أعراس دون طقوس في اليمن... تكاليف أقل وفرح أقل

الجمعة 5 أغسطس 202211:26 ص

كثيرة هي الأسر اليمنية التي يقبع فرد منها في السجون أو التي فقدت أحد أبنائها في الحرب حتى تكاد لا تجد متعة في إقامة طقوس زواج لأحد أبنائها أو بناتها، لهذه الأسباب وللفقر كسبب أقوى يصبح تغييب طقوس الفرح والزواج خيار العائلات الأفضل، والأقل كلفة.  

ليست طقوس الزواج في اليمن بعيدة عن تأثيرات الحرب وتدهور الأوضاع المعيشية، ومع ذلك لا تزال بعض العائلات تحاول إحياء الطقوس التي تعد من العادات والتقاليد اليمنية الأصيلة، فالحرب تصادر قدرة الناس على الفرح، لكنها لا تصادر حقهم بالمطالبة بساعة سعادة في إجازة من الحزن.  

اليمن أسوأ مكان للعيش والزواج 

بعد سنوات من الكفاح، والعمل في سبيل توفير "المهر" تمكن الشاب حذيفة حميد، 30 عاماً، من الزواج لكن حالته المادية المتدنية أجبرته على إقامة زفافه بلا مراسيم، إذ غابت الطقوس التقليدية يوم فرحته، حاله في هذا حال المئات من الشباب في اليمن الذين غيبت الحرب طقس زواجهم. 

يعمل حميد في أحد المولات التجارية في العاصمة اليمنية صنعاء الواقعة تحت سيطرة جماعة الحوثي المدعومة من إيران، ويتقاضى راتبا شهرياً يبلغ نحو 100 ألف ريال يمني أي ما يعادل نحو 180 دولاراً أمريكياً بالكاد تكفي لتوفير متطلبات الحياة اليومية في بلد صُنفت ضمن أسوأ الأماكن العيش  في العالم. 

يقول حميد لرصيف22 : "الوضع في البلاد صعب للغاية" مشيرًا إلى أنه أنفق نحو 500 ألف ريال يمني أي ما يعادل نحو 900 دولار أمريكي في تكاليف زواجه الذي أقامه في منزله في العاصمة صنعاء دون دعوة أحد سوى عدد قليل من أفراد عائلته، لافتاً إلى أن مراسيم وطقوس الزواج أصبحت تُكلف ما يقارب مليون ونصف أي مايعادل نحو ثلاثة آلاف دولار أمريكي.

الحرب فرضت واقعاً جديداً وغيرت النظرة المجتمعية، فأصبح غالبية الشباب يقيمون زواجهم من دون مراسيم، ولم يعد هذا الخيار معيباً أو محرجاً

يُمثل هذا المبلغ عبئًا ماليًا كبيرًا على حميد مقارنة مع دخله الشهري المتدني، بالإضافة إلى تدهور الأوضاع المعيشية، وانعكاساتها السلبية على حياة اليمنيين خلال سنوات الحرب التي تعصف بالبلاد منذ سنوات.

ويرى الخبير الاقتصادي اليمني رشيد الحداد  أن الكثير  من الشباب في البلاد تخلوا عن طقوس الزواج بسبب غلاء المهور، وغلاء المعيشة، وارتفاع إيجارات السكن، بالإضافة إلى ارتفاع تكاليف إقامة الزواج إلى أكثر من 100 % خلال الأعوام الماضية. 

تقدم محمد قبل عامين لخطبة فتاة من قريته، وكان بحوزته 500 ألف ريال لكنه حتى اللحظة لم يتمكن من إتمام المهر كاملا مما يوفره من راتبه

تماماً مثل حذيفة أقام جمال مهيوب، 29 عاماً، حفل زفافه في منزله في صنعاء من دون مراسيم مكتفياً بـ"حفلة باهتة" شارك فيها بعض أقاربه، وهو بذلك لا يختلف عن آلاف الشباب الذين وجدوا أنفسهم عاجزين، فطقوس الزواج لم تعد متاحة للجميع خلال السنوات الماضية خصوصاً ذوي الدخل المحدود من العمال والفلاحين.

الرقص وسط الموت

تختلف طقوس الزواج بين مدينة وأخرى في اليمن. ففي العاصمة صنعاء تقيم عائلة العريس طقوساً تقليدية عديدة، من بينها إنارة المنزل بالأضواء، وإقامة سهرة بجوار المنزل يشارك فيها الأهل والأصدقاء وسكان الحي بحضور مغنٍ، شعبي حيث يتم خلال السهرة زفة العريس بالرقص الشعبي مثل الرقص اللحجي، والرقص الصنعاني  و"البرع " الصنعاني، وإطلاق الألعاب النارية في الهواء، والتقاط العديد من الصور التذكارية. 

ثمة مراسيم وطقوس أخرى تتبع السهرة، كإقامة مأدبة غداء، وجلسة في إحدى قاعات الأفراح،  حيث يذهب العريس تصاحبه بعض السيارات إلى القاعة التي تنتظره فيها العروس لبقية المراسيم والتقاط الصور ومن ثم مغادرة القاعة والتجول في السيارات في شوارع وأحياء المدينة، وأخيراً العودة إلى منزل الزوج لتنتهي مراسيم وطقوس الزواج حينها. 

بالنسبة للشابين فإن كل تلك الطقوس غابت من حفلي زفافهما، فهي بحسب مهيوب تحتاج إلى مبالغ مالية باهظة موضحاً لرصيف22 أن معظم الشباب غير قادرين على توفيرها، فهم بالكاد يستطيعون توفير المهر الذي أصبح يكلفهم سنوات من التعب والجهد، ويضيف: "قبل اندلاع الحرب لم يكن أحد يفكر بالزواج دون مراسيم إذ كانت طقوس الزواج تعتبر من الأشياء المقدسة في المجتمع اليمني. وكان البعض يخشى من إقامة زفافه من دون مراسيم خوفاً من نظرة المجتمع السلبية له، لكن سنوات الحرب فرضت واقعاً جديداً وغيرت النظرة المجتمعية، فأصبح غالبية الشباب يقيمون زواجهم من دون مراسيم، ولم يعد هذا الخيار معيباً".

ويعتقد الصحافي اليمني أبوبكر الفقيه  أن الحرب في اليمن انعكست سلباً على العادات والتقاليد المجتمعية في البلاد ،لافتاً إلى تراجع نسبة اليمنيين الذين لا يزالون يهتمون بإقامة طقوس الزواج. 

ويضيف "الأكثر تضرراً من الصراع هم ذوو الدخل المتوسط، فالحرب حولتهم إلى فقراء يعتمدون على المساعدات الإنسانية. لذلك باتت طقوس الزواج مكلفة للغاية بالنسبة لهم".

الأكثر تضرراً من الصراع هم ذوو الدخل المتوسط، فالحرب حولتهم إلى فقراء يعتمدون على المساعدات الإنسانية

يوافقه الحداد الرأي بقوله: "الكثير من المظاهر التي اعتادها اليمنيون تراجعت بشكل لافت بسبب تراجع مستويات الدخل وتوقف صرف رواتب قرابة 700 ألف موظف"، مشيراً إلى أن تلك التداعيات فرضت على الكثير من المواطنين العيش في حالة تقشف والاكتفاء بتناول وجبات غذائية رخيصة التكلفة. 

التوفير في المراسيم لا المهور 

في الوقت الذي تمكن فيه حميد ومهيوب من توفير المهر  والزواج من دون مراسيم لا يزال عبدالرحمن محمد، 28 عاماً، يكافح لجمع الأموال الكافية لدفع تكاليف المهر الذي وصل خلال السنوات الماضية إلى نحو مليوني ريال أي ما يعادل نحو 3700 دولار بسعر صرف الدولار في صنعاء. 

ينحدر محمد من إحدى القرى الريفية في محافظة إب الواقعة تحت سيطرة جماعة الحوثي وسط اليمن ويعمل في شركة خاصة في المدينة، ويتقاضى راتباً شهرياً يبلغ نحو 150 الف ريال يمني أي ما يعادل نحو 250 دولاراً أمريكياً، مشيراً إلى أن نصف المبلغ يذهب لمصروفه الشخصي ومساندة عائلته. 

10 ملايين يمني على بُعد خطوة من الموت جوعًا، فيما يعاني سبعة ملايين من سوء التغذية. فمن سيهتم وسط المأساة بطقوس الزواج؟

تقدم محمد قبل عامين لخطبة فتاة من قريته، وكان بحوزته 500 ألف ريال لكنه حتى اللحظة لم يتمكن من إتمام المهر كاملا مما يوفره من راتبه، مشيراً إلى أن المهور في المناطق التي يسيطر عليها الحوثيون هي الأعلى في اليمن.

ونتيجة لارتفاع المهور بشكل غير مسبوق لم يعد بمقدور محمد، ومئات الشباب توفير هذا الشرط الذي يضعه بعض الآباء عند تزويج بناتهم، إذ يضطر الكثير من الشباب إلى تأجيل زواجهم على أمل خفض المهور، وعودة الحياة كما كانت عليه قبل اندلاع الحرب.

وفي حين يشكو الشباب من ارتفاع تكاليف المهور، يقول الخمسيني محسن قايد لرصيف22: "المشكلة الأكبر هي في غلاء المعيشة، ومعظم الرواتب لا تكفي لشراء كافة متطلبات الزوجة"، مشيراً إلى أن أكثر من نصف المهر يذهب لشراء الذهب للعروس، وغرام الذهب وصل إلى 60 دولاراً أمريكياً وهو الأمر الطبيعي لأن الذهب يرتفع كلما انهارت العملة. 

أكثر من نصف المهر يذهب لشراء الذهب، والذي وصل الغرام منه إلى 60 دولاراً أمريكياً، فكلما انهارت العملة ارتفع سعر الذهب

ويشرح: "تكاليف الملابس التي تحتاج إليها العروس مع مستحضرات التجميل تحتاج إلى نحو 500 ألف ريال يمني أي ما يعادل نحو 900 دولار أمريكي في حين كانت قبل اندلاع الحرب لا تصل إلى 150 ألف ريال، مشيراً إلى أن غلاء الأسعار هو الذي فرض على أولياء الأمور رفع مهور بناتهم". 

أرقام مفزعة لا تصلح للفرح

يقول الخبير الاقتصادي الحداد: "الشباب تأثروا بشكل كبير كونهم يمثلون نحو 70% من اليمنيين في سن العمل، فالحرب أثرت على بيئة الأعمال وأدت إلى تراجع معدلات الاستثمار المحلية والأجنبية التي كانت تساهم في توفير فرص العمل، وغيابها أدى إلى فقدان الآلاف أعمالهم وإلى تعثر مشاريع الشباب الصغيرة والمتوسطة".

ومع دخول الحرب في اليمن عامها الثامن تعيش البلاد أسوأ أزمة  إنسانية في العالم، إذ يعاني ما يقرب من 80% من إجمالي عدد السكان، أي 24.1 مليون إنسان من احتياج إلى أنواع عدة من المساعدات الإنسانية والحماية، وأصبح 10 ملايين يمني على بُعد خطوة من المجاعة والموت جوعًا، فيما يعاني سبعة ملايين من سوء التغذية. فمن سيهتم وسط المأساة بطقوس الزواج؟

 


إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard