هجرة مسيحيي مناطق النظام السوري إلى ازدياد... أين هي "أسطورة حامي الأقليات"؟

الجمعة 5 أغسطس 202205:18 م

"أنهيت دراستي الجامعية في حلب، في عام 2017، وكان عليّ أن أختار بين الالتحاق بالخدمة الإلزامية وبين مغادرة البلاد، فقررت المغادرة إذ لم يعد هناك ما يدعو إلى البقاء، وكذلك صرت ملاحَقاً بسبب تخلّفي عن الالتحاق بالجيش. كما أن الاحتقان السياسي في البلاد آخذ بالتصاعد، لهذا السبب باتت الهجرة أفضل الحلول المتوفّرة".

بهذا يختصر إدوارد حنا (27 عاماً)، لرصيف22، الأسباب التي دفعته إلى الهجرة من سوريا، قبل 5 سنوات. وإدوارد واحد من آلاف الشباب المسيحيين الذين غادروا سوريا، إذ قرر كثيرون منهم، كغيرهم من السوريين، المغادرة إلى بلاد أخرى، بعد اندلاع الثورة في آذار/ مارس من عام 2011، ولأسباب متعددة منها الخوف من قيام النظام السوري باعتقالهم، أو الزج بهم على جبهاته، إلى جانب تردّي الوضع الاقتصادي في البلاد وتصاعد الخطاب التحريضي والخوف من الآخر.

مع الوقت، أصبحت مناطق وجود المسيحيين في سوريا شبه فارغة، بعد أن أيقن عشرات الآلاف من الشبان المسيحيين، أنه يتوجب عليهم المغادرة لإنقاذ مستقبلهم وتحقيق آمالهم التي لن يكونوا قادرين على تحقيقها في بلدهم، مع استمرار المعارك في جميع المناطق.

يروي إدوارد: "قبل الهجرة، كنت أسكن مع أسرتي في منطقة محطة بغداد في مدينة حلب، ولم أكن أفكّر في الهجرة، لأني لم أكن أواجه أيّ ضغوط أو مخاطر، لكنّني بدأت أشعر بالإحباط بعد تخرّجي من الجامعة، خاصةً أن سوق العمل أصبحت في أسوأ أحوالها والوضع الاقتصادي سيئ، فذهبت إلى لبنان، قبل أن أسافر إلى تركيا ومنها إلى هولندا".

موجات هجرة متجددة

شهدت الأسابيع الأخيرة في كلٍّ من مدينة محردة وبلدات السقيلبية وكفربهم وأيو وغيرها في ريف حماة، هجرة عشرات الشبان المسيحيين، كما أن هناك حالات هجرة من قرى ريف حمص ووادي النصارى أيضاً، فضلاً عن مواصلة مسيحيي حلب ودمشق ومدن الجزيرة السورية الهجرة إلى الخارج. فأحياء المسيحيين في مدينة حلب لم تبقَ فيها سوى أقلية من المسنّين، إذ هاجر أكثر من 80% منهم بحسب الأب مطانيوس حداد من كنيسة الروم الكاثوليك في حلب. وكذلك مدينة القامشلي التي كان المسيحيون يمثّلون الغالبية العظمى من سكانها، شهدت موجة هجرة كبيرةً، إذ لا تتجاوز اليوم نسبة المسيحيين فيها 10%.

شهدت الأسابيع الأخيرة في كلٍّ من مدينة محردة وبلدات السقيلبية وكفربهم وأيو وغيرها في ريف حماة، هجرة عشرات الشبان المسيحيين

ولم تقتصر هجرة السوريين على مكوّن محدد بعينه، بل شملت جميع مكونات المجتمع، لكن بالرغم من ذلك فإن أثر هجرة المسيحيين كان الأخطر على المنطقة، إذ باتت تلك القرى والبلدات شبه فارغة من سكانها، ما أدى إلى تضاؤل أحد أبرز مكونات التنوع الديموغرافي والثقافي السوري، فبعدما تراجعت نسبة المسيحيين في سوريا إلى نحو 10%، مطلع القرن الحادي والعشرين، حسب الأرقام المتداولة، تستمر هذه النسبة في التدنّي حتى وصلت إلى 4% بعد عشر سنوات من الحرب المدمرة.

يقول راعي إحدى الكنائس في مدينة حلب، والذي فضّل عدم الكشف عن هويته بسبب المخاطر الأمنية، لرصيف22: "في بداية الحرب، كان العديد من المسيحيين يؤيدون النظام، لأنه استغلّ التهديد الذي تمثّله الجماعات المتشددة في سوريا، لتصوير نفسه على أنه حامي المجتمع المسيحي، وأنه الخيار الأفضل، وأن البديل هو التطرف وهذا سيكون أسوأ بالنسبة إلى المسيحيين، وقد تفاقم هذا الموقف مع صعود تنظيم داعش قبل نحو ثماني سنوات، إلا أنّ المسيحيين أدركوا بعد نحو 4 سنوات ونيف تقريباً، أن النظام لم يوفر لهم الحماية".

يضيف: "قوات النظام لا تبالي بالأضرار التي تُلحقها بالتاريخ والتراث الحضاري اللذين يعودان إلى آلاف السنين، إذ أحدثت ترسانة الأسلحة العائدة لقوات النظام ضرراً كبيراً في دور العبادة المسيحية، الأمر الذي يُعدّ شكلاً من أشكال الترهيب ضد الأقلية المسيحية في سوريا، ووسيلةً لتهجيرهم وإفقاد المجتمع السوري أحد مكوناته. كما أن المسيحيين يلقون المصير نفسه كأي مواطن سوري يثير غضب الحكومة، ويتعرضون بشكل روتيني للسجن التعسفي والاختفاء القسري والوقوع في مرمى نيران الصراع، وهذا ما يدفع المتبقّين منهم إلى الهجرة".

شبكات تهريب منظمة

تنتشر شبكات تهريب البشر في جميع المحافظات السورية، لكنها تتركز حيث المعابر الحدودية بين سوريا وتركيا، لا سيما في محافظتي حلب وإدلب، وبشكل أقل في الحسكة، وعلى نحو أقل في ريفي دمشق وحمص حيث المعابر الحدودية مع لبنان.

وتقوم هذه الشبكات بتسيير رحلات يومية لنقل عشرات المهاجرين من مختلف المناطق وإيصالهم إلى وجهتهم خارج سوريا، وضمان تجاوزهم جميع حواجز القوى المتصارعة على الأراضي السورية من دون تفتيش، بكلفة تصل إلى 1،200 دولار للشخص الواحد. كما تقوم هذه الشبكات أيضاً بنقل الشخص إلى تركيا، ومنها إلى أوروبا بكلفة تصل في بعض الأحيان إلى 15 ألف دولار.

وتعمل هذه الشبكات على نشر أخبار نجاح وصول المهاجرين بشكل شرعي إلى دول أوروبا، عبر صفحات التواصل الاجتماعي، ما شجّع بشكل مباشر الهجرة غير الشرعية، التي تضاعفت في الأشهر الأخيرة، إذ لا يمضي يوم من دون نبأ عن وصول شاب أو اثنين من قرى المسيحيين إلى أوروبا.

التقيت ضابطاً في النظام السوري، وأخبرني بأنه سيوصلني إلى المناطق الخاضعة لسيطرة قوات سوريا الديمقراطية، بعد منحي أوراقاً مزورةً تثبت أنني عنصر في جهاز الأمن العسكري التابع للنظام، لأتمكن من المرور عبر نقاط التفتيش

يروي سمير الحلو، وهو اليوم مقيم في ألمانيا، لرصيف22، كيف خرج من سوريا بمساعدة أحد الضباط في الجيش السوري، من الذين يعملون في تهريب البشر، ويقول: "التقيت ضابطاً في النظام السوري، وأخبرني بأنه سيوصلني إلى المناطق الخاضعة لسيطرة قوات سوريا الديمقراطية، بعد منحي أوراقاً مزورةً تثبت أنني عنصر في جهاز الأمن العسكري التابع للنظام، لأتمكن من المرور عبر نقاط التفتيش والتنقل بحرية، حتى وصولي إلى وجهتي في مناطق سيطرة قسد. وهناك تبدأ رحلة أخرى مع مهرب آخر إلى المنطقة الخاضعة لسيطرة المعارضة، ومنها إلى تركيا".

لم تكن رحلة سمير سهلةً، كان يتوجب عليه إخفاء هويّته المسيحية في كل المناطق التي وصل إليها. برأيه، "كل ذلك كان بدافع التخلص من القبضة الأمنية التي يفرضها النظام في مناطق سيطرته، عدا عن أنه ليس بالإمكان العيش هناك في ظل ظروف معيشية سيئة، إذ بات من المستحيل تأمين جميع مستلزمات الحياة والعيش بسلام في تلك المنطقة".

سوريا تفقد مكوّناتها

تعرضت سوريا لموجات هجرة عديدة منذ اندلاع الثورة السورية عام 2011، وكانت المرة الأولى في عام 2012، ومعظم المغادرين كانوا من المعارضين والملاحَقين من قبل أجهزة النظام الأمنية، ثم تلتها موجة أوسع عام 2015، شملت معظم المهاجرين من الشباب الرافضين للخدمة العسكرية الإلزامية، والعائلات التي فقدت مصادر رزقها وهُجِّرت من بيوتها، والذين تعرضوا لتهديدات من التنظيمات المتشددة وتحديداً "داعش".

تقلّص عدد المسيحيين في سوريا خلال السنوات الأخيرة إلى ما نسبته 70%، وذلك وفق ما ورد على لسان قسطنطين دولغوف، خلال مؤتمر "دور الأديان في العالم المعاصر"

لكن تُعدّ هجرة المكوّن المسيحي من سوريا قضيّةً معقّدةً ولها تشعّبات تاريخية كثيرة، وتعود أسباب الهجرة في السنوات القليلة الماضية إلى أسباب أمنية، إذ إنّ بعضهم لم يعد يحتمل ممارسات الأجهزة الأمنية التي تطاول جميع مكوّنات المجتمع السوري. كذلك ثمّة أسباب اقتصادية، من قبيل تردّي الوضع الاقتصادي في البلاد منذ مطلع ثمانينيات القرن الماضي، خصوصاً في مناطق الجزيرة السورية. أمّا الأسباب السياسية، فتُفسَّر بتصاعد الاحتقان السياسي في البلاد.

ووصل عدد المسيحيين في سوريا إلى 2.2 مليون نسمة، حسب الإحصائيات الرسمية الصادرة عن النظام السوري في عام 2010، أي أنهم كانوا يشكلون ما نسبته ثمانية في المئة من مجموع السكان الكلي. وكانوا يتوزّعون بنسب متفاوتة على جميع المحافظات، لكن تركزت النسبة الأكبر منهم في كل من محافظتي الحسكة وحلب.

وكانوا من مختلف الطوائف المسيحية، ومعظمهم من الروم الأرثوذكس إلى جانب الأرمن الأرثوذكس والروم الكاثوليك والسريان الكاثوليك والأرمن الكاثوليك والموارنة والكلدان الكاثوليك والسريان الأرثوذكس والآشوريين وغيرهم.

في المقابل، تقلّص عدد المسيحيين في سوريا خلال السنوات الأخيرة إلى ما نسبته 70%، وذلك وفق ما ورد على لسان قسطنطين دولغوف، مفوض الخارجية الروسية لشؤون حقوق الإنسان والديمقراطية، خلال مؤتمر "دور الأديان في العالم المعاصر"، عام 2016.

كما تفيد تقارير إعلامية غربية، بأنه قُتل خلال السنوات العشر الماضية، 118 مسيحياً سورياً، واعتُقل أكثر من 550 آخرين، بالإضافة إلى تسجيل 75 حادثة تعذيب، وحوادث حرق وتدمير للكنائس وملحقاتها، في عملية ممنهجة تهدف إلى دفع المسيحيين إلى الفرار خارج سوريا.

وتصاعدت موجة الهجرة مجدداً بعد الانتخابات الرئاسية عام 2021، التي كرّست بقاء النظام، وفقدان الثقة بتحسن الأوضاع المعيشية، مع تفاقم الانهيار الاقتصادي وحالة العطالة وفقدان مصدر العيش، ما أسفر عن هجرة عشرات الآلاف من كبار الصناعيين والتجار وصغار الحرفيين، بالتزامن مع هجرة واسعة للأطباء. 

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard