لكل ما يخصها، فبينما كانت تنفي بقوة أن تكون قد تزوجت وكيل أعمالها متهمة إياه بخداعها واستغلال تورطها العاطفي معه، سيقدم هو للمحكمة أوراقاً تؤكد روايته ويحصل بموجبها على حكم يؤكد زواجها منه، وحين تطالب بإبطال الحكم لأنها لا تزال على ذمة زوجها الأول الذي هجرته لسنوات طويلة، سيحكم القضاء بوقوع طلاقها من زوجها الأول وصحة ارتباطها بالزوج الثاني الذي سيواصل التصعيد القضائي والإعلامي، ليتهمها بأنها سرقت من خزينة منزل الزوجية ربع مليون دولار قبل أن تهرب مسافرة إلى مصر.

لكن ما الذي جعل زوجها الثاني يصمت طيلة الفترة التي بدأت أخبار عملها في الفيلم تنتشر في بعض الصحف والمجلات؟ ببساطة لأنه كان أحوط وأغوَط من أن يعلن الحرب عليها لوحدها، فهو يحتاج إلى أن يحارب معها شركة الإنتاج السينمائي التي ستتعاقد معها وشركة التوزيع التي ستشتري الفيلم فضلاً عن الشركة التي تنتج أغانيها، خاصة أنه كان يمتلك عقد احتكار فني يتيح له حق المطالبة بأكثر من عشرة ملايين دولارات، ومع أنها تعرف ذلك كله إلا أنها تعودت عبر السنين على أن تقوم بترحيل أزماتها، بإشراك الآخرين معها، ليصبحوا مطالبين بحلها بدلاً منها، خاصة بعد أن تأكدت عبر السنين من قوة قدرتها على إسالة ريالة الرجال المبتلين بالطفاسة واشتهاء المزيد مهما كان الثمن.

حين بدا للجميع استحالة أن تنجو الصاعدة من تبعات الأزمات التي ورّطت نفسها فيها عبر السنين، وبدأ الحديث عن قرب إنهاء تعاقدها مع شركة الإنتاج الغنائية، اتفق الجميع على الإطاحة بها من الفيلم

لم يمضِ وقت طويل حتى تحقق كل ما تصوره بطلي الحصيف، وقبل أن يحدث ذلك، امتنعتُ عن الرد على تليفونات الصاعدة، واعتذرتُ عن حضور لقاءين معها، مرة "لدواعي السفر"، ومرة "لدواعي المرض"، وقبل أن يحل موعد اللقاء الثالث، كانت زوجة المنتج قد أعلنت لنا عن رغبتها في لعب دور صغير ومميز في الفيلم، قائلة إنه سيروي عطشها إلى التمثيل دون أن يبعدها عن تربية العيال لفترة طويلة، وبعد أن أعلن الجميع ترحيبهم بهذه الخطوة، زادت وتيرة الحديث عن أخبار القضايا والنزاعات التي تورطت فيها الصاعدة، فزادت بالتبعية وتيرة سؤال الجميع لزوجة المنتج عما إذا كان يمكن لها أن تضحي لإنقاذ الفيلم وتلعب دور البطولة لكيلا نضيع المزيد من الوقت، لتقول بتصميم إنها لا يمكن أن تفعل ذلك فتساهم في القضاء على أحلام فنانة صاعدة، وأنها ستفعله فقط من أجل إنقاذ فيلمنا، فقط حين تعتذر "الزميلة" الصاعدة رسمياً عن الفيلم.

حين عرفتُ في صيف 2008 بخبر العثور عليها مذبوحة من الوريد إلى الوريد، كنت أقيم في فندق غريب الأطوار بقرية في شمال ويلز.

حين بدا للجميع استحالة أن تنجو الصاعدة من تبعات الأزمات التي ورّطت نفسها فيها عبر السنين، وبدأ الحديث عن قرب إنهاء تعاقدها مع شركة الإنتاج الغنائية، اتفق الجميع على الإطاحة بها من الفيلم وحدث ما توقعه البطل بعيد النظر، ولم تكن الصاعدة مستعدة لمقاومة ذلك ولو حتى في الصحف ووسائل الإعلام بعد أن حصل زوجها الثاني بعد فترة قصيرة على حكم بوقفها عن الغناء وطلبها في بيت الطاعة، وحين استأنفت الحكم لم يكن يخطر على بالها أنها ستدافع عن نفسها بعد فترة قصيرة ضد اتهامه لها بمحاولة قتله، ويبدو أنها بعد أن أدركت استحالة الصمود أمام ألاعيبه المفزعة والمتوالية، قررت الاستعانة بأقوى رجال الأعمال الذين اقتربوا منها في تلك الفترة، والذي كان يمتلك المال اللازم لدفع كل ما صدر بحقها من غرامات وشروط جزائية، ويمتلك أيضاً النفوذ اللازم لإجبار زوجها الثاني على لمّ الليلة قبل أن تنقلب على رأسه.

لكن روحها القلقة لم تتأقلم طويلاً مع ذلك "التايكون" الذي هام بها ولم تَهِم به، بل رأته مجرد زكيبة فلوس وحائط نفوذ، فهربت منه بعد فترة، ووقعت في هوى ملاكم من دورها وسنها، ولم يكن يخطر على بالها أن التايكون الغاضب لن يكتفي بعرض أكثر من خمسين مليون دولار عليها لكي تتزوجه، وأنه سينفذ وعيده لها بالقتل الذي اختار ضابط أمن دولة متقاعد لتنفيذه مقابل مليون دولار، ولأن القاتل الأجير ومؤجّره ينتميان إلى بلد يمتلك مشاكل عميقة في التشطيب وانعدام الكفاءة، فقد ارتكبا كماً مهولاً من الأخطاء المخجلة للقتلة المحترفين، ليسهل القبض عليهما وإدانتهما، وإن كانا بعد ذلك قد وجدا طريقهما إلى الحرية مدفوعة الثمن.

حين عرفتُ في صيف 2008 بخبر العثور عليها مذبوحة من الوريد إلى الوريد، كنت أقيم في فندق غريب الأطوار بقرية في شمال ويلز، لم يكن مالكه مقتنعاً بضرورة وجود الإنترنت، لذلك كنت أذهب كل ثلاثة أيام إلى مدينة قريبة، لأتصفح الإنترنت وأرد على رسائلي وأرسل مقالاتي إلى الصحيفة التي كنت أكتب فيها، ويومها اضطررت لتأجير غرفة في فندق بتلك المدينة لكي أستوعب التفاصيل المتلاحقة عن الجريمة التي حققت لتلك الصاعدة المسكينة الشهرة التي تمنتها، ولكن بعد فوات الأوان.

أتذكر دعوات أمها المسكينة لها بأن يكفيها الله شر المستخبّي وأولاد الحرام، وأتذكرها وهي تقول لي قبل أن ينتهي لقاءنا في منزلها، بتوتر ظننت أنه مرتبط فقط بمشروع بطولتها الذي لم يكتمل: "أرجوك ما تصدقش كل اللي هتسمعه عني"

منذ أن ملأت أخبار مصرعها البشع الدنيا وشغلت الناس، رآها البعض مجنياً عليها دفعت ثمن زنا رأس المال بالسلطة وإنجابهما لنفوذ جامح لا يتقبل الرفض ولا يفكر في العواقب، ورآها البعض مساهمة في الجناية غرّها جمالها وخانها ذكاؤها فلم تفرق بين من يسهل التلاعب بهم، ورأيتها عاشقة سيئة الحظ حين وجدَتْ الحب بعد طول انتظار، ظنّت أنه يمكن أن ينجيها وينقذها كما يقول الشعراء في الأغاني التي تحبها وتؤديها، وحين قمتُ بكتابة مسلسل (أهل كايرو) عدت ثانية للتأمل في تفاصيل مشوارها القصير المرير لأستعين به في رسم شخصية البطلة صافي سليم، وبرغم اختلاف ملامح وتفاصيل الاثنتين، إلا أنني رثيتُ لحالهما الذي تكرر مع فتيات كثيرات، جنى عليهن الفقر والتفكك الأسري وذبحهن انعدام الحب من الوريد إلى الوريد دون أن يبكي عليهن أحد.

بعد كل هذه السنين، غامت بعض التفاصيل من تجربتي القصيرة معها، لكنني لا أزال كلما جاءت سيرتها، أتذكر دعوات أمها المسكينة لها بأن يكفيها الله شر المستخبّي وأولاد الحرام، وأتذكرها وهي تقول لي قبل أن ينتهي لقاءنا في منزلها، بتوتر ظننت أنه مرتبط فقط بمشروع بطولتها الذي لم يكتمل: "أرجوك ما تصدقش كل اللي هتسمعه عني".

يرحمها ويرحمنا الله.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

Website by WhiteBeard