ذهب السودان... اتفاق على التهريب واختلاف على المهرّبين

الأربعاء 3 أغسطس 202204:08 م

بلاد تئن تحت وطأة الفقر، وأراضٍ تعجّ بكنوز من الذهب، ومياه تجري في النهر وأجواف عطشى؛ شتّان بين كرم هبات الرب وسوء إدارة البشر في السودان.

إحدى النقاط المثيرة للتساؤل والغضب في السودان في الآونة الأخيرة، هي تسريبات عن سرقة الذهب السوداني ونهبه لصالح الروس عبر وساطة من قيادات من الجيش، أو عبر شراكة معها.

لم تنَم القصة يوماً حتى تستيقظ، خصوصاً مع كثافة التناول الصحافي لها تصريحاً أو تلمحياً، وكان آخرها تقرير أعدّته شبكة CNN الإخبارية، عن تهريب الذهب السوداني بالتواطؤ مع جنرالات سودانيين إلى روسيا، وهو ما تزامن مع همهمات متناثرة ملأت أجواء الخرطوم، غضباً لثروات البلاد المهدورة ووصلت إلى حد الدعوة إلى تسيير مواكب احتجاجية رافضة لما يحدث.

وجدير بالذكر أنه وفقاً لتصريحات محمد بشير، وزير المعادن السوداني، فإن الوزارة نجحت في تحقيق إنتاج عالٍ من الذهب خلال الربع الأول من العام الجاري، هو الأكبر منذ خمس سنوات. لكنه أقرّ بأن 75% من الإنتاج الإجمالي للذهب والذي يبلغ ما يقرب من 100 طن سنوياً، لا يدخل منه سوى نحو 30 طنّاً إلى خزينة الدولة، أما البقية فيتم تهريبها إلى الخارج، بالرغم من سعي الحكومة إلى تدشين بورصة للذهب السوداني في محاولة لنقل التجارة إلى النور.

لكن التقرير الأخير للمحطة الأمريكية الذي نُشر بعنوان "روسيا تسلب ذهب السودان لتمويل حرب بوتين على أوكرانيا"، ذكر أرقاماً مغايرةً لتصريحات الوزير، إذ أشار إلى أن حجم إنتاج الذهب السوداني يقترب من 220 طناً سنوياً.


تشير تقارير عدة إلى أن حميدتي هو المتحكم بأهم مناطق إنتاج الذهب، سواء بقواته أو بواجهاته التجارية، فضلاً عن كونه رجل روسيا في السودان، وقنطرتها لتوصيل الذهب بعيداً عن دورات المحاسبة الخاصة بالموازنة العامة

ومن جانبها أصدرت وزارة المعادن بيانا أعلنت فيه عن عزمها إتخاذ إجراءات قانونية ضد القناة بتهمة عدم المهنية وتضليل الرأي العام، فضلا عن ملاحقة معدة التقرير قضائيا  بتهمة الدخول إلى مناطق إنتاج الذهب دون إذن.

علاقة ممتدة

في أواخر عهد الرئيس المخلوع عمر البشير، طلب الأخير من نظيره الروسي فلاديمير بوتين، حماية نظامه من النفوذ الأمريكي، مقابل موانئ على ساحل البحر الأحمر.

بعدها، ظهرت إلى العلن صور لعسكريين روس من منظمة فاغنر في حقول إنتاج الذهب.

وعقب فضّ اعتصام القيادة العامة الذي أطاح بالبشير في 3 حزيران/ يونيو 2019، على يد المجلس العسكري، أبرم المجلس اتفاقيةً مع روسيا، تخوّل للأخيرة إنشاء قاعدة عسكرية في البحر الأحمر قادرة على استقبال سفن تعمل بالطاقة النووية.

تجري مياه كثيرة في النهر ويزداد نفوذ قائد قوات الدعم السريع (الموازية للجيش)، ليصبح قاب قوسين من نجومية الشباك، وهنا يقرر التوجه إلى روسيا عشية هجومها على أوكرانيا.

وتشير تقارير عدة إلى أن حميدتي هو المتحكم بأهم مناطق إنتاج الذهب، سواء بقواته أو بواجهاته التجارية، فضلاً عن كونه رجل روسيا في السودان، وقنطرتها لتوصيل الذهب بعيداً عن دورات المحاسبة الخاصة بالموازنة العامة. وقد فتح حميدتي المجال واسعاً أمام مرتزقة فاغنر الذين سيطروا عبر أذرعهم الاقتصادية والأمنية على مناطق إنتاج الذهب، خاصةً في إقليم دارفور.

وقد أشار التقرير الأخير للشبكة الأمريكية، إلى أن "شركة الصولج"، لا تعدو كونها واجهةً لشركة "ميروي غولد" التابعة لمجموعة فاغنر، في محاولة للتهرب من الملاحقات الدولية للمجموعة.

أمجد مرتضى، أستاذ علم الاقتصاد في جامعة النيلين، تحدث إلى رصيف22، عن تداخلات السياسة والاقتصاد، قائلاً: تلاقت مصالح الخرطوم وموسكو، فمن ناحية تواجه روسيا حصاراً دولياً عليها، وعلى الجانب الآخر يعاني النظام السوداني من العزلة الدولية المتناغمة مع الرفض الشعبي لحكمه، لذلك فهم يرون في روسيا المنفذ الوحيد لخرق العقوبات الاقتصادية على السودان.

لكن على صعيد آخر، فإن الخبير الأمني أحمد زيادة، له وجهة نظر أخرى تُحمّل الولايات المتحدة مسؤولية تهريب الذهب السوداني بممارسة الضغوط على قيادات الجيش، ودفعها إلى الارتماء في الحضن الروسي، ويقول: كل رفض للتعامل مع السلطة في الخرطوم، وتوصيف أهلها بالانقلابيين، ومناصرة الجناح المدني، ستدفع البرهان وحميدتي إلى مزيد من التقارب مع روسيا.


الخبراء يردّون على التقرير الأمريكي

التقرير الأمريكي الأخير حول الذهب السوداني، أثار لغطاً على الصعيد الداخلي. فمن جانب تلقّفه المعارضون والناشطون على صفحات التواصل الاجتماعي، موظفين إياه لفضح ما وصفوه بانتهاكات العسكر، فيما وجده آخرون فرصةً لإدانة الأداء الأمريكي في السودان.


المفارقة أن الجميع يشتكون في السودان؛ فمن جانب تشكو السلطات من تهريب الذهب على يد من تصفهم بالمخرّبين، ومن جانب آخر يشكو المواطنون ممن يصفونهم بالعسكر ودورهم المشبوه -حسب تعبير بعضهم- في تخريب الاقتصاد السوداني.

المدير العام للشركة السودانية للموارد المعدنية، مبارك أردول، هاجم بشدة تحقيق الـ"سي أن أن"، واصفاً الأرقام الواردة فيه بأنها خيالية، وتأتي في سياق إقحام السودان في صراع الغرب مع روسيا. وقال أردول إنه كان في كامل الجاهزية لمقابلة المحققة نعمة الباقر، معدّة التقرير، وتوضيح الحقائق، لو أرادت ذلك.

في المقابل، لم يتكفل أردول بنشر أيٍ من الحقائق التي قال بها بشأن الذهب السوداني، سواء عن الكميات المنتجة، أو عن حجم التهريب، أو حتى عن المبالغ التي يوفرها الذهب سنوياً.

أمنياً، شكك الجنرال المتقاعد أحمد زيادة، في تحقيق الـ"سي أن أن"، وقال لرصيف22 : من الواضح أن التقرير يهدف إلى زيادة حركة المعارضة للجيش، من دون أن يقدّم أدلةً مؤكدةً ضدهم، معتمداً على شهادات صادرة عن ناشطين في مواقع التواصل الاجتماعي.

"يلزمنا الإقرار بوجود عمليات تهريب للذهب السوداني، في كثير من الأحيان برعاية الدولة نفسها، ولكن هذا لا يعني أن نبالغ في تضخيم الأرقام. وأضافت مكاوي أن حجم الإنتاج يقلّ إلى النصف تقريباً عما هو وارد في التحقيق"

وحذّر زيادة من أن تؤدي الأجندات السياسية غير الراشدة -حسب قوله- إلى فرض عقوبات على السودان، المتأثر بها هو المواطن البسيط.


من جانبها، قالت الباحثة الاقتصادية المتخصصة في شؤون المعادن والنفط، سميرة مكاوي، لرصيف22، إنه يلزمنا الإقرار بوجود عمليات تهريب للذهب السوداني، في كثير من الأحيان برعاية الدولة نفسها، ولكن هذا لا يعني أن نبالغ في تضخيم الأرقام. وأضافت مكاوي أن حجم الإنتاج يقلّ إلى النصف تقريباً عما هو وارد في التحقيق.

وتابعت: أغفل التحقيق دولاً أخرى قد تكون ضالعةً في تهريب الذهب، على رأسها الإمارات العربية المتحدة التي تستورد معظم الذهب السوداني، وهو ما يثير شكوكاً مهنيةً ويضعه في مصاف التحقيق السياسي.

من جاتبه، حذّر أستاذ الاقتصاد في الجامعة السودانية، عبد المنعم سعيد، من محاولات من وصفهم بالعسكر لصرف الأنظار عن عمليات نهب الثروات بصورة ممنهجة، بالطعن في الأرقام الواردة في تحقيق الباقر. وقال لرصيف22، إن السلطات لم تردّ على ما جاء في التحقيق، حتى ساعة كتابة التقرير، صبيحة 1 آب/ أغسطس، ما يعني صحة التحقيق، خاصةً مع وجود شواهد تشير إلى تهريب الذهب عبر المطارات العسكرية، وأحياناً عبر مطار الخرطوم الدولي.

وتابع: على العسكر الإجابة عن كيف يديرون الدولة، ويدفعون مصروفات القطاع الأمني المرتفعة لقمع الاحتجاجات منذ استيلائهم على السلطة في تشرين الأول/ أكتوبر 2021، من دون أي دعم خارجي، وفي ظل توقف عجلة الإنتاج بصورة شبه كاملة، متهماً إياهم بتسخير ثروات البلاد الناضبة من أجل خدمة مصالحهم في الحكم، وعلى حساب الأجيال المقبلة.

ما بين تحقيقات و تفنيدات، وتصريحات واحتجاجات، تضيع الحقائق وتتباين الآراء، لكن يظل الثابت أن كنوز السودان ما زالت بعيدةً عن أيدي وأفواه أبناء ذلك الوطن المنكوب بساساته وجنرالاته.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard