"أمي وأبي في مكان أفضل منا"... ماذا ينتظر آلاف الأيتام في شمال غرب سوريا؟

الأربعاء 10 أغسطس 202202:35 م

فقد يامن (13 عاماً)، والديه أوائل العام 2018، إثر الحملة العسكرية التي شنتها قوات النظام السوري على مناطق واسعة في الغوطة الشرقية في دمشق، ما دعا خاله إلى إيوائه وتربيته في منزله، بعدما اصطحبه معه إلى الشمال السوري، إبّان تهجيره قبل أربع سنوات.

يقول يامن لرصيف22: "لا أذكر من ذلك اليوم سوى أنني في المشفى، كنت أنادي أمي وأبي لكن خالي كان يقول لي إنهما سبقانا إلى الشمال السوري ونحن سنلحق بهما قريباً. وبعد أن حطّت رحالنا في الشمال، سألته مجدداً عنهما، فأجابني بأنهما في الجنة، سبقانا إلى هناك".

يعيش يامن ضمن أسرة خاله في عفرين شمال غرب سوريا، ويدرس في الصف السابع، كما يساعد خاله في دكانه الصغير بعد انتهاء دوامه المدرسي، لكنه ما زال يفتقد والديه، إذ يضع صورة والده كخلفية على جواله، ويُكثر من سؤال خاله عن حياة والديه. يقول: "كل يوم أستمع إلى قصص خالي عن أمي وأبي، وكيف كانا يعيشان، وماذا يحبّان ويكرهان. أحياناً أحزن حزناً شديداً وأبكي، لأنني من دون أبٍّ وأمٍ عكس أصدقائي، لكنني أقول كما يقول خالي، لقد ذهبا إلى الجنة فهي أفضل من هذا العالم".

من أين تأتي الطاقة؟

كشفت مؤسسة "الأيتام التركية" غير الحكومية أيار/ مايو 2021، عن "وجود 1.2 مليون طفل يتيم شمال غرب سوريا، في حاجة ماسّة إلى دعمٍ

لم تكن الطفلة سماح الخولاني (5 سنوات)، أفضل حالاً من يامن، إذ تعيش في كنف جديها بعد مقتل والدها في العام 2020 على إحدى جبهات القتال ضد قوات النظام في ريف إدلب. يقول جدّها أبو سعد (64 عاماً)، والذي يعيش في ريف إدلب، لرصيف22: "تربية الطفل بشكل عام صعبةٌ جدّاً، فكيف لمن هم في مثل سنّي وسنّ زوجتي؟ لم يعد لدينا ذلك الصبر والطاقة القديمة لتربية الأولاد، خاصةً بعد زواج والدة سماح".

يتحمل الجد مصاريف علاج الطفلة وكسوتها وتعليمها في حضانة للأطفال، و"هذا أمر يسعدني وأقلّ ما يمكن فعله وفاءً لذكرى ابني، فكلما نظرت إليها أتذكر ابني، إنها تشبهه جداً".

تعاني سماح منذ ولادتها من مرض الربو، وهي مسجّلة في جمعية كفالة الأيتام، إلا أن الكفالة لا تكفي ثمن أدوية لها فضلاً عن المأكل والملبس، إذ تُقدّر كفالتها بـ800 ليرة تركية، أي ما يعادل 50 دولاراً، حتى تاريخ إعداد التقرير.

أزمة معيشية

يُعرَّف اليتيم في القانون السوري، بناءً على أحكام الدستور في باب التعاريف والأحكام العامة، بأنه من توفي والده وكان دون سن البلوغ، ويلحق به من توفي والده، وكان قاصراً، محجوراً عليه لجنون أو عته أو سفه أو غفلة أو حكم جنائي، مفقوداً كان أو غائباً.

وازداد عدد الأيتام في سوريا عموماً، وشمال غرب سوريا خصوصاً، إثر حالة النزاع القائمة بين الأطراف السورية، إذ خلّف الصراع المستمر أيتاماً دون معيل وسند، يعانون ظروفاً اقتصاديةً مأساويةً، فمنهم من وجد نفسه مشرّداً بين الشوارع أو بين الخيام، أو في سوق العمل بعيداً عن المدارس، وقلةٌ من حالفهم الحظّ بظروف أفضل.

كل يوم أستمع إلى قصص خالي عن أمي وأبي، وكيف كانا يعيشان، وماذا يحبّان ويكرهان. أحياناً أحزن حزناً شديداً وأبكي، لكنني أقول كما يقول خالي، لقد ذهبا إلى الجنة فهي أفضل من هذا العالم

وتغيب إحصائية دقيقة حول أعداد الأيتام، نتيجة تعدّد أطراف النزاع وعدم استقرار الأوضاع الأمنية، إذ كشفت مؤسسة "الأيتام التركية" غير الحكومية أيار/ مايو 2021، عن "وجود 1.2 مليون طفل يتيم شمال غرب سوريا، في حاجة ماسّة إلى دعمٍ يؤمّن لهم أبسط مقومات الحياة من دراسة ومسكن"، فيما أظهرت إحصائية "فريق منسقي الاستجابة" شمال سوريا، أن أكثر من 198 ألف يتيمٍ سوريٍّ أعمارهم تقلّ عن 18 عاماً، لا يحصلون على أيّة رعاية خاصة أو دعمٍ في مجال التعليم والإغاثة والعلاج، في الوقت الذي تزيد فيه احتياجات الطفل اليتيم عن الطفل العادي وخاصةً الغذائية والاجتماعية والتربوية.

من جهتها، نقلت صحيفة "الوطن" المقربة من حكومة النظام عن مصادر في جمعيتي "دار الأيتام ودار العجزة" في حلب، منتصف تموز/ يوليو الماضي، أن وزارة التجارة الداخلية رفعت الدعم الخاص بالخبز عن جميع الجمعيات الخيرية، ودور الأيتام في مناطق النظام، وفرضت عليهم شراء ربطة الخبز بـ1،250 ل.س، أي ما يعادل 3.28 دولاراً، بدلاً من السعر المدعوم 200 ليرة.

دعم متذبذب

يقول عبد الله صلاحي، مدير مكتب الأيتام في "مؤسسة وفاق الإنسانية" شمال غرب سوريا، والتي تهتم بتنظيم كفالات لقرابة 1،000 يتيم شمال غرب سوريا فقط: "نقدّم كفالةً تُقدَّر بـ50 دولاراً شهرياً، ويمكن أن تستمر سنةً أو سنتين، إلى ما بعد بلوغ الطفل السن القانونية، وهو (16 عاماً للإناث و15 للذكور)، بعد النظر إلى وضع اليتيم التعليمي إذا كان من طلاب العلم أو كان يعاني حالةً صحيةً تستلزم استمرار الكفالة، كما نقدّم مساعدات وخدمات أخرى لليتيم، ككسوة العيد، ونشاطات تربوية هادفة وضرورية فقط، والتي من شأنها الارتقاء بالطفل".

لكن الكفالة المالية لليتيم، "لا تكفي احتياجات الطفل اليتيم شهرياً مقارنةً بالوضع المعيشي شمال غرب سوريا، إلا أنهم يعتمدون على مساهمات بقية المنظمات في دعم اليتيم بكسوة أو سلة غذائية أو غير ذلك"، بحسب صلاحي.

وزارة التجارة الداخلية رفعت الدعم الخاص بالخبز عن جميع الجمعيات الخيرية، ودور الأيتام في مناطق النظام، وفرضت عليهم شراء ربطة الخبز بـ1،250 ل.س، أي ما يعادل 3.28 دولاراً

ومع بقاء كثير من الأيتام دون نسب، ومكتومي القيد، خاصةً في مناطق شمال غرب سوريا، كونهم غير مسجلين في دوائر السجل المدني التابع للنظام بسبب الملاحقات الأمنية لذويهم، أو بسبب فقدان الأوراق الثبوتية المطلوبة لهم، يلفت الصلاحي، إلى "قيام عددٍ من الأسر بتزوير أوراق اليتيم الثبوتية من بيان عائلي أو شهادة وفاة أو غيرها بهدف الحصول على الكفالة، وهي مشكلة تواجه حقوق الأطفال بشكل عام، وعمل الجمعية بشكل خاص، إلا أن هذه المشكلة باتت تعالَج بالتحري الدقيق، بالإضافة إلى المشكلة الأبرز وهي عدم استمرار ديمومة الكفالات، لأنها تعتمد على تبرعات أفراد، أكثر من الاعتماد على تبرعات جهات أو منظمات".

من جهته، يقول محمد الراوي، مدير "جمعية شام للأيتام"، التي تملك 16 داراً لإيواء الأيتام مع أمهاتهم ما بين سوريا وتركيا، إن "ضعف الدعم المالي وعدم الاستقرار في الداخل السوري هما ما يشكل عائقاً أمام تلبية احتياجات عشرات آلاف الأيتام، فـ15% من الدعم سوريّ، و35% تركيّ والبقية من جهاتٍ عربية"، لافتاً إلى أن "شروط الكفالات تتنوع، فهناك جهات تقدّم كفالاتها حتى يبلغ عمر اليتيم 12 أو 16 سنةً، ومنها حتى يبلغ 5 سنوات، ومن الجهات من تدعم بكفالة دراسية جامعية".

دور الرعاية والإيواء

تسجّل "جمعية شام"، 76 ألفاً و165 يتيماً ما بين تركيا وسوريا، داخل دور الإيواء وخارجها، في حين أن الأيتام داخل دور الإيواء لا تنقطع عنهم الكفالة في المأكل والمشرب والملبس والدراسة، إلا أن هناك ظروفاً اضطراريةً متعلقةً بالدعم أجبرت الجمعية على إغلاق ثلاث دور وتسريح موظفيها، وفق تأكيدات الراوي.

إلى جانب المسكن، توفّر الجمعية برامج تعليم وتأهيل وتمكين للأيتام وأمهاتهم، إذ يشير الراوي إلى أنهم "يهتمون داخل دور الأيتام وخارجها بالتعليم ومتابعة دروس الأطفال، بالإضافة إلى محو الأمية للأمهات وتقديم برامج توعوية وتثقيفية وتربوية وأنشطة وفعاليات ترفيهية، فضلاً عن إنشاء 18 مركزاً لمحو الأمية وللتأهيل المدرسي شمال غرب سوريا، بهدف جعل الأيتام نخبةً في المجتمع ونقلهم من ساحة الاحتياج إلى فضاء الإنتاج".

قد تكون بلاءً

إلى جانب ضعف الدعم، تتعمق مأساة الأطفال الأيتام السوريين أكثر، خاصةً مع ازدياد أعدادهم، ما يجعلهم تحت نيران الظروف المعيشية الصعبة، وضحايا آفات اجتماعية كثيرة، من اضطرار قسمٍ كبيرٍ منهم إلى ترك تعليمهم والتوجه نحو سوق العمل المضني، إلى المهن الشاقّة في المعامل والمنشآت والبيع على الطرقات لإعالة أسرهم مقابل أجر زهيد، وصولاً إلى الاستغلال الجنسي والابتزاز ومحاربة لقمة عيشهم مع أمهاتهم.

ويؤكد الراوي الذي يعمل في ملف الأيتام منذ 28 عاماً، أنه شخصياً ضد فكرة دور الإيواء، لكن في العام 2015، واجه حالات مؤلمةً لابتزازٍ ممنهجٍ، واستغلالٍ كبيرٍ لأمهات الأيتام وأولادهن جنسياً، فانطلقت فكرة إنشاء أول دارٍ لإيواء الأمهات وأولادهن، "عندما لوحظ أن المجتمع غير مؤهل للتعامل مع الأرامل والأيتام وخاصةً الفئة المحتاجة".

تربية الطفل بشكل عام صعبةٌ جدّاً، فكيف لمن هم في مثل سنّي وسنّ زوجتي؟ لم يعد لدينا ذلك الصبر والطاقة القديمة لتربية الأولاد، خاصةً بعد زواج والدة سماح. لكنّي أفعل أقلّ ما يمكن فعله وفاءً لذكرى ابني

من جهته، يرى فيصل حمود، مدير برامج منظمة بيت الطفل في سوريا وتركيا، في حديثه إلى رصيف22، أن "كل مراجع العلم الحديثة للحماية على مستوى العالم، أكدت أن أفضل مكانٍ للطفل هو وجوده ضمن الأسرة، لأن ذلك يحقّق المصلحة الفضلى له، وهي البيئة الأنسب لرعايته وتنشئته بطريقة صحيحة، واكتسابه العادات والثقافات والأخلاقيات الصحيحة من الأسرة".

كما يرى حمود، أن "وجود اليتيم ضمن الميتم يساهم في فصل الطفل أكثر عن أسرته وأقاربه، ويساهم في تفكك المجتمع، ويدعو لاستغلال الطفل اقتصاديًاً وجنسيّاً وهذا أخطر ما يحلّ به، لأنه حسب دراسات حديثة، نسبة كبيرة من أطفال دور الإيواء يتعرضون للاستغلال الجنسي من قبل العاملين في الدور أو الأطفال الآخرين، وهذا يمنع الطفل من الاندماج مع المجتمع في ما بعد، لأنه استُغلّ من جهة، ولم يتشرب ثقافة المجتمع وأخلاقياته من جهة أخرى، فضلاً عن الرؤية المنتشرة مجتمعيّاً بتعييره الدائم بوصمة العار التي لحقت به كونه يتيماً ونشأ في دار أيتام، بالإضافة إلى ذلك فإن الكثير من دور الأيتام تُخرج اليتيم في عمر 14 سنةً، وهو غير قادر على الاعتماد على نفسه فيصبح عرضةً للتشرد".

بين النبذ والاحتضان

في الوقت الذي تتعمد فيه فئةٌ من الأسر والأقارب إبقاء الأطفال الأيتام المنتمين إليها في دور الإيواء، ورفضها العيش معهم، لأسباب متعددة، اجتماعية أو دينية أو معيشية، أو لزواج الأم ورفض الزوج الجديد أن يعيش أطفالها معها، يؤكد حمود أنه -حسب وجهة نظر الحماية- لا مبرّر لبقاء الطفل اليتيم داخل الميتم طالما هناك أسرة، وفي حال رفضت الأسرة الأصلية، لا بدّ من البحث عن الأسرة الممتدة (الأقارب) أو الأسرة البديلة، ويكون البحث عن الأسرة البديلة الأنسب بالتوافق مع برامج معيّنة وأخذ عمر الطفل وثقافته وجنسه في عين الاعتبار، كذلك ظروف الأسرة في حال قبولها احتضان طفل يتيم.

وفق القانون السوري، فإن إقامة الأيتام محصورة بدور الرعاية فقط، لأن القانون لا يجيز لأيِّ عائلةٍ أن تُلحِق أحدهم بها عبر الكفالة، إلا إذا كانت من ذويه

ووفق القانون السوري، فإن إقامة الأيتام محصورة بدور الرعاية فقط، لأن القانون لا يجيز لأيِّ عائلةٍ أن تُلحِق أحدهم بها عبر الكفالة، إلا إذا كانت من ذويه، لأن الطفل معروف النسب لا يوجد قانون يسمح بإلحاقه بأسرة بديلة، وهناك الكثير من الأطفال فاقدون للرعاية الأسرية، وهم من "غير المصحوبين"، أي لا يوجد من يرعاهم من ذويهم، وهؤلاء لا يمكن معاملتهم معاملة مجهولي النسب، إنما يمكن كفالتهم بمبالغ مالية وهم داخل دور الرعاية، وفي مثل هذه الحالات تقوم الجهات المختصة بعملية تعقب أسري بحثاً عن كفيل لمثل هؤلاء الأطفال من أقاربهم حصراً، وهذا يندرج تحت مسمى "الوصاية الشرعية"، وليس الكفالة.

وفق حمود، فإن "هناك طرقاً وقواعد قانونيةً وشرعيةً لاحتضان الأطفال عبر جهة إفتاء مُحكّمة، ومحكمةٍ ووثائق وتعهدات برعاية الطفل، وإعادته إلى أهله عند العثور عليهم"، مضيفاً أنه تمّ لمّ شمل 12 طفلاً حديثي الولادة ومجهولي النسب مع عائلات بطرق قانونيةٍ وشرعيةٍ سليمةٍ، وهؤلاء ينعمون برعاية جيدة.

في السياق نفسه، ينوّه الراوي، مدير جمعية شام للأيتام، إلى أنه بالرغم من وصول 700 طلب من أسرٍ كثيرة إلى الجمعية تطلب تبني أطفالٍ أيتام، ورفضِ الجمعية التدخل في هذا الأمر، إلا أنه ثبت لنا تمسك السوريين بأطفالهم حتى لو كانوا من الأقارب البعيدين، بل أحياناً من الجيران.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard