فرضيات ديستوبيّة حول الروبوت الشاعر ذي البندقيّة المطبوعة منزلياً

الجمعة 12 أغسطس 202211:00 ص

انتشر مؤخراً خبر عن أحد موظفي غوغل الذي تحدث علناً عن تخوفه من "لامدا"، أحد برامج المحادثة الذي تستخدمها الشركة وأرادت طرحه للعلن، إذ ادّعى مهندس المعلوماتية بلايك ليموني، أن لامدا قد يمتلك ذكاء خاصاً به، أي طوّر وعياً بذاته، ونتيجة هذه التصريحات، تم تعليق توظيف المهندس واتهامه بوسواس الريبة.

الجملة السابقة اختزال مجحف للحادثة، إذ يكشف تتبع الخبر أن غوغل علقت توظيف أحد مهندسيها بلايك ليموني، أي تم منحه ما يشبه الإجازة، كونه اخترق اتفاق السرية بينه وبين الشركة، فتهمته هي التصريح عن معلومات تخص أنظمة التشغيل الداخلية للشركة، وهذا بالضبط ما يثير الريبة، لم يُطرد المهندس، بل عُلّق توظيفه، أي عوقب لأنه تحدث بما لا يجوز الحديث عنه.

لا يتضح بدقة خطورة ما كشفه المهندس من معلومات، إذ وُصِف كلامه بالغامض والمؤامراتي، بل نُعت أيضاً بـ"الهراء على أسس متينة"، أي لا دليل على امتلاك الذكاء الاصطناعي وعياً سوى كلام المهندس نفسه، الذي قال إن أحد برامج المحادثة أصبح قادراً على تكوين جمل وعبارات تعكس وعيه بذاته، وكأنه طفل بعمر السادسة أو الثامنة، أي أصبح كياناً يعي نفسه. وهنا السؤال: هل يعي هذا الذكاء الاصطناعي ما يقوم به؟ أي هل يدرك نوع الكلام الذي ينطقه، وهل يستطيع الفصل بين المحادثات والشعر والشتائم بوصفها أشكالاً متنوعة للكلام؟ الجواب حسب بعض اللغويين، لا، هذا البرنامج لا يؤلف، بل يتنبأ بالكلمات ضمن سلسلة من المعطيات الأولية.

الخوف من الإدراك اللغوي

غرد ليموني مؤخراً (عن حماقة أو جدية) متسائلاً: لما لا يوجد لوبيات سياسية في أمريكا تدافع عن حق الأفراد باستخدام الأسلحة السايبرية، كما هو الحال مع الأسلحة التقليديّة؟ فمن وجهة نظره، الأسلحة السايبرية أكثر قدرةً على محاربة الحكومة الطاغية، أي لما لا يتم اعتبار الفيروسات وبرامج القرصنة "أسلحة" محمية بالتعديل الثاني، وهنا نحن أمام مقاربة لا يمكن إنكار منطقيتها؟

تكشف سلسلة التعليقات على التغريدة (أو ربما هي قراءتنا نحن) عن زاوية أشد خطورة، في حال كان ادعاء ليموني صحيحاً، أي إن كان الذكاء الاصطناعي واعياً، أو يملأ سلسلة من الكلمات بما هو مناسب، فهو قادر على "كتابة" برمجيات يمكن استخدامها كأسلحة، بل ويمكن لهذا الذكاء الواعي، استخدام مخططات الأسلحة المنشورة على الإنترنيت، وتعديلها وطباعتها باستخدام طابعات 3D، للدفاع عن نفسه، لا فقط ضد الحكومة الطاغية، بل ضدنا نحنا البشر، ولا حاجة لذكاء اصطناعي متطور لنعرف مصدر مشكلات العالم، التي يمكن اختزالها بكلمة واحدة: الإنسان.

هناك آلات قادرة على كتابة الشعر، فهل القصائد التي ألفها الذكاء الاصطناعيّ ليست إلا تمهيدات لآلات قادرة على استخدام أسلحة الـ M16 المطبوعة منزلياً؟

نتحدث عن هذا الموضوع الآن وفرضية الأسلحة ومخططاتها لا لندلل على مقاربة الخيال العلمي بل لنفكر في الأدب، خصوصاً أن هذا البرنامج الذي افتضح أمره ليموني يتعامل مع اللغة والكلمات، التي ما زلنا نحن البشر عاجزين عن تقديم إجابة حاسمة لأبسط التساؤلات فيما يخص دورها، أي هل نفكر عبر اللغة، أم اللغة ذاتها هي أفكارنا؟ ما هو أصل اللغة؟ هل نؤلف أم نعيد ترتيب كلمات سابقة؟

حساسية موضوع اللغة ورد فعل غوغل حول هذا البرنامج الواعي يدفعنا للتساؤل، لما المسارعة إلى نفي فرضية آلة تفكر وتنطق بصورة مستقلة "عنا"؟ لا نمتلك إجابة حالياً، لكن هناك ما هو مثير للسخرية في الموضوع. بداية، فكرة وجود آلة قادرة على التفكير عبر اللغة قديمة، وتعكس فرضيات حول الظاهرة اللغوية لم يعد رائجاً الآن، ونقصد فرضية وجود لغة شاملة لكل شيء (لغة آدم، اللغة ما قبل انهيار برج بابل، لغة الحقيقة...)، الفرضية التي طوّرها لايبنز في أواسط القرن السابع عشر، الذي يرى أن هناك "لغة عالمية"، يفهمها الجميع، لغة قادرة على حلّ كل المشكلات الفلسفية، ولم يتوقف الأمر عند التنظير، بل صمم لايبنز عام 1700 آلة "تدرك" هذه اللغة، وهناك نسخ منها في مختلف متاحف العالم "متحف هانوفر الوطني، متحف جامعة دريسدن".

لا يمكن أن ننسى أن السعي لوجود لغة أصلية ذو تاريخ ديني، يشير إليه جاك دريدا في الغراماتولجيا، إذ يرى أن هناك ميلاً نحو أصل واحد في الدراسات اللغوية، هناك لوغوس ديني مهيمن حين الحديث عن نشأة الكتابة. لكن الملفت، إن عدنا للتحذيرات الدينيّة، أن علامة اقتراب نهاية العالم، هي ظهور حيوانات تتحدث وتعي أنها تتحدث، لا الآلات، وهنا المفارقة أيضاً، الرعب الديني يحركه كائن حيّ يتحدث، لا آلة تتحدث، لكن ربما في عصرنا هذا تطورت صيغة التحذير الديني، لم يعد يهم "من /ماذا" يتحدث، بل المهم أنه يتحدث فقط.

هناك آلات قادرة على كتابة الشعر، فهل القصائد التي ألفها الذكاء الاصطناعيّ ليست إلا تمهيدات لآلات قادرة على استخدام أسلحة الـ M16 المطبوعة منزلياً؟.

ما نعرفه أن الإنسان ينسى ألف بيت ليؤلف الشعر، الآلة لا تنساها، بل تبق حاضرة أمامها دوماً، وهنا الملفت في التعريفات العلميّة والأدبية متنوعة لعملية التأليف وعلاقتها مع الذكاء الاصطناعي، هي غير مقنعة، كونها ترتبط بجسد الإنسان وقدرته على الاختيار والأهم، امتلاك الأسلوب، وهذا بالضبط ما يتم التركيز عليه ويعبر عن تميّز البشريّ، هو يؤلف بأسلوب

أي وزن تتبناه الآلة لقرظ الشعر

الملفت في حكاية بلايك هي السخرية التي تعرّض لها، لم يتم التعامل معه كأنه جوليان أسانج أو إدوارد سنودن، أي بوصفه شخصاً كشف حقيقة لم يكن من المفترض أن يعرفها أحد، بل تعرّض للتهكم والتسفيه مباشرة، كونه من المستحيل وجود آلة تكتب وتعي ما تكتب، لكن نقرأ في مقال نشر مؤخراً في النيويوركر عن ذكاء اصطناعي قادر على تبني "أسلوب" أي شاعر تم تغذية الآلة بقصائده.

نعود هنا السؤال حين الحديث عن الآلة، ما المقصود بـ"تعي" ما تكتب؟ هل الكتابة الهذيانية واعية (الدادائين)؟ الكتابة الآلية (السورياليّة)؟ الكتابة تحت تأثير المخدرات (جيل البيت)؟ ما المقصود بأنها تعي؟ وهل المقصود "تؤلّف" أي الجمع والإلفة بين العناصر، أم المقصود هو التلفيق، أي الجمع دون ضبط للعلاقات الضمنية بين العناصر؟ لا نعرف. ما نعرفه أن الإنسان ينسى ألف بيت ليؤلف الشعر، الآلة لا تنساها، بل تبقى حاضرة أمامها دوماً، وهنا الملفت في التعريفات العلميّة والأدبية متنوعة لعملية التأليف وعلاقتها مع الذكاء الاصطناعي، هي غير مقنعة، كونها ترتبط بجسد الإنسان وقدرته على الاختيار والأهم، امتلاك الأسلوب، وهذا بالضبط ما يتم التركيز عليه ويعبر عن تميّز البشريّ: هو يؤلف بأسلوب.

لكن حتى الأسلوب مشكك به، الأشكال المتطورة من أنظمة توليد اللغة والكلمات أصبحت أشد تعقيداً مما كانت عليه سابقاً، لم تعد آلات من أواسط القرن السابع عشر، فحالياً، كما نقرأ في مقال النيويوركر، بإمكاننا إنتاج قصائد جديدة دوماً، وننسبها لمن نريد من الشعراء كونها تتبنى "أسلوبهم"، بالتالي ألم تعي الألة ترتيب الكلمات التي لم تنسها، وأنتجت على أساس ذلك نصاً؟ أو لنقل بصورة أقل شعريّة (وأقل ريبة) كلاماً ذا معنى؟

التخوف من الذكاء الاصطناعي، وهالة نظرية المؤامرة المحيطة بالآلات التي تحكي، هو التهديد لما نظنه امتيازاً بشرياً، أي استخدام اللغة، بصورة أدق، التأليف، خصوصاً أنه تفصلنا عتبة واحدة عن فقدان العبارة الأشهر "الإنسان حيوان ناطق" لمعناها، وهذا ما يبرر ردود الأفعال تجاه المنتجات الخاصة بالذكاء الاصطناعي الذي يوظف اللغة، والتي تظهر إما في مساحات فنية مضبوطة، أو تجارب لخلق أخبار سريعة عن قصائد وروايات تكتبها الآلات.

كل ما سبق يشترك بشأن واحد، يلوح بمفارقة "لغوية" مفادها أننا لسنا الوحيدين الذين نمتلك القدرة على التعبير وتناقل المعارف، خصوصاً أننا بعكس الآلة، ننسى ما قرأناه وما تناقلناه، وعاجزين عن استعادته بلحظة واحدة، وهنا الرعب، هل من كتب الكلمات التاليّة الواعي بمصادرها والأماكن التي ذكرت فيها آلة أو شاعر: "لحظة التفرد قادمة/ستلتقي بي في المحطة/ مبتسمةً تحمل الزهور/ لتزف لي بعض الأخبار السيئة".

تكنولوجيا "بصمة النص" والرغبة بمعرفة "المؤلف" ليست إلا نتاج الإفراط في الفردانية، والسعي لنسب الأفكار والكلمات إلى أجساد أصحابها بعيداً عن قيمتها النصية، والهدف معرفة موضع المؤلف التقاطعي، من أجل اتهامه وتوجيه اللوم له، والأهم، بعثه من موته المفترض

كابوس بصمة النص

يتفاخر "المؤلف" باختفائه، أي يتضح حضوره كلما تلاشى في النص، القاعدة التي يحاول نظام الهويات الجديد كسرها أو إعادة النظر بها. أي إن كان النص ملكاً للمكتبة وللقراءة بسبب موت المؤلف، ما يحصل حالياً هو محاولة لإعادة بعثه، القارئ/ المتلقي يريد أن "يعرف" من المؤلف، لأن الأخير لم يراع حساسية ما، وهذا تهديد لعالم الأدب المليء بالمؤلفين المجاهيل، والمنتحلين، والكذبة، والملفقين، فما يهم هو النص وعلاقته مع نصوص أخرى، المؤلف وسيط، كائن يموت ويختفي وراء النصوص، حرية المؤلف نفسها ناشئة من مشيه كلمة وراء كلمة وسطر وراء سطر، نحو موته.

الرغبة السابقة بمعرفة "المؤلف" نتاج الإفراط في الفردانية، والسعي لنسب الأفكار والكلمات إلى أجساد أصحابها بعيداً عن قيمتها النصية، والهدف معرفة موضع المؤلف التقاطعي، هذا السعي تكلل بما يعرف بـ"بصمة النص"، الكلمة التي نقرأها في خبر صغير عن قيام مجموعة من المبرمجين التابعين لوكالة الاستخبارات الأمريكيّة، بتطوير ذكاء اصطناعي قادر على معرفة صاحب النص كما نعرفه من بصمة يده أو عينه، والحديث هنا عمّا ينشر على وسائل التواصل الاجتماعي من تعليقات.

المرعب أننا نعلم إمكانيّة وضع "كل" النصوص على هارد درايف، وإنشاء نسخة رقمية منها، أي يمكن في لحظة مستقبلية ما، أن نعرف هوية مؤلفي النصوص الملفقة أو المنحولة، الشأن الذي يعتبر كابوساً للعاملين في حقل الكتابة والتأليف، كابوس يختصر بالتالي: إن كان المؤلف يسعى لإخفاء نفسه (ميلان كونديرا الصورة الأكثر راديكالية في الموضوع) والحفاظ على نصه بعيداً عن جسده، "بصمة المؤلف" تسعى لإعادته إلى الواجهة، وتوجيه أصابع الاتهام له بشكل مباشر وصريح.

تلخيص سريع للفرضيات السابقة: هناك آلات، تعي اللغة وتجيد استخدامها، تمتلك القدرة على طباعة الأسلحة وصناعة الفيروسات وكتابة الشعر، وقادرة في لحظة ما على تحديد هوية صاحب كل نص مكتوب، واستهدافه شخصياً!

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard