شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

غيّروا، لا تتأقلموا!
العلويون في سوريا "قلقون"... هكذا تحاول إيران التمدد في "ساحلهم"

العلويون في سوريا "قلقون"... هكذا تحاول إيران التمدد في "ساحلهم"

سياسة

الجمعة 19 أغسطس 202203:30 م

لا توفر الميليشيات المدعومة من إيران فرصةً إلا وتستغلّها لتغيّر الهوية المذهبية لبعض الأماكن الدينية في جميع المحافظات السورية، من خلال السيطرة على المزارات والمباني الدينية وبناء الحسينيات التي تُمارَس فيها الطقوس الدينية الشيعية.

وبدأت تلك الميليشيات باتّباع الأسلوب ذاته في مدينة اللاذقية ذات الأغلبية العلوية، إذ زار وفد ديني إيراني ترأسه رجل دين عُرف باسم الحاج رضا المنطقة، وأجرى جولةً على عدد من القرى والبلدات في الساحل السوري وريف حماه الغربي، حاملاً معه مبادرةً لترميم دور العبادة والمزارات والأضرحة العلوية، في مناطق نهر البارد وعين الكروم وحير المسيل وقرى محيط مدينة مصياف في ريف حماه الغربي، ومناطق بيت ياشوط في جبلة في ريف اللاذقية.

لم تكن هذه المرة الأولى التي تتوجه فيها شخصيات دينية إيرانية إلى زيارة المناطق ذات الأغلبية العلوية، إذ سبق أن زار رجال دين وسياسيون إيرانيون تلك البلدات وتحديداً التي تنتشر فيها مراقد ومزارات دينية، على مدار السنوات السابقة، وقدّموا عروضاً مغريةً لوجهاء المناطق، الذين قاموا بدورهم برفضها، خشية تمدد إيران وفرض نفوذها السياسي وهيمنتها على القرار في أوساطهم وفرض طقوس مذهبية على المجتمع العلوي، حسب ما أخبرت إحدى الشخصيات الدينية في مدينة اللاذقية.

يقول رجل الدين لرصيف22، مشترطاً عدم الكشف عن هويته، وهو من أبناء الطائفة العلوية الذين حضروا الاجتماع مع الوفد الإيراني، إن "الوفد الذي زار المنطقة مؤخراً برئاسة الحاج رضا، قدّم عروضاً مغريةً تتعلق بالمساعدات الإنسانية والمالية لذوي الإعاقات والمرضى في تلك المناطق، إلى جانب عمليات الترميم، وذلك في أثناء ثلاثة لقاءات عُقدت مع قرابة ثماني شخصيات اجتماعية ودينية من الطائفة العلوية، إلا أننا رفضنا المبادرة بالإجماع، لأننا على دراية بأن هذه الامتيازات ليست إلا مدخلاً لفرض أجندات على أبناء طائفتنا، وهو ما لا يمكن قبوله أبداً".

اختلاف الثقافتين

تستعين إيران بضباط وشخصيات نافذة في الأفرع الأمنية التابعة للنظام والموالية لها، لفرض أجندتها المذهبية على أبناء المناطق العلوية والتمدد هناك، ويقول رجل الدين الوجيه، إن "إيران تحاول التقرب من العلويين من خلال المشاركة في مناسباتهم الدينية ومناسبات العزاء والأفراح. ويرغب النظام في تمدد إيران في اللاذقية وطرطوس، لما في ذلك من خدمة لمصالح الطرفين، لكننا كرجال دين وشخصيات نافذة في أوساط الطائفة، نرى في ذلك الانتشار خطراً يهدد ثقافتنا ومذهبنا الذي تصفه إيران بأنه مخالف للتشيّع".

يرغب النظام في تمدد إيران في اللاذقية وطرطوس، لما في ذلك من خدمة لمصالح الطرفين، لكننا كرجال دين وشخصيات نافذة في أوساط الطائفة، نرى في ذلك الانتشار خطراً يهدد ثقافتنا ومذهبنا الذي تصفه إيران بأنه مخالف للتشيّع

ويتابع: "عدم مواجهتنا للنظام الذي يتمسك بوجود إيران في سوريا لمساندته في بقائه في السلطة، لا تعني أننا سنبقى صامتين في حال تدخّل إيران في شؤوننا الاجتماعية والدينية، فثقافتنا العلوية لا تشبه أبداً الثقافة الشيعية وتحديداً الإيرانية، وعلى إيران أن تعرف أن العلويين في سوريا لن يسمحوا لها بفرض نفوذها المذهبي عليهم، ومن أجل ذلك بدأنا بعقد لقاءات متتالية مع القوات الروسية في قاعدة حميميم في ريف اللاذقية، لإثارة موضوع التمدد الإيراني في مناطق الساحل السوري واعتراضنا عليه".

تحويل المساجد

يروي أحد المدنيين في مدينة اللاذقية، والذي فضّل عدم ذكر اسمه بسبب المخاطر الأمنية، لرصيف22: "عندما دخلت إلى أحد المساجد البعيدة نوعاً ما عن منطقة سكني لأداء صلاة الجمعة، شعرت باختلاف الجامع عن الجوامع التي أقصدها عادةً، ولاحظت أن الخطيب يضع عمامةً مختلفةً عن تلك التي يضعها خطباء المساجد العلوية المألوفة لدي، وسمعت ألفاظاً لم أعتد على سماعها، مثل "أشهد أن علياً ولي الله، وأن علياً أمير المؤمنين وحجة الله". بقيت في مكاني، وبدأت بالاستعداد للصلاة من دون أن يخطر ببالي أنّي في جامع شيعي، إلى أن بدأت الصلاة، ووجدت أنّي الوحيد الذي أضع يدي اليمنى على اليسرى، فيما أسبل الجميع أذرعهم".

زار وفد ديني إيراني ترأسه رجل دين عُرف باسم الحاج رضا الساحل السوري وريف حماه الغربي، حاملاً معه مبادرةً لترميم دور العبادة والمزارات والأضرحة العلوية

ويضيف وهو يشرح التحوّل الذي لاحظه مع الوقت: "شهد عدد من مساجد الطائفة العلوية في مدينة اللاذقية عمليات تغيير تمت إمّا بشكل كامل، بحيث يتحول المسجد بأكمله إلى مسجد شيعي، أو بشكل جزئي، فتتم المحافظة على هوية المسجد مع دخول الطقوس الشيعية إليه. والتغيير الكامل شمل جامع الرسول الأعظم في حي شريتح داخل المدينة، وجامع الإمام جعفر الصادق في حي الرمل الشمالي، وجامع الخلفاء الراشدين في أوتوستراد الثورة. أما التغيير الجزئي فطرأ على جامع أٔسامة بن زيد، المعروف محلياً بالغراف الكائن في حي الرمل الجنوبي، والثانوية الشرعية وسط حي الصليبة".

تغيير الهوية

يُرجع علي الكامل، وهو أحد أئمة المساجد العلوية السابقين في ريف حماه، تغيير هوية الأماكن الدينية الموجودة بدلاً من إنشاء أماكن عبادة جديدة إلى أنه "عندما يتم الاستيلاء على مسجد اعتاد المصلّون على القدوم إليه ويسمع الأخيرون فيه خطاباً شيعياً يختلف عن الخطاب السابق، يسهّل هذا الأمر جذب المزيد من الناس إلى المذهب الشيعي، وتالياً حاولوا الإبقاء على الأئمة أنفسهم وأرسلوهم لدراسة المذهب الشيعي في مدينة قم الإيرانية، ليتم بعدها تسليمهم رئاسة المراكز الشيعية، كما أن عدم وجود الشيعة قديماً هنا، يدفع الإيرانيين إلى هذه الطريقة، فمع مرور الوقت، يمكنهم سرقة تاريخ المنطقة وادّعاء الوجود القديم فيها بدليل المساجد المبدّلة".

ويقول في حديثه إلى رصيف22: "الأبنية الدينية التي باتت تتبع المذهب الشيعي غير مرخَّص لها رسمياً من الأوقاف على أنها شيعية، كما أنّ الحصول على ترخيص لبناء مسجد يستدعي تقديم طلب لمديرية الأوقاف، ولا يمكن بناء أي معلم ديني جديد من دون وجود وقف تابع له لتأمين النفقات، مما يصعّب الحصول على تراخيص لإقامة أماكن دينية تتبع المذهب الشيعي، وهنا تكون عملية التحويل أسهل. كما أن توسيع تواجدهم يأتي في ظل السعي مستقبلاً إلى استلام مديرية الأوقاف من خلال عدّهم أكثريةً، وتكمن الخطورة هنا في أنّ هذه المراكز الدينية تحوّلت إلى مراكز سياسية تقدّم خدمات اجتماعيةً".

مصاعب تعزيز التواجد

بدأت إيران منذ مطلع عام 2019، بالتوجه إلى مناطق الساحل السوري، وذلك بعد أن تمكنت من تثبيت وجودها في شرق سوريا، وسيطرت حسب صحيفة "التايمز البريطانية" على مساحة كبيرة من ميناء اللاذقية، مقارنةً بروسيا التي سيطرت قبلها بعامين على ميناء طرطوس عبر اتفاق مع حكومة النظام السوري، محاولةً تعزيز نفوذها عبر الخط الاقتصادي والتجاري، والإعلان عن عدد من المشاريع التجارية والشراكات مع رجال أعمال سوريين يعملون لصالح إيران في مناطق الساحل السوري.

عدم مواجهتنا للنظام الذي يتمسك بوجود إيران في سوريا لمساندته في بقائه في السلطة، لا تعني أننا سنبقى صامتين في حال تدخّل إيران في شؤوننا الاجتماعية والدينية، فثقافتنا العلوية لا تشبه أبداً الثقافة الشيعية وتحديداً الإيرانية

لكن لم يمضِ وقت طويل ليتلاشى حلم إيران بالتمدد، وتتبدد المشاريع التي أعلنت عنها هناك، إذ إن كثافة القصف الإسرائيلي لمواقع تواجد الإيرانيين في سوريا، جعل من ميناء اللاذقية هدفاً عسكرياً، إذ جرى قصفه مرتين في كانون الأول/ ديسمبر عام 2021، الأمر الذي رآه العلويون موقفاً يعرّضهم ومدنهم لمخاطر القصف، وهي مخاوف تتقاطع مع طموح روسيا بالتوسع والسيطرة على ميناء اللاذقية.

ويرى العلويون أن الوجود الروسي في سوريا وفي اللاذقية بشكل خاص، يقتصر على المصالح الاقتصادية والسياسية والعسكرية، بينما تواجد الإيرانيين هو لنشر الثقافة الشيعية الإيرانية والتمدد إلى حد السيطرة على مناطق الساحل السوري، ليكون موطئ قدم لهم على البحر المتوسط.

وفي هذا السياق، يعتقد الباحث في الشأن الإيراني ضياء قدور، أن إيران تواجه صعوبات في اختراق الطائفة العلوية، ويقول لرصيف22، إن "إيران غير قادرة على الانتشار في مناطق الأغلبية العلوية بسهولة، كما فعلت في المناطق الأخرى ذات الأغلبية السنية، لأن الطائفة العلوية علمانية ولا تأخذ الجانب الديني قبلةً لها في حياتها اليومية كما الطائفة السنية، لكن في المقابل حاجة النظام السوري إلى إيران تدفعه إلى تقديم التسهيلات من أجل التمدد بين أبناء الطائفة العلوية، وكون مشروع ولاية الفقيه طويل الأمد، فهناك احتمال للتأثير على أبناء تلك المناطق كما تم التأثير على غيرهم في المناطق الأخرى".

ويرى مدير الشبكة السورية لحقوق الإنسان فضل عبد الغني، أن "ما تقوم به إيران هو انتهاك لحق الطائفة العلوية بخلفية دينية، إذ تستغل إيران المراقد والمراكز الدينية الخاصة بالعلويين للتمدد بين أفراد المجتمع، وهذا سبب رفض الطائفة العلوية لهم، لأن ذلك يمنعهم من ممارسة عبادتهم بحرية"، وهو "يؤمن" بأن "معظم حالات التشيّع شكلية من خلال الصلاة وطريقة وضع الحجاب، والهدف منها الحصول على بعض المكاسب، بينما الناس باقون على مذهبهم الأصلي".

Website by WhiteBeard