مجتمع مدني يقوده العنف

الثلاثاء 9 أغسطس 202202:11 م

اعتزام الحكومات المؤقتة المتعاقبة تشكيل مجتمع مدني تقوده الدولة وإنهاء ما يقارب العقد من استقلال المنظمات غير الربحية، أطلق أول حملة ممنهجة ضد المجتمع المدني الليبي، وأعنفها.

في الثالث من آب/ أغسطس 2022، تم تأجيل، جلسة محاكمة أربعة من المتهمين في قضية الحملة التي شنها جهاز الأمن الداخلي على المجتمع المدني، للمرة الثالثة. وورد في تصريح لمنظمة محلية ترصد القضية، التالي: "حصَرت القائمة أكثر من 40 باحثاً ومدافعاً عن حقوق الإنسان وناشطاً، بعضهم اعتُقل داخل المطارات وآخرون في أثناء نوبات عملهم، أمّا البقية، فبين هارب أو مختفٍ عن الفضاء العام". يواجه المتهمون مجموعةً من التهم من بينها المادتان 206 و207؛ يوضح قانون العقوبات الليبي في المادة 206، أنه "يعاقَب بالإعدام كل من دعا إلى تشكيل منظمة أو جماعة محظورة قانوناً، أو من دعمها أو تحصل على دعم نقدي منها أو منافع... ويتساوى في العقوبة الرئيس والمرؤوس مهما دنت درجته في التجمع أو التنظيم".

لإضفاء طابع التنفيذ على قرار إعادة تشكيل المجتمع المدني، استخدم المجلس الرئاسي جهاز الأمن الداخلي الذي يُعدّ من إحدى الجماعات المسلحة المشرعنة والمرتبطة به مباشرة؛ يخضع الجهاز لرئيس حكومة الوحدة الوطنية، ويرأسه لطفي الحراري، نائب رئيس ميليشيا قوة الأمن المركزي، أبو سليم سابقاً. منذ بداية الحملة، لم تتوقف التجاوزات القانونية للأمن الداخلي، ويقول حسين بيومي، الباحث في شؤون ليبيا في منظمة العفو الدولية، حول نشر الجهاز للاعترافات المصورة للمتهمين: "إن نشر جهاز الأمن الداخلي الاعترافات المصورة يُعدّ انتهاكاً صارخاً لحقوق المحاكمة العادلة بما في ذلك الحق في عدم تجريم الذات. إنَّ هذه الخطوة غير القانونية والمتهورة قد حرّضت على الكراهية ضد مجموعة من الليبيين الذين يتجرأون على التعبير عن آرائهم بشكل سلمي".

بسبب كشف المنظمات الحقوقية المحلية عن الجانب المظلم من سياسة الحوكمة الأمنية الهجينة، وبدل قيام السلطات المؤقتة بالتركيز على إصلاح القطاع الأمني وخاصةً برامج نزع السلاح والتسريح وإعادة الدمج، اعتُمدت اللائحة رقم 286 الهادفة إلى تقييد المجتمع المدني، وإيقاف "تدفق معلومات انتهاكات حقوق الإنسان" من الأسفل عن طريق المنظمات المحلية ومن الأعلى عن طريق المنظمات الدولية.

بسبب كشف المنظمات الحقوقية المحلية عن الجانب المظلم من سياسة الحوكمة الأمنية الهجينة، وبدل قيام السلطات المؤقتة بالتركيز على إصلاح القطاع الأمني وخاصةً برامج نزع السلاح والتسريح وإعادة الدمج، اعتُمدت اللائحة رقم 286 الهادفة إلى تقييد المجتمع المدني

أمن هجين... دولة هجينة

بعد تفكيك الأجهزة الأمنية الرسمية وغير الرسمية لحظة سقوط القذافي، ولمحدودية القدرة الاستيعابية لما تبقى منها، وجدت الحكومة المؤقتة نفسها أمام معضلة حوكمة القطاع الأمني. طبقاً ليزيد صايغ، وهو باحث رئيسي في مركز كارنيغي للشرق الأوسط، فقد عمدت السلطات الليبية الانتقالية إلى توفير الدعم المالي للجماعات المسلحة واستخدام برامج بسيطة للدمج وإضفاء الطابع المؤسساتي عليها عن طريق هياكل جديدة يمكن من خلالها توفير الأمن. ما زاد الوضع سوءاً، هي القوة التي أصبحت عليها الكتائب الثورية مقارنةً بالهياكل الأمنية الرسمية. يقول عماد بادي، وهو زميل أول في المجلس الأطلسي: أصبحت الكتائب الثورية الرئيسية (من مصراتة والزنتان)، تتحصل على دعم من دول أجنبية وأصبحت أيضاً تشتري السلاح وتسلبه من مستودعات النظام السابق ما جعلها تمتلك موارد ومعدات أفضل بكثير من القوات الرسمية، ما أعاق أي عملية إدماج. لم يدُم الأمر طويلاً حتى بدأت سياسات السلطات الانتقالية بين القطاع الأمني والمجتمع المدني بالتعارض في ما بينها.

في الوقت نفسه، انتهج المجلس الانتقالي نحو المجتمع المدني سياسةً معاكسةً لسياسة السلطة السابقة، وباختصار: مجتمع مدني مستقل ومناسب لدولة ما بعد الاستبدادية. قام المجلس بتعطيل القانون رقم 19، ما أدى إلى إسقاط القيود التي سيطرت على المجتمع المدني؛ بسبب ذلك، يقول الباحث في علم الاجتماع المنصف ونّاس وآخرون: ازدادت أعداد المنظمات الاجتماعية بطريقة لم تشهدها البلاد، ليصبح تسجيل الجمعيات تلقائياً من المكتب التنفيذي، ما تسبب في تضاعف الجمعيات ليصل من 39 في إحصائية 2007 إلى 550 في عام 2011. وبينما اتّسمت الفترة الانتقالية الأولى بالإغاثة والتطوع، فإن المراحل اللاحقة ستشهد للمرة الأولى صعود المنظمات الحقوقية.

أصبح من الصعب غض الطرف عن الجانب السلبي لسياسة الحكومات المؤقتة في شرعنة الجماعات المسلحة جماعياً عن طريق الحوكمة الأمنية الهجينة. فمع غياب المساءلة وانتشار ثقافة الإفلات من العقاب، واستمالة الدول الأجنبية والحكومات الانتقالية، واصلت الجماعات المسلحة الرسمية وغير الرسمية ممارسة انتهاكات حقوق الإنسان من إخفاء قسري واحتجاز تعسفي للآلاف من دون محاكمة، ومن تعريض للمهاجرين واللاجئين للاحتجاز والتعذيب والعمل القسري. استجابةً لذلك، بدأت المنظمات الحقوقية برصد وتوثيق الانتهاكات عن طريق زيارة أماكن الاحتجاز، والتواصل المباشر مع الضحايا والشهود. أيضا، بدأت ما يُعرف بممارسات "التسمية والتشهير" بالانتشار، وهي أحد أشكال التشهير العام، وتحدث على المستويين، المحلي والدولي، وتُستخدم في كثير من الأحيان للتنديد بانتهاكات حقوق الإنسان.

انتهج المجلس الانتقالي نحو المجتمع المدني سياسةً معاكسةً لسياسة السلطة السابقة، وباختصار: مجتمع مدني مستقل ومناسب لدولة ما بعد الاستبدادية. قام المجلس بتعطيل القانون رقم 19، ما أدى إلى إسقاط القيود التي سيطرت على المجتمع المدني

في هذه المرحلة، استطاعت المنظمات المحلية تشكيل شبكة حقوقية مع المنظمات الدولية في مواجهة انتهاكات حقوق الإنسان. "تدفق المعلومات" المنبثق من المنظمات المحلية نتيجة رصد الانتهاكات، أضحى قناة التواصل بين الأسفل والأعلى المتمثل في المنظمات الدولية. وبدورها، بدأت تقارير المنظمات الدولية مثل هيومن رايتس ووتش والعفو الدولية بتسمية الانتهاكات الناجمة من القوات الرسمية والتشهير بها، مثل خفر السواحل الليبي، وتلك المشرعنة مثل الأمن الداخلي وقوة دعم الاستقرار. يبيّن أستاذ العلوم السياسية جيمس ميرنيك، أن التسمية والتشهير يؤثران على المستوى الدولي بشكل إيجابي في سجل الحكومات في مجال حقوق الإنسان إذا كان هناك وجود لمنظمات المجتمع المدني، بالإضافة إلى استمرار "تدفق المعلومات" من الأسفل حول عدم امتثال الحكومات للمنظمات الدولية.

بسبب الضغوط الدولية والمحلية، وجدت الحكومات المؤقتة نفسها أمام مفترق طرق لمصادقة ليبيا على مجموعة من المعاهدات الدولية لحقوق الإنسان، بما في ذلك العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية ICCPR، واتفاقية مناهضة التعذيب CAT. توضح الدكتورة إيميلي هافنر، مؤلفة كتاب Making Human Rights a Reality، أن انتهاكات حقوق الإنسان تصبح أكثر تكلفةً عندما يكون التصديق على المعاهدات مصحوباً برصد وتعبئة من المجتمع المدني، فالأخير يكشف عن الفجوة بين أحكام المعاهدة وأداء الحكومة. ويقول أستاذ العلوم السياسية ماثيو كرين، إذا كان بإمكان المجتمع المدني المحلي مراقبة سلوك الحكومة وتشكيل شبكات مع المنظمات الدولية، فإن الحكومات تواجه تكاليف تتعلق بالسمعة وربما التجارة والمساعدات والاستثمار إذا ارتكبت انتهاكات لحقوق الإنسان.

مجتمع مدني أوتوقراطي

في آذار/ مارس 2019، وبحركة ستعيد تشكيل المجتمع المدني، قام المجلس الرئاسي وحكومة الوفاق الوطني باعتماد اللائحة رقم 286، لعمل مفوضية المجتمع المدني. يُعدّ استناد اللائحة إلى القانون رقم 19 لعام 2001 المعتمد من قبل نظام القذافي، مؤشراً واضحاً على عودة فكرة "مجتمع مدني بقيادة أوتوقراطية". بالإضافة إلى ذلك، فرضت مفوضية المجتمع المدني نموذج تعهد لتسجيل المنظمات وتجديدها، إذ ينص على "عدم التعامل مع المنظمات الدولية الحكومية وغير الحكومية"، إلا بعد أخذ موافقة المفوضية، كمحاولة إضافية من الحكومة في تقييد "تدفق المعلومات" من الأسفل إلى الأعلى. طبقاً لأستاذة العلاقات الدولية كريستين باك، تُقيّد الحكومات تدفق المعلومات حول أدائها السيئ الخاص بانتهاكات حقوق الإنسان كرد فعل على ضغط منظمات المجتمع المدني عليها للامتثال للمعاهدات الحقوقية المصادق عليها. وتضيف: تُفرض الكثير من القيود على المجتمع المدني في حال كانت الدولة مصادقةً على معاهدة العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية ICCPR ومعاهدة مناهضة التعذيب CAT.

بالرغم من نجاح المجتمع المدني بعد استقلاله عن المؤسسات الرسمية، جاء قرار إعادة تشكيله لغرض إخفاء فشل سياسة الحكومات المؤقتة تجاه حوكمة القطاع الأمني. هذا التغير الكبير في السياسات، كان نتيجة كشف المنظمات الحقوقية المحلية والدولية عن انتهاكات حقوق الإنسان الناجمة من شرعنة الجماعات المسلحة

في المحصلة، لم تجد بعض المنظمات الحقوقية خياراً للبقاء إلا عن طريق العودة إلى الأساليب القديمة. في مقابلة حصرية مع السيد حسن كدنو، منسق تحالف ائتلاف المنصة، وهو تحالف لمجموعة من منظمات حقوقية ليبية، وحول رد المنظمات على اللائحة، يقول: رفضت المنظمات الحقوقية المحلية مبدأ اللائحة لمخالفته للإعلان الدستوري المؤقت في المواد 14 و15 و17، ومخالفته لالتزامات الدولة نحو اتفاقية العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية المادة 22. وحول محاولات المنظمات في المقاومة، يرد كدنو: قامت مجموعة من المنظمات بطعن إداري ضد اللائحة؛ بالإضافة إلى ذلك، قمنا بمبادرة تقديم مشروع قانون، صاغه خبراء ليبيون وبمراجعة دولية، يواكب الحقوق المدنية والسياسية والإعلان الدستوري، إذ تمت إحالته إلى الهيئة التشريعية للبرلمان، إلا أن الأخير يماطل في مناقشته حتى الآن. ومن أساليب الاستمرار يقول كدنو: إن المنظمات الحقوقية بدأت تتخذ الأساليب نفسها التي كانت إبّان حكم القذافي، وهو التسجيل في دول أجنبية لها قيود أقل، أو عن طريق التسجيل عند مفوضية المجتمع المدني في بنغازي التي لا تخضع للمجلس الرئاسي، لعدم اعترافها باللائحة المنبثقة منه، خاصةً إن كانت المنظمة ناشئة.

في 18 تموز/ يوليو 2022، ونتيجةً للطعن الذي قدمته منظمة عدالة للجميع مع مجموعة من المنظمات الحقوقية المحلية، أصدرت دائرة القضاء المستعجل في بنغازي حكماً مؤقتاً بتعليق اللائحة رقم 286، وينتج عن هذا الحكم عفو قضائي للجمعيات بالالتزام حالياً بتنفيذها.
بالرغم من نجاح المجتمع المدني بعد استقلاله عن المؤسسات الرسمية، جاء قرار إعادة تشكيله لغرض إخفاء فشل سياسة الحكومات المؤقتة تجاه حوكمة القطاع الأمني. هذا التغير الكبير في السياسات، كان نتيجة كشف المنظمات الحقوقية المحلية والدولية عن انتهاكات حقوق الإنسان الناجمة من شرعنة الجماعات المسلحة، وأصبح من المتوقع أن تقييد المجتمع المدني بقوانين القذافي الاستبدادية سيعود سلباً على عملية الانتقال الديمقراطي، خاصةً على العملية الانتخابية القادمة ومرحلة بناء السلام وإنهاء النزاع.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard